عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Jan-2026

الوجه المتغير لتغيير الأنظمة

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
دانيال مكآدامز* - (كونسورتيوم نيوز) 22/1/2026
 
 
يتطلّب تغيير الأنظمة في الظروف الراهنة إراقة أقصى قدر ممكن من الدماء. ولا يهمّ دمُ مَن هو الذي يُسفك؛ في النهاية يمكن تحميل كل ذلك على كاهل "النظام".
 
 
لعل الدرس الأكثر إثارة للقلق، والمستخلص من "ثورة الميدان" في أوكرانيا في العام 2014 -والذي تعلمته جيدًا مختلف أجهزة الاستخبارات العاملة في هذا المجال- هو أن استخدام العنف الشديد، وخاصة عندما يتم توجيهه ضد أجهزة إنفاذ القانون وسلطات الدولة الأخرى ومدنييها، يوفّر إطارًا فعّالًا لتعزيز سردية "تغيير النظام".
في هذه الحالة، يمكن إلقاء اللوم كله على النظام، وبذلك يخدم العنف الغاية من العملية. وقد رأينا ذلك يحدث مؤخرًا في إيران.
حين كنتُ موجودًا على الأرض في مكان الحدث، أراقب بدايات "الثورات الملوّنة" في تسعينيات القرن الماضي في أوروبا الشرقية، كان الأمر يقتصر ببساطة على حشد أجساد دافئة في الشوارع لتلوّح بالأعلام الصحيحة، وتردّد الشعارات التي وافق عليها "الصندوق الوطني للديمقراطية" (1)، وتطالب بإجراء انتخابات جديدة بحجة أن الانتخابات الأخيرة "سُرقت".
كان التشكيك في شرعية الانتخابات كافيًا في تلك المرحلة المبكرة. ولم تتمكن حتى استطلاعات الرأي الغربية التي أشارت إلى أن نتائج الانتخابات توافقت مع إرادة الشعب (كما في الانتخابات الرئاسية البيلاروسية في العام 2006 وما تلاها من "ثورة الدنيم" التي راقبتُها ميدانيًا على الأرض) من ثني المحتجّين عن الاحتجاج.
لكن كل ذلك كان مجرد لعب أطفال مقارنة بما جاء لاحقًا. أصبح الأمر الآن يتعلق بالجثث والدماء، وخاصة الإصابات الأكثر فظاعة.
اليوم أصبح الأمر يتعلق بالجثث والدماء، وبخاصة بالإصابات الأكثر فظاعة. وهو ما يصعب على أي سلطة دولة شرعية الدفاع عنه، لأن أي استخدام للقوة المضادّة لا يفعل سوى تغذية سردية "النظام العنيف" المصمِّم على قمع "الرغبة المشروعة" في التعدديّة السياسية.
من أجل إنجاز تغيير نظام ناجح في الظروف الراهنة، لا بدّ من وجود أقصى قدر ممكن من سفك الدماء. ولا يهم دمُ من هو الذي يُسفك؛ كل شيء يمكن إلقاء اللوم فيه على "النظام".
وتتكفل الروبوتات والحسابات الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي الخاضعة لسيطرة أجهزة الاستخبارات بالعناية بهذا الجانب: تضخيم الفظائع، بغضّ النظر عن مصدرها.
كما أن حصيلة أثقل من سفك الدماء تغذّي جهل الجمهور الغربي المستهدف ونزعته التلصصية -وخاصة الجمهور الأميركي. "هنا تنانين"، هي صرخة التحشيد. كل ما هو خارج حدودنا يُصوَّر على أنه بدائي ووحشي، وفي الوقت نفسه متعطّش لأن يكون تمامًا مثلنا.
وقد رأينا ذلك بوضوح في الهجمات المنسّقة جيدًا ضد سلطات إنفاذ القانون في أوكرانيا/ "الميدان" في العام 2014. تم إظهار أن ما كان يكفي عادة لإعادة المجتمع إلى النظام كان غير كافٍ على الإطلاق في مواجهة عناصر شديدة العنف على الأرض، من بينها قنّاصة منتشرون على أسطح المباني و"متخصصون في الأعمال القذرة" مستعدون لقتل عناصر إنفاذ القانون بأيديهم العارية.
كلما زاد العنف كان أفضل. وكلما كان أشدّ فظاعة كان أفضل. وكان لينين يدرك ذلك جيدًا: "كلما ساء الوضع كان أفضل". يجب أن تقوم بتجنيد الأدنى والأعنف من حثالة المجتمع لتنفيذ العملية.
لكنّ هذا كان، في الواقع، أسلوب عمل "مديرية العمليات" القياسي في "وكالة الاستخبارات المركزية" منذ تأسيسها. وهو السبب في أن الرئيس هاري ترومان كان يتوق إلى خنق طفله بيديه وهو ما يزال بعدُ في المهد.
بشيء من المصادفة السعيدة، هُزمت محاولة تغيير النظام العنيفة للغاية التي نفّذتها "وكالة الاستخبارات المركزية" وجهاز "إم. آي-6" والموساد، التي شهدناها مؤخرًا في إيران، بفعل التكنولوجيا (ويرجّح أنها مستوردة من حلفاء إيران)، والتي استهدفت الخطة في أضعف نقاطها: الاتصالات والتنسيق.
الأعمال العنيفة المتطرفة ضد سلطات الدولة والمواطنين العاديين تكون بلا قيمة ما لم تكن منسّقة للأغراض الدعائية. ولم يكن أقل من الرئيس دونالد ترامب نفسه الذي اختزل العملية برمتها في أعداد القتلى. وهكذا كان لدى مروّجي تغيير النظام حافز لإنتاج المزيد من الجثث، وكان مجنّدوهم على الأرض أكثر من سعداء بالتجاوب والتنفيذ.
لكنّ أمرًا ما حدث: جرت -بطريقة ما- هزيمة "هبة" إيلون ماسك غير المحسوبة وسيئة المشورة؛ خدمة "ستارلينك"، التي أُهديت متطرفين عنيفين ترعاهم إسرائيل، فأصبحت لديك عصابة من القتلة العنيفين بلا تعليمات من لانغلي أو تل أبيب بشأن من ينبغي قتله تاليًا.
وتبيّن أنه مهما يكن رأيك في ذلك البلد البعيد ستة آلاف ميل، فإنه ليس من السهل -كما يدّعي المحافظون الجدد- إسقاط الحكومة وفرض "ديمقراطية" على الطريقة الأميركية بقوة السلاح.
مع مسيرات "قوس قزح" ووعود بجلب فردوس علماني متعدد الثقافات -في ما ينطوي على مفارقة، على غرار مقاومي قوات دائرة الهجرة والجمارك في مينيسوتا أو سياتل.
في الخارج وراء البحار، يتحوّل يمين المحافظين الجدد إلى النسخة الأكثر جنونًا من الناحية الأيديولوجية من يسار مينيسوتا: "على إيران أن تحتفل بالتعددية الثقافية، والإلحاد، والتعددية الجنسية"!
حسنًا. في عالم الهيمنة الأميركية على تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط، لا يوجد يمين أو يسار. وقد تم التعاقد على ذلك خارجيًا مع تل أبيب، كما جرى التعاقد على عالَم تقنيتنا خارجيًا مع تأشيرات العمل، H-1B.
اربط بين النقاط وسوف تدرك -كما أدرك الشيوعيون جيدًا- ما هي موازين القوى التي تعمل معك وضدك.
إن تسخير كامل الإمبراطورية العسكرية الأميركية العالمية لإسقاط العائق الرئيسي أمام هدف تحقيق "إسرائيل الكبرى" بالسيطرة على الشرق الأوسط لا يتوافق بأي حال مع مصالح الولايات المتحدة أو مستقبلها ورفاهها. بل على العكس تمامًا.
لا يمكن لتبنّي الولايات المتحدة للعنف المفرط في الخارج -"النموذج الإسرائيلي"- سوى أن يضر فقط بمصلحتها القومية الحقيقية. ولا يُقتصر احتضان أحدث نسخة من نهج "تغيير النظام" على كونه خيانة ما يُفترض أنه التفوق الأخلاقي للولايات المتحدة، بل إنه يسرّع أيضًا تشكّل قوى موازِنة مناهضة لهيمنة الدولار ومناهضة لبقاء الطبقة الأوليغارشية الأميركية نفسها.
عارضوا هذا المسار، أو عودوا أنفسكم على أن تكونوا فقراء، منحطّين أخلاقيًا، وأمواتًا.
 
