الغد-عزيزة علي
استعاد مثقفون وكتاب خلال ندوة ثقافية تناولت تجربة الشاعر والروائي والباحث الفلسطيني محمد الأسعد، بتسليط الضوء على مسيرته الإبداعية والفكرية، ما تركه من أثر في الأدبين الفلسطيني والعربي، ولا سيما في تناوله قضايا المنفى واللجوء والهوية والذاكرة الفلسطينية.
وجاءت الندوة، التي نظمتها الدائرة الثقافية في حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني ضمن فعاليات مشروع "أدب المنفى"، بعنوان "محمد الأسعد شاعرًا: قراءة في تجربته الشعرية والنقدية ومسيرته الإبداعية"، بمشاركة الدكتور محمد عبد القادر والروائي جهاد الرنتيسي، وإدارة الشاعر رامي ياسين.
وتناول المشاركون جوانب متعددة من تجربة الأسعد، بدءًا من سيرته التي تشكلت في فضاءات اللجوء والتنقل بين عدد من البلدان العربية والأوروبية، وصولًا إلى منجزه في الشعر والرواية والنقد والترجمة والبحث. كما توقفوا عند حضوره بوصفه مثقفًا فلسطينيًا "مشتبكًا" مع قضايا الأرض والتاريخ والهوية، ورافضًا لثقافة الاستسلام والتسليم. وفي مستهل الندوة، قال رامي ياسين، مسؤول الدائرة الثقافية: "إن مشروع "أدب المنفى"، الذي أطلقته الدائرة الثقافية في الحزب يهدف إلى فتح نافذة على تجارب إبداعية وُلدت أو نضجت بعيدًا عن الوطن، في الشتات، حيث الغياب والاقتلاع، ولكن أيضًا حيث اتساع مساحات التأمل والكتابة وإعادة اكتشاف الذات والوطن من مسافة". وأضاف ياسين أن المشروع يهدف كذلك إلى التعريف بشخصيات ثقافية لم تنل دائمًا ما تستحقه من الضوء، والاقتراب من عوالمها الإنسانية والفكرية، والغوص في نتاجها وما تركته من أثر في الثقافة الفلسطينية والعربية.
تناول الدكتور محمد عبد القادر محاور مختلفة من تجربة الأسعد، الذي غادرنا وحيدًا في شهر أيلول (سبتمبر) من العام 2021، مخلفًا للقارئ العربي إرثًا أدبيًا وثقافيًا متنوعًا، شمل أعمالًا روائية وشعرية وبحثية، إلى جانب عدد من الكتب المترجمة. مبينا أن الأسعد بدأ حياته المهنية في الكويت، وتنقّل بين قبرص وبلغاريا، قبل أن يعود إلى الكويت، حيث ووري الثرى في أرضها، بعد حياة امتدت بين العامين 1944 و2021. وأشار إلى أن الأسعد آمن، منذ تبلور وعيه الفكري والسياسي والثقافي والأدبي، بأن "الحياة موقف"، وأن الموقف يستدعي دفع الثمن، وكان مستعدًا لتحمّل هذا الثمن والتضحية في سبيل ما آمن به. ومن هنا تماهى مع غسان كنفاني، ومع ناجي العلي، الذي شكل بالنسبة إلى الأسعد نموذجًا حيًا لصدق الكلمة، وسلامة الرؤية، والاشتباك مع كل من يعتدي على الحق والوطن والثقافة والتاريخ، وعلى عدالة القضية العربية الفلسطينية.
وأضاف عبد القادر أن الأسعد، الذي وُلد في قرية "أم الزينات"، قرب حيفا العام 1944، كان فلسطينيًا عربيًا إنسانيًا، يحمل آفاقًا وطنية وقومية وأممية متماسكة ومترابطة. وفي الوقت ذاته، دافع عن قيم العلم والمعرفة والتقدم، ونبذ التعصب والانغلاق والخرافة.
وأوضح عبد القادر أن تماهي الأسعد مع ناجي العلي، وعيًا وموقفًا وسلوكًا وتضحية، كان واضحًا في مجمل حياته ومسيرته. ونقل عنه القول: "إن فلسطين كانت بوصلته ومعياره، ومن يفرّط فيها كأنما يخرج من التاريخ".
وأضاف أن ناجي العلي "قال كلمته لزمانه وللزمان القادم"، وأبدع فنًا ورسوماتٍ ناهضت الخداع والدجل، وشدّد على البعد الأخلاقي في الحياة والسلوك والثقافة. ومن هذا المنطلق، اشتبك الأسعد، كما ناجي وغسان، مع "دمى الاستعمار"، ومع الاستعمار ذاته، ومع مستشرقيه في مجالات التاريخ والآثار والثقافة.
ورأى عبد القادر أن الأسعد أولى قضية اللجوء الفلسطيني اهتمامًا خاصًا، كما اهتم بالقيمة الإنسانية لـ"اللاجئ"، وهو الذي عاش لاجئًا، ولكن بثقة وكرامة ومقاومة لا تلين.
وإلى جانب اهتمامه بقضايا الحداثة واللغة، قدّم الأسعد أبحاثًا قيّمة، ولا سيما في حقل الاستشراق المتخصص في علم الآثار. وأكد، في قراءاته لنتائج البحوث الاستشراقية والاستعمارية التي ركزت على الآثار، أن هؤلاء المستشرقين عجزوا عن العثور على شواهد تدعم نظرياتهم ومسلماتهم، وأن الصرح الزائف الذي بناه وما عُرف بـ"علم الآثار التوراتي"، بدأ بالانهيار، بما يعني، وفق رؤيته، انهيار أحد أبرز المرتكزات الفكرية للمشروع الاستعماري الصهيوني على أرض فلسطين.
وفي ختام ورقته، أشار عبد القادر إلى أن محمد الأسعد، الذي رحل قبل خمس سنوات، ترك باحثة نشطة وملتزمة ومنتمية إلى حقل دراسات اللجوء واللاجئين، هي الدكتورة أناهيد الحردان، التي تواصل جهود الأسعد في الجامعات الأوروبية، وما تزال مستمرة في إنتاجها العلمي والبحثي، بما يخدم قضايا الحق والحقيقة في عالم تحاول فيه قوى الطغيان انتهاك حقوق الإنسان في كل مكان.
وقدّم الصحفي والروائي جهاد الرنتيسي ورقة بعنوان "بطاقة هوية"، رأى فيها أن محمد الأسعد، إلى جانب غسان كنفاني وناجي العلي، انتمى إلى نموذج المثقف المنحاز لقضايا الإنسان واللاجئ، والمتعالي على إغراءات النجومية والمؤسسة السياسية. وأشار إلى أن الأسعد ظل متمسكًا بقضيته، في مواجهة الثقافة الاستعمارية والنظام السياسي الفلسطيني، حتى وفاته في الكويت.
واستعاد الرنتيسي جانبًا من معاناة الأسعد مع اللجوء وانعدام الجنسية، متنقلًا بين الكويت والأردن وبلغاريا، قبل أن يحصل على جواز سفر روسي بعد تدخل السفارة الروسية. ووصف الأسعد حياته وحياة الفلسطينيين بأنها أشبه بـ"فيلم هندي"، في تعبير يلخص تعقيدات رحلة اللجوء والهوية.
وأضاف الرنتيسي أن الأسعد حافظ في كتاباته الصحفية على روح نقدية ساخرة، تذكّر بمقالات غسان كنفاني النقدية وبالعبارات التي كان يكتبها ناجي العلي على لوحاته. وأشار إلى وجود مشتركات بين الأسعد والروائي جبرا إبراهيم جبرا، أبرزها كتابة الرواية، ونقد الفن التشكيلي، والترجمة، والاهتمام بالآثار والاستشراق، مع اختلاف تجربتهما الروائية؛ إذ تناول جبرا عالم الطبقة البرجوازية، بينما استند الأسعد إلى تجربة اللجوء بكل قسوتها وتفاصيلها.
وفي ثلاثية الأسعد "تحولات وعي اللاجئ"، المكوّنة من "أطفال الندى"، و"نص اللاجئ"، و"أم الزينات تحت ظلال الخروب"، يمزج الأسعد بين الجمال والمعرفة، مستعيدًا ذاكرة اللجوء بلغة شعرية تقترب من الأسطورة. وتنتقل الذاكرة في أعماله من فلسطين إلى البصرة والكويت ثم أوروبا، لتجسّد وعيًا فلسطينيًا يقاوم التهميش والتدجين ومحاولات تشويه الهوية.
وفي "أطفال الندى"، يستعيد محمد الأسعد تفاصيل النكبة، رابطًا بين تفكير الفلسطينيين في الرحيل وشعورهم بأنهم ضحايا مؤامرة دولية، وصولًا إلى ترسيخ تجربة اللجوء بوصفها رحلة قسرية ممتدة منذ التهجير.
وفي "نص اللاجئ"، يستحضر الأسعد حكايات فلسطينيين هُجّروا من شمال فلسطين إلى جنوب العراق، معتمدًا على الروايات الشفوية المنسية، ويفكك تحولات الوعي التي رافقت نشوء مفهوم "اللاجئ"، وما صاحبه من ازدراء وتمييز اجتماعي.
ورأى الرنتيسي أن الأسعد كان ينتقد الفرز الطبقي داخل مجتمع اللاجئين، مشيرًا إلى تمييز بعض شيوخ العائلات والباشوات السابقين عن الفلاحين، وإلى استمرار التفاوت الطبقي خلال الثورة؛ إذ أتيح لأبناء العائلات الثرية التوجه إلى جامعات غربية، بينما وجد الفلاح نفسه في مواجهة مباشرة مع القتال والدفاع عن أرضه ووجوده.
وأشار الرنتيسي إلى أن رواية الأسعد تتخذ منحى تشريحيًا في تناول سيكولوجيا اللاجئ الفلسطيني في العراق، ومحاولاته إخفاء هويته أو الاندماج في المجتمع العراقي والانتماء إلى المحيط العربي، وهي محاولات غالبًا ما اصطدمت برفض الواقع. كما يكشف الأسعد عن توظيف قضية اللاجئين في صراعات ومساومات سياسية عربية ودولية، وصولًا إلى اتفاق أوسلو.
وفي "أم الزينات تحت ظلال الخروب"، يتحول اللاجئ إلى سؤال فلسفي في حواره مع الآخر الغربي والإسرائيلي، مستعيدًا تجربة ترجمة أعمال الأسعد إلى لغات عدة، ولقاءاته مع الإسرائيلي يوسف الغازي، التي سبقت إصدار سيرتهما المشتركة "أبعد من الجدران".
وأوضح الرنتيسي أن اللاجئ الفلسطيني في رواية الأسعد ليس مجرد أثر من الماضي، بل حضور حيّ يتقاطع فيه الماضي والحاضر والمستقبل، وحكاية مفتوحة لم تجد بعد من يرويها كاملة.
ويستعيد الأسعد في روايته حضور عالمة الآثار البريطانية دوروثي غارود، التي عملت مع فلسطينيات في التنقيب بجبل الكرمل، ويحوّل شخصية الفلاحة يسرا، التي ظهرت في إحدى الصور النادرة، إلى رمز للوجع الفلسطيني وذاكرته.
وخلص الرنتيسي إلى أن الأسعد يرصد تحوّل الضحايا إلى ممارسي عنف، حين يعيد الاضطهاد إنتاج نفسه في صور جديدة، ويطرح سؤال إمكان التعايش مع الإسرائيلي، رابطًا أي مصالحة حقيقية بعودة اللاجئين إلى ديارهم. وتنتهي ثلاثية اللجوء إلى رؤية نقدية للتاريخ والروايات السائدة، داعية إلى إعادة قراءة الماضي والحاضر بعيدًا عن الشعارات، وطرح أسئلة جديدة حول مستقبل القضية الفلسطينية واللاجئين.