بانتظار نظام عالمي أكثر ظلما واستبدادا.. قراءة إستراتيجية أولية شرق أوسطية*أحمد عوض
الغد
لا يحتاج المرء إلى كثير من الخيال ليدرك أن العالم الذي عرفناه خلال العقود الثلاثة الماضية لن يعود. ليس لأن «التوازن الدولي» تغيّر فحسب، بل لأن فكرة النظام نفسها تغيّرت، من نظام يدّعي وجود قواعد ومصالح وقيم مشتركة إلى مشهد تفرض فيه القوة القواعد ثم تغيّرها متى شاءت.
في دافوس، قال رئيس وزراء كندا بوضوح ما يتجنّب كثيرون قوله، النظام القديم غادر نهائياً، وحذّر من أخطر ما يميّز المرحلة الحالية من المشهد العالمي «تمثيل السيادة مع قبول التبعية». هذه العبارة ليست وصفاً لكندا أو أوروبا وحدهما؛ إنها عنوان لمرحلة تاريخية جديدة، تتكشّف فيه السيادة كخطاب للاستهلاك الداخلي، بينما تُدار الوقائع بمعادلات الإكراه والابتزاز وميزان المصالح.
وقبلها بأسابيع أوضحت إستراتيجية الأمن الوطني الأميركي بما لا يدع للشك عناصر تعكس رغبة في إعادة تشكيل دور أميركا في العالم، خاصة عبر تقليص الالتزامات الواسعة غير المحدودة، ومن هنا جاء انسحابها من عشرات المنظمات الدولية مؤخرا.
وإن كنا نبحث عن دليل فاضح يختصر التحول، فلنتأمل واقعة اختطاف رئيس دولة فنزويلا ونقله بالقوة خارج بلده. هذه ليست مجرد حادثة أمنية، بل إعلان سياسي، حين تستطيع الولايات المتحدة التي تعلن نفسها كقوة عظمى، أن تنتزع رئيس دولة من عاصمته، فإن ما يُختطف ليس شخصاً فقط، بل مفهوم الدولة السيّدة ذاته.
والمقلق أن هذا النموذج لا يقتصر على فنزويلا، بل يرسل رسالة ردع إلى كل زعيم (في الجنوب العالمي تحديداً) يحاول أن يضع حدوداً لطمع الشركات العملاقة أو يفاوض من موقع الندية، أو يرفض أن تُختزل ثروات بلاده إلى فرصة سوق لتحقيق الأرباح تُدار من الخارج.
هنا تبرز الحلقة الأكثر حساسية، العلاقة العضوية بين القرار السياسي الأميركي وبين مصالح الشركات الكبرى، لسنوات طويلة، أعلن منظرو الليبرالية بمختلف طبعاتها، أنها تقوم على قواعد السوق وحقوق الإنسان وسيادة القانون. لكن الواقع يكشف شيئاً أبسط وأقسى يتمثل عندما تلتقي مصالح الدولة النافذة مع مصالح رأس المال العملاق، تصبح المبادئ لغة تجميل؛ وعندما تتعارض معها، تتحول المبادئ إلى عبء يجب الالتفاف عليه أو إعادة تعريفه.
هذه ليست نظرية مؤامرة، بل قراءة لما تراكم على مدار عقود، الانتقائية والمعايير المزدوجة ليست أمرا عارضاً في تطبيق القانون الدولي؛ إنها جزء من آلية الحكم العالمي منذ نهاية الحرب الباردة. يستدعى القانون الدولي بما في ذلك حقوق الانسان حين تخدم الضغط على الخصوم، وتهمش حين تُحرج حليفاً. تُرفع شعارات حماية المدنيين في مكان، وتُترك الكوارث الإنسانية تتدحرج في مكان آخر، وتصل حد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي كما يحدث في فلسطين منذ ما يقارب ثمانين عاما تجلت في العامين الأخيرين عندما دمرت دولة الاحتلال الإسرائيلي غزة ومارست أبشع أنوع الإبادات الجماعية، بدعم صريح من الولايات المتحدة وتواطؤ معيب من الدول الغربية الكبرى، وتضرب القانون الدولي وتدمر مقرات الوكالة الأممية (الأونروا) دون الحد الدنى من الاعتراض الدولي.
ولأننا أبناء الشرق الأوسط، نعرف هذا قبل غيرنا. لم نكن سعداء بالنظام الذي سبق الحرب الباردة ولا بما تلاه. في النظام الأقدم، كانت المنطقة تُدار بمنطق الانتداب والتقسيم ورسم الخرائط السياسية والجغرافية وفق مصالح القوى الكبرى، وتم دعم إنشاء مستعمرة استيطانية في فلسطين سميت «إسرائيل» جلبت لها جاليات يهودية من مختلف انحاء العالم على حساب الشعب الفلسطيني الذي شرد غالبيته بالقوة ما بين عامي 1946 و 1948، وفق عملية تطهير عرقي واسعة، وخضع من تبقى منهم للاحتلال المباشر في الضفة الغربية وقطاع غزة، وطبق نظام الفصل العنصري على من تبقى منهم على أرضهم في فلسطين التاريخية، واطلق عليه مسمى «إسرائيل».
هذه ليست تفاصيل تاريخية معزولة، بل مؤشر مبكر على أن «العدالة الدولية» لم تكن متاحة بالتساوي، وأن منطق القوة كان، عملياً، أعلى من منطق الحق.
وفي المرحلة الانتقالية التي تلت انتهاء الحرب الباردة، ازداد الأمر فداحة: كانت هناك لغة ناعمة عن «النظام العالمي القائم على القواعد»، لكن القواعد كانت تُعلَّق كلما اقتضت مصالح القوة المهيمنة المتمثلة في الولايات المتحدة. يكفي أن نتذكر أفغانستان والعراق، بلدان دُمرت بنيتها الاجتماعية والمؤسسية، وتحوّل احتلالها المباشر من الولايات المتحدة إلى سنوات طويلة من الفوضى والتكلفة الإنسانية، ثم تُركت المجتمعات وحدها لتدفع ثمن الانهيار. لم تكن النتيجة «ديمقراطية» ولا «استقراراً»، بل فراغات أمنية، وانقسامات عميقة، وانهيار ثقة الناس بفكرة الدولة.
الخطير الآن أن المرحلة التاريخية الجديدة تشكل قطيعة معلنة مع فكرة المصالح والقيم والقواعد المشتركة، بل تشكيك صريح في جدوى الأمم المتحدة، استعداد لتجاوز المؤسسات الدولية التي بُنيت بعد الحرب العالمية الثانية، ومحاولة تأسيس أطر بديلة تُدار بقبضة واحدة، يعد «مجلس السلام» الذي تم تدشينه في دافوس مؤخرا أحد هيئاته الأولية. إنه إعلان أن النظام العالمي القديم لم يعد مرجعية. ويمكن القول إنه إذا كانت المرحلة السابقة تتسم كما قال بعض المفكرين الإستراتيجيين بـ»أحادية مقنّعة»، فإننا أمام «أحادية معلنة»، لا تتحرج من استخدام التعريفات الإمبراطورية، مثل من معنا فهو صديق، ومن يعارضنا يُعاقَب، ومن يقف في طريق مصالحنا تُعاد صياغة وضعه بالقوة أو بالإكراه الاقتصادي أو العسكري.
وفي هذا السياق، تبدو التبعية الغربية للولايات المتحدة أكثر فجاجة. طوال عقود، قدّمت أوروبا نفسها بوصفها حاملة للقيم وضامنة للقواعد، لكنها عملياً كانت في ملفات عديدة تسير خلف واشنطن، أو تتردد ثم تلتحق، أو تعترض لفظياً وتساير عملياً. المثير للسخرية أن هذه الاستفاقة الأوروبية لم تبدأ إلا عندما أصبحت المصالح الأوروبية نفسها مهددة، التجارة، الطاقة، سلاسل الإمداد، والقدرة التنافسية ثم التهديد بالسيطرة على «جرينلاند» وقبلها التهديد بالسيطرة على الجارة الشمالية للولايات المتحدة «كندا»، عندها فقط ظهر التململ، وارتفعت أصوات تتحدث عن السيادة الأوروبية والاستقلال الإستراتيجي. لكنها، في المحصلة، انتفاضة بلا أسنان حتى الآن، لأن الاعتمادات البنيوية الأمنية والمالية والتكنولوجية ما زالت عميقة.
أما الصين، ومعها روسيا بدرجات مختلفة، فتُقابل هذا التحول بما يسميه الإستراتيجيون «الهدوء الإستراتيجي المحسوب»، المتمثل بأقل قدر من الضجيج، وأكبر قدر من بناء البدائل ببطء. وهذا يحمل براغماتية باردة، تجنّب صداما مباشرا قبل اكتمال أدوات المناورة. وهذا الهدوء، مهما اختلفت التقييمات الأخلاقية والسياسية له، يكشف أحد عن أهمية إستراتيجية مهمة تتمثل في أن العالم لم يعد ساحة خطابات، بل ساحة ترتيبات طويلة النفس، تُبنى فيها الممرات والأسواق والتحالفات، وتُدار فيها الأزمات باعتبارها فرصاً لإعادة التموضع.
لذلك، السؤال الآن ليس هل نريد عودة النظام القديم؟ لأنه لن يعود، ولأنه لم يكن عادلاً معنا أصلاً. والسؤال ليس: هل ننتظر من الغرب أن «يستيقظ» دفاعاً عن القيم؟ لأن كثيراً من هذه «القيم» كانت انتقائية منذ البداية، ولم تُصبح مشكلة إلا عندما أصابت الضرر مصالحه المباشرة. السؤال الحقيقي هو: كيف نتعامل مع عالم يتجه نحو مزيد من الاستبداد الدولي، حيث تُختطف السيادة، وتُستباح القواعد، ويُدار القانون الدولي بما فيها مبادئ حقوق الانسان كملفات تفاوض لا كالتزام؟
الجواب لا يتمثل في الارتماء في أحضان الأقوى ولا في القبول بمنطقه، بل في السعي إلى بناء حدٍّ أدنى من الوحدة يقوم على قيم ومبادئ مشتركة تحمي حقوق الشعوب والدول التي تدفع ثمن هذا الاستبداد العالمي. نعم، قد يتطلب ذلك تسويات عقلانية للوصول إلى موقف موحّد، لكن هذه التسويات تظل أقل كلفة من التفكك والانقسام، اللذين يفتحان الباب أمام منطق خطير مفاده: إذا لم نستطع المواجهة، فلنلتحق بمن يفرض قواعده بالقوة.