*دانيال مكآدامز Daniel McAdams: المدير التنفيذي لمعهد رون بول للسلام والازدهار، والمنتج المشارك والمقدّم المشارك لبرنامج Ron Paul Liberty Report. شغل منصب مستشار السياسات الخارجية والحريات المدنية والدفاع/ الاستخبارات للنائب الأميركي رون بول (جمهوري - تكساس) من العام 2001 وحتى تقاعد الدكتور بول في نهاية العام 2012. وبين العامين 1993 و1999 عمل صحفيًا مقيمًا في بودابست، المجر، وتنقّل في أرجاء الكتلة الشيوعية السابقة كمراقب لحقوق الإنسان والانتخابات.
*نُشر هذا المقال تحت عنوان: The Changing Face of Regime Change
هامش المترجم:
* الصندوق الوطني للديمقراطية (National Endowment for Democracy - NED) هو مؤسسة أميركية غير ربحية أُنشئت العام 1983 بتمويل أساسي من الكونغرس الأميركي، وتقدّم نفسها على أنها منظمة تُعنى بدعم الديمقراطية حول العالم.
**تأشيرة H-1B: تأشيرة عمل أميركية مؤقتة تُمنَح للأجانب ذوي المهارات العالية للعمل في وظائف "تخصصية" داخل الولايات المتحدة. وتتطلب من حاملها أن يكون صاحب معرفة متخصصة ويحمل شهادة جامعية على الأقل. من أشهر مجالاتها حقول التكنولوجيا، الهندسة، الطب، العلوم، الرياضيات، المحاسبة، القانون، والبحث العلمي.