الجريدة -
خطوة جريئة أقدم عليها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت بعد 50 عاماً من تأسيسه، وهي وقفة تحتاج إلى تقييم ومراجعة نقدية طال انتظارها، وقد وصل إليّ كتاب من الباحث عضو مجلس الأمناء، الطيب أحمد الدجاني، في هذا الخصوص.
ولادة المركز انطلقت من الكويت، أول اجتماع لمجلس الأمناء عقد هنا عام 1974، وتقرر فيه أن تكون بيروت المقر الرئيسي، ومن المؤسسين شخصيتان كويتيتان معروفتان هما جاسم القطامي وعبداللطيف الحمد، أما في مجلس الأمناء فقد كان د. خلدون النقيب أحد الأعضاء.
اجتمع أكثر من 35 مفكراً وباحثاً من الأقطار العربية ليجيبوا عن سؤال: أين أخطأنا، وما الذي تغيّر، وكيف نجدد توجهاتنا؟
أصدر المركز 1200 كتاب خلال 50 عاماً، إضافة إلى مجلة المستقبل العربي والعديد من الندوات والمؤتمرات.
تم - بمسؤولية عالية - تشريح «الأمراض» التي أصابت إدارة المركز نفسه، وكان إلى حد كبير نسخة عن الأنظمة الحزبية في حينه، وعلى غرار «قائدنا إلى الأبد»، جمع المركز بشخص واحد منصب الرئاسة التنفيذية ورئاسة المجلس والأمين العام، وهذا ما أدى إلى غياب الشفافية والمراقبة والمحاسبة.
مساهمات الباحثين والمفكرين أضاءت الطريق، بصوت عال، والقول إن المنطقة اليوم تعيش أوضاعاً مغايرة تماماً لصورتها قبل 50 سنة، تفككت دول المواجهة مع إسرائيل، وتفككت معها الأنظمة القمعية، وتراجع الاقتصاد وزادت التبعية.
وبمعنى أوضح سقطت أحلام الوحدة العربية، ومعها كل شعارات القومية والعروبة، واليوم: 1- لا يوجد في العالم العربي نظام واحد يمكن وصفه بالديموقراطي. 2- ولا نظام تتوافر فيه شروط العدالة الاجتماعية. 3- ولا نظام يملك قراره في المستقبل. 4- ولا نظام لديه معايير التنمية المستدامة.
وقد بات السؤال الصارخ، ما معنى أن تكون عربياً وعروبياً اليوم؟ لقد انتهى عصر الوحدة والمستقبل العربي المشترك والدفاع العربي المشترك، ولم يعُد لها مكانة في عالم اليوم، وما طرأ عليه من متغيّرات أسقطت كل ما حلمنا به أو تربّينا عليه أو عشنا في ظله.
وكما تكتب الباحثة والإعلامية خولة مطر، فقد كشفت حرب الإبادة في غزة عن عجز المراكز البحثية العربية في التعاطي مع الواقع العربي المتغيّر، فنحن بأشد الحاجة إلى التمسُّك بالهوية والانتماء العربي، كما يطالب بها الناشط والمسكون بالعروبة السيد الطيب الدجاني.
ثمّة مَن يرفع الصوت، أي دور لهذا المركز والمراكز البحثية في العالم العربي بزمن التفاهة؟
هناك تراجع مخيف من المؤمنين بالعروبة كقيمة عليا بين الشعوب، لذلك تبدو الحاجة أكثر من ضرورة بإعادة طرح الفكرة العربية كأساس قيمي يتمثّل بمشروع رؤية عربية مستقبلية، أم أننا لا نزال نعيش الأحلام الوهمية؟