عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Jan-2026

فنزويلا ورسائل واشنطن في ظل "عقيدة دونرو"*د. تمارا الزريقات

 الغد

لا يمكن قراءة ما حدث في فنزويلا بوصفه عملية أمنية أو عسكرية معزولة، ولا كتحوّل محلي في أميركا اللاتينية، بل كلحظة كاشفة ضمن الألفية الثانية تعلن انتقالًا مدروسًا في النهج الأميركي: من إدارة الأزمات عبر العقوبات الطويلة إلى إنتاج السوابق السياسية بالفعل المباشر، ثم إدارة ارتداداته لاحقًا. وتزداد هذه القراءة وضوحًا عند ربط الحدث بالإستراتيجية الأميركية التي أعادت تأطير المجال الحيوي للنصف الغربي، عبر ما عُرف بـ The Trump Corollary to the Monroe Doctrine، أي النسخة المحدثة من عقيدة مونرو، التي روّجت لها إدارة ترامب تحت مسمى (عقيدة دونرو) (دونالد + مونرو). ويعكس هذا التحديث استعداد واشنطن لاستخدام القوة لمنع خصومها من ترسيخ نفوذ إستراتيجي في فضاءات تُعد حساسة لأمنها القومي ومصالحها الحيوية، لا سيما في اللحظات التي تتراجع فيها فاعلية الأدوات التقليدية.
 
 
غير أن فهم هذا التحول يظل ناقصًا ما لم يُوضع في سياقه التاريخي الأوسع؛ فمنذ نهاية الحرب الباردة، كانت العقوبات الأداة الغربية الأبرز لضبط سلوك الدول المصنّفة (مخالِفة)؛ لتحويل الضغط الاقتصادي إلى تصدّع سياسي داخلي دون حرب؛ إلا أن التجربة الفنزويلية كشفت محدودية هذا المسار؛ فالعقوبات الممتدة أعادت تشكيل بنية النظام وأنتجت اقتصادًا موازيًا وشبكات بديلة، وحوّلت الحصار من أداة إخضاع إلى سردية صمود، وعند هذه النقطة تحديدًا، لم يأت الفعل الأميركي قطيعة مع منطق العقوبات، بقدر ما جاء تتويجًا لتراجعها، وإعلانا غير مباشر عن قاعدة جديدة مفادها أن استنفاد أدوات الضغط الناعم يفتح الباب أمام الفعل المباشر حتى وإن كان مثيرا للجدل قانونيًا.
ومن هنا، ينتقل التحليل من منطق القرار إلى منطق الاختيار؛ فالعبقرية الإستراتيجية في هذا الحدث تكمن في انتقاء المسرح؛ ففنزويلا تمثل نموذجًا لـما يمكن وصفه cross-theater signaling: حدث صادم في مسرح منخفض الكلفة نسبيا وعالي الرمزية، بقصد إعادة تشكيل حسابات أطراف في مسارح أعلى كلفة وتعقيدًا؛ لذلك لم تكن الرسالة موجهة إلى كاراكاس وحدها، بل إلى عواصم كبرى ترى في هذا الفعل اختبارًا لقواعد النفوذ القائمة.
وفي هذا السياق، يصبح استدعاء السوابق التاريخية أمرًا متوقعًا؛ وهنا يبرز الجدل المقارن مع تدخل الولايات المتحدة في بنما عام 1989، غير أن التشابه في الأداة يخفي اختلافًا جوهريًا في السياق والدلالة؛ فبينما جاء تدخل بنما في لحظة ترسيخ نظام دولي أحادي القطبية مع أفول الحرب الباردة، تمثل فنزويلا تدخلًا رمزيًا في نظام دولي لا يزال تقوده واشنطن لكنه بات متعدد مراكز القوة؛ وفي ظل تراجع فاعلية العقوبات، تبدو الرسالة الأميركية واضحة: تغيير في القواعد يتجاوز فنزويلا ذاتها. 
ولهذا، لا يُقرأ القلق المثار حول فنزويلا بوصفه مرتبطا بكاراكاس أو بطبيعة نظامها السياسي، بل باعتبارها إشارة بنيوية تعكس تعديلا في قواعد النفوذ، وهو ما يفسر انتقال القلق إلى عواصم متعددة ترى في هذا النموذج سابقة قابلة للاستنساخ كأداة سياسية في مسارح أخرى، ولا سيما في مسارح تتقاطع فيها أنظمة العقوبات وتوازنات الصراع غير المباشر، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، وفي هذا السياق، تتجاوز ارتدادات ما جرى في فنزويلا حدود أميركا اللاتينية، لتطال أقاليم أخرى، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، حيث تبرز احتمالية تراجع أولوية ملفات إقليمية مزمنة، لصالح نمط إدارة الأزمات ومنع الانفجار، في ظل انشغال واشنطن بترميم الردع وإعادة ضبط السلوك في مسارح تنافسية أخرى.
ولا تكتمل قراءة هذا التحول دون التوقف عند البعد النفطي، بوصفه أحد أهم أدوات إعادة ضبط النظام الدولي ومفتاحًا مركزيًا لفهم الحسابات الأميركية؛ إذ تمنح السيطرة على مفاصل القرار في دولة تمتلك أحد أكبر احتياطات النفط في العالم واشنطن قدرة إضافية على التأثير في معادلات العرض والطلب داخل سوق الطاقة العالمي، وما يرافق ذلك من ارتدادات مباشرة وغير مباشرة على الدول الأعضاء في تحالف أوبك+. وبصورة أدق، يجري توظيف فنزويلا كورقة ضبط وتحكم أميركي متزايد في سوق الطاقة، بما يضع دول أوبك+ أمام معادلة دقيقة تجمع بين حماية مصالحها الاقتصادية النفطية والحفاظ على هوامش سيادتها، في نظام دولي يتجه بوتيرة متسارعة نحو ترجيح منطق القوة على منطق التوافق، وهو ما يفضي عمليًا إلى إضعاف التوازنات الداخلية داخل التحالف وتوسيع هامش التأثير الأميركي في القرارات السيادية للدول الأعضاء، لا سيما في اللحظات الحرجة، ودفعها إلى التكيّف مع واقع جيوسياسي جديد آخذ في التشكل.
لكن الانتقال من الرسائل إلى النتائج يستند لمعادلة المكاسب والكلف؛ فمن المنظور الأميركي أسفرت العملية عن حزمة مكاسب إستراتيجية متداخلة؛ في مقدمتها البعد الاقتصادي، ولا سيما المتصل بالنفط، إلى جانب إعادة تثبيت صورة واشنطن كقوة قادرة على الانتقال من الضغط الخطابي إلى الفعل التنفيذي متى استُنفدت الأدوات الأخرى، كما أحدثت العملية صدى سياسيا واسعا يتجاوز الجغرافيا المباشرة، في مسارح أعلى كلفة وتعقيدًا، من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع قوى كبرى، وعلى الصعيد الداخلي، وفّرت هذه الخطوة هامش مناورة أوسع لصانع القرار الأميركي في مواجهة الانتقادات الموجهة للإدارات الأميركية المتعاقبة والمرتبطة بالتردد والمبالغة في الحذر.
إلا أن هذا الهامش لا يلغي المخاطر الكامنة؛ فتكرار هذا النمط لاحقا قد يحوّل الاستثناء إلى قاعدة، مما قد يؤدي إلى تراجع في الشرعية الأميركية التي لطالما قدّمت نفسها كحارس للنظام الدولي وقواعده"Ordering Agent"، وهذا بالضبط ما حدث بعد اجتياح العراق عام 2003، فالكلفة الإستراتيجية لما بعد الاجتياح العسكري للعراق تراكمت في صورة فقدان الثقة وتنامي الخصوم وتراجع القدرة على حشد التحالفات، وفي هذا السياق اذا ما وضعنا في الحسبان اللحظة التي تلي اعتقال (مادورو) والمتمثلة بضبط الفراغ الأمني وإدارة الانقسامات وتجنب الفوضى، من منطلق ((من يفتح الباب عليه تحمل مسؤولية ما بعده))، فإن الولايات المتحدة ستواجه نسخة أخرى من عراق ما بعد الغزو، ولكن هذه المرّة في جوارها القريب! 
وعلى هذا الأساس، لا يُستبعد أن يولّد هذا النمط من التدخل استجابات مضادة، فقد يدفع الخصوم إلى تعميق الاعتماد على الوكلاء، أو توسيع التحالفات الاقتصادية والعسكرية، أو نقل ساحات التنافس إلى مسارح أقل قابلية للضبط، بما يعقّد المشهد بدل تبسيطه، في المحصلة، تعكس فنزويلا مفترق طرق في السلوك الأميركي: فهي من جهة تعزيز محسوب للردع، لكنها من جهة أخرى قد تتحول إلى بوابة مستنقع إذا أسيئت إدارة ما بعد الفعل.
وبالرغم من ذلك فإن عملية (العزم المطلق) تجسد تحوّلًا في السلوك الأميركي نحو إعادة تعريف قواعد النظام الدولي، حيث تتراجع الاعتبارات القيمية والتدخل الإنساني لصالح منطق الأمن القومي والردع الجراحي، في مسعى أميركي لتأكيد القدرة على إنفاذ الإرادة الإستراتيجية من الجوار الإقليمي إلى مسارح أبعد من الكاريبي.