الغد
كريس هيدجز* - (تقرير كريس هيدجز) 5/2/2026
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
لكن سؤالك، يا كريس، كان: كيف تُقارن المرحلة التاريخية اليوم بالسنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى؟
أولًا، الثقل اليوم يتركز في شرق آسيا، ولا يتركز في أوروبا الوسطى. إنك إذا نظرت إلى أوروبا اليوم، فإنها لا تشبه الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، ولا الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، ولا حتى فترة الحرب الباردة.
وبالمناسبة يا كريس، أود أن أشير إلى أنه منذ العام 1783، عندما حصلنا على استقلالنا، وحتى العام 2017 تقريبًا -أي نهاية لحظة الأحادية القطبية- كان مركز العالم بالنسبة للولايات المتحدة، وأهم منطقة في العالم بالنسبة لها استراتيجيًا واقتصاديًا، هو أوروبا.
حتى على الرغم من أن اليابانيين هاجمونا في بيرل هاربر، كانت لدينا سياسة "أوروبا أولًا". كانت أوروبا أهم منطقة في العالم بالنسبة لنا.
وقد تغيّر ذلك في العام 2017. لم تعد أوروبا مهمة جدًا بالنسبة للولايات المتحدة.
ولهذا يستطيع ترامب أن يتحدث عن تدمير حلف "الناتو". فلم تعد أوروبا ببساطة ذات أهمية كبيرة بالنسبة لنا. لماذا؟ لأنه لا يوجد اتحاد سوفياتي، ولا ألمانيا نازية، ولا ألمانيا قيصرية. لا يوجد تهديد هناك. التهديد، من وجهة نظرنا، موجود في شرق آسيا.
إذن، نحن نواجه، للمرة الأولى في تاريخنا، مشكلة خطيرة في شرق آسيا. لم تكن اليابان الإمبراطورية تلك المشكلة الكبيرة -كان يمكننا التعامل مع ذلك. لكنّ الصين قصة مختلفة تمامًا. إنها قوة هائلة بحق. في الواقع، لم نشهد شيئًا كهذا من قبل إذا نظرت إلى اللبنات الأساسية للقوة العسكرية: حجم السكان؛ الثروة؛ القدرة على تطوير تكنولوجيات متقدمة -ربما أفضل مما نفعل نحن.
وهكذا، تدور المنافسة اليوم بين الولايات المتحدة والصين، وهي تدور في شرق آسيا. هذا هو الاختلاف الكبير. أما وجه الشبه فهو أن المنافسة في شرق آسيا خطيرة للغاية. ومن المهم جدًا أن نفهم أن الصينيين ليسوا قوة تريد الحفاظ على الوضع القائم.
الصينيون يريدون استعادة تايوان. يمكنك أن تجادل بما إذا كان هذا جيدًا أم سيئًا؛ بما إذا كان لهم الحق في استعادتها أم لا -لا يهم. إنهم يريدونها، ونحن لا نريد أن نعطيها لهم.
بالإضافة إلى ذلك، يعتقد الصينيون أن بحر الصين الجنوبي يخصهم. هناك ما يُعرف بخط النقاط التسع أو العشر الذي يحدد الجزء الذي يعتبرونه تابعًا لهم من بحر الصين الجنوبي. ونحن لا نقبل بذلك.
نحن نرى أن هذه مياه دولية. وهناك أيضًا بحر الصين الشرقي، وتوجد تلك الصخور أو الجزر الصغيرة -إذا شئت تسميتها كذلك- في بحر الصين الشرقي، التي تسيطر عليها اليابان حاليًا، بينما يقول الصينيون إنها لا تعود لليابان، وإنما لهم.
وفوق ذلك، يريد الصينيون السيطرة على بحر الصين الشرقي كما يريدون السيطرة على بحر الصين الجنوبي. والولايات المتحدة واليابان تقولان: لا يمكنكم فعل ذلك.
بغض النظر عمّن هو على حق أو على خطأ في هذه القضايا، الحقيقة هي أن لديك نقاط اشتعال خطيرة في شرق آسيا -إنها منطقة شديدة الخطورة. ونحن نفقد التركيز على ذلك اليوم لأن اهتمامنا منصبّ على أوكرانيا وأوروبا، وعلى الشرق الأوسط. وبطبيعة الحال، التركيز على الشرق الأوسط سببه أن الولايات المتحدة مرتبطة بإسرائيل ارتباطًا وثيقًا.
لكنني أقول إن الشرق الأوسط وأوروبا، على الرغم من خطورتهما، لا يقتربان من مستوى خطورة شرق آسيا. ما لديك اليوم في شرق آسيا، يا كريس، هو وضع لا يختلف كثيرًا عن الوضع الذي كان قائمًا في أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى.
كريس هيدجز: أردت أن أسأل، لأن من الأمور التي لفتت انتباهي في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، وأيضًا الثانية، كان انهيار -أو غياب- أي نوع من الاتفاقات الدولية، وغياب أي نوع من القانون الدولي، وهو ما مزّقه ترامب في هذه الأوقات، خاصة في ما يتعلق بغزة.
هذا ما كنت أود السؤال عنه: هل هناك تشابه هنا -نوع من الفوضى الهوبزية على المستوى الدولي؟
جون ميرشايمر: الحقيقة هي أنه كان هناك، قبل الحرب العالمية الأولى في أوروبا، قدر هائل من الاعتماد الاقتصادي المتبادل. إنكَ إذا نظرت إلى أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى، فسترى أنه كان لديك تنافس أمني محتدم -كما وصفت سابقًا- بين "الوفاق الثلاثي" من جهة، و"التحالف الثلاثي" من جهة أخرى.
وبالتوازي مع ذلك التنافس الأمني، كان هناك قدر كبير من الاعتماد الاقتصادي المتبادل. هذه الدول المتنافسة، التي قد تنتهي في حرب ضد بعضها بعضًا، كانت تتاجر مع بعضها.
وبالمناسبة، استمرت في التجارة حتى بعد اندلاع الحرب. وبالإضافة إلى ذلك، كانت هناك بدايات للقانون الدولي، وقدر ملحوظ منه، إلى جانب نمو المؤسسات قبل الحرب العالمية الأولى.
لكن الحقيقة هي أن منطق الأمن، منطق التنافس على القوة، طغى على التعاون الاقتصادي. وأنا أختار كلماتي بعناية هنا. عندما يكون لديك كل هذا الاعتماد الاقتصادي المتبادل، فهذا يعني فعليًا أن لديك قدرًا كبيرًا من التعاون الاقتصادي. ولديك كذلك قواعد وقوانين.
في ذلك الوقت لم تكن بعدد ما هو موجود اليوم، ولا حتى كما كان الحال خلال الحرب الباردة، ولكن كانت هناك قواعد ومؤسسات وتفاعلات اقتصادية تنطوي على تعاون. ومع ذلك، كان إلى جانب ذلك تنافس أمني شرس أدى إلى نشوب الحرب العالمية الأولى. وهذه هي المشكلة.
إنك لو أخرجتَ دونالد ترامب من المعادلة، ووضعتَ باراك أوباما أو بيل كلينتون أو دوايت أيزنهاور في البيت الأبيض، وكانوا يولون اهتمامًا بالحلفاء وبالقانون الدولي كما نتوقع نحن، فإنك ستظل تواجه حقيقة وجود تنافس أمني. وهو سيبقى موجودًا.
السؤال الذي عليك أن تطرحه هو: إذا تصاعد هذا التنافس الأمني فعلاً، وبدا أنك قد تشهد حربًا بين الصين من جهة، والولايات المتحدة واليابان وأستراليا -أو غيرهم- من جهة أخرى، فهل ستكون الاعتبارات الاقتصادية، وكل هذا الاعتماد الاقتصادي المتبادل القائم، والقانون الدولي والمؤسسات الدولية، كافية لمنع هذا التنافس من الانزلاق إلى حرب؟
أعتقد أن هذه الأشياء قد تساعد على الهامش، ولكن ليس كثيرًا. ولعل أفضل ما يمكن أن تأمله في مثل هذه الحالات هو أن تسود الرؤوس الباردة.
وبالمناسبة، هذا ما يخيف الجميع بشأن دونالد ترامب. كثيرًا ما يسألني الناس: ماذا تعتقد أن الروس أو الصينيين يفكرون به في ترامب؟ وأجيب دائمًا بأنني أظن أنهم مرتبكون حياله كما نحن جميعًا تقريبًا. من الصعب تصديق أن رئيسًا أميركيًا يتصرف بالطريقة التي يتصرف بها ترامب.
لكنني أضيف أنني أعتقد أنهم قلقون من أن سلوكه المتقلب قد يؤدي إلى حرب يُجرّون هم إليها. وهذا يعيدنا إلى الحديث عن شرق آسيا.
إنك إذا فكرت في تايوان، وبحر الصين الجنوبي، وبحر الصين الشرقي -فإن هذه نقاط اشتعال خطيرة. وإذا اندلعت أزمة حول إحدى هذه النقاط وكان ترامب في البيت الأبيض، فهذا يجعلك متوترًا للغاية، لأنه يفعل أشياء لا تبدو منطقية أحيانًا.
وهو بالتأكيد ليس الشخص الذي ترغب في وجوده في البيت الأبيض عندما تندلع أزمة كبرى في شرق آسيا. فكّر فقط في أزمة الصواريخ الكوبية. كلما مرّ الوقت وقرأتُ أكثر عنها، أجدني أقول لنفسي: الحمد لله أن جون ف. كينيدي كان في البيت الأبيض في تلك اللحظة.
أعني أن كينيدي كان هادئ الأعصاب. كان يفهم تمامًا أنه يجب أن يجد طريقة للخروج من هذه الورطة من دون تفجير العالم. وكان لديه عدد من المستشارين المستعدين لاتباع سياسات متشددة. كيرتس ليمَي، اسم من الماضي.
كريس هيدجز: كيرتس ليمَي. أعني، كان متهورًا. أراد أن يبدأ بالقصف؛ بقصف نووي.
جون ميرشايمر: أعتقد أن معظم مستشاري كينيدي كانوا متشددين بشكل لافت خلال أزمة الصواريخ الكوبية. لكن كينيدي -ويُحسب له ذلك- وجد طريقة للانسحاب من دون إشعال حرب. والسؤال هو: إذا اندلعت أزمة في شرق آسيا، هل تريد دونالد ترامب في البيت الأبيض؟ هذا هو السؤال. وأظن أن هذا هو السؤال الذي يطرحه الروس والصينيون على أنفسهم.
كريس هيدجز: أود أن أسأل عن دافوس، لأنه حصل على ذلك الخطاب الرائع هناك -خطاب كارني- الذي ينبغي على الجميع قراءته أو الاستماع إليه. لكن ترامب تراجع. قال إنه لن يستولي على غرينلاند بالقوة. كان خطابه، كعادته، متشعبًا ومليئًا بعدم الدقة الوقائعية وبالانتقالات غير المنطقية والتفاخر بأصوله العرقية وما إلى ذلك. لكنه بدا وكأنه تراجع، سواء في مسألة الرسوم الجمركية أو غرينلاند.
جون ميرشايمر: أعتقد أنه تراجع بوضوح. أولًا، قال في بداية اجتماع دافوس -أو في كلمته هناك- إنه لن يستخدم القوة للاستيلاء على غرينلاند. لن يفعل ذلك. وهذا تراجع. ثم قال لاحقًا إنه لا يشعر بأنه مضطر إلى شراء غرينلاند أو الحصول عليها بوسائل سلمية.
لذا تراجع على هذا الصعيد أيضًا. والآن يتحدث عن التوصل إلى نوع من الترتيب مع الدنماركيين، ومع الأوروبيين، ومع سكان غرينلاند، يمنحه هامشًا أوسع للتحرك هناك، للتصرف بشكل أحادي، بصراحة.
لكن الحقيقة هي أنكَ إذا نظرت إلى معاهدة العام 1951، فقد كان لديه أصلًا هامش واسع للتحرك بشكل أحادي في غرينلاند. ولو كان هناك تهديد جدي لