الغد
يدخل هذا الأسبوع قرار الحكومة الأميركية بالانسحاب من عدد من المؤسسات الأممية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية، حيز التنفيذ الفعلي، وهذا ما يشكل تحولا جوهريا في منظومة التعاون الدولي متعدد الأطراف، ويمهد لإعادة صياغة علاقة واشنطن بالمؤسسات الأممية.
تستند الرؤية الأميركية المعلنة لهذا الانسحاب إلى اعتبارات تتعلق بآليات الحوكمة داخل المنظمة، حيث وجهت واشنطن انتقادات حادة لمنهجية التعامل مع الأزمات الصحية الدولية، مشيرة إلى وجود اختلالات في الحياد السياسي وكفاءة الإدارة المالية.
كما ترى الإدارة الأميركية أن حجم مساهماتها المالية، التي تمثل نحو 18 % من الميزانية الإجمالية للمنظمة، لا ينعكس بشكل متوازن على دورها في عملية صنع القرار، مفضلة تبني إستراتيجية جديدة تعتمد على المسارات الثنائية بدلا من المظلة الدولية الموحدة.
سوف يترتب على هذا القرار فجوة تمويلية ضخمة تقدر بأكثر من 1.2 مليار دولار، مما يضع ضغوطا مباشرة على استمرارية المبادرات الصحية العالمية، لا سيما في الدول النامية والمناطق المتأثرة بالنزاعات حيث تلعب المنظمة دورا لا يمكن تعويضه.
وبينما تسعى المنظمة لإيجاد بدائل تمويلية من خلال زيادة الحصص المقررة للدول الأعضاء الأخرى، فإن غياب الدعم اللوجستي والتقني الأميركي يمثل تحديا آخر يتجاوز البعد المالي الصرف، وذلك نظرا للدور المحوري الذي تلعبه المؤسسات العلمية الأميركية في رفد المنظمة بالبيانات والأبحاث الميدانية.
كما سيؤدي غياب التنسيق المباشر بين منظمة الصحة العالمية والمراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها إلى إضعاف منظومة الإنذار المبكر العالمية، ففعالية الاستجابة للأوبئة الناشئة تعتمد بشكل أساسي على سرعة تبادل المعلومات الجينية والبيانات الوبائية، وهو مسار قد يشهد تعقيدات إجرائية نتيجة هذا الانسحاب، مما يزيد من احتمالية تأخر الاستجابة الدولية للأزمات الصحية المستقبلية.
في مواجهة هذا الواقع الجديد، تجد المنظمة نفسها مضطرة إلى تبني إستراتيجية استباقية لتعزيز مرونتها المؤسسية، من خلال تطوير منظومة الحوكمة والارتقاء بمستويات الكفاءة التشغيلية لضمان استدامة برامجها الحيوية. كما يتوجب عليها مراجعة آليات تخصيص الموارد وتفعيل أدوات الرقابة والشفافية المالية، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من المساهمات المتاحة وتقليص الهدر المالي والإداري.
كما يتعين عليها تعزيز استقلاليتها الفنية وتطوير بروتوكولات استجابة سريعة تعتمد على الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي في رصد الأوبئة، مما يسهم في استعادة ثقة المانحين الدوليين وتأكيد دورها كمرجعية علمية محايدة قادرة على قيادة الأمن الصحي العالمي في أحلك الظروف.
يمثل الانسحاب الأميركي اختبارا جديا لمرونة النظام الصحي العالمي وقدرته على التكيف مع المتغيرات السياسية الحادة، فالحفاظ على الأمن الصحي المشترك يتطلب إطارا تعاونيا يتجاوز المناكفات والخلافات السياسية، فكلفة غياب التعاون العالمي أكبر بكثير من مساهمات هذه الدولة أو تلك في ميزانية المنظمة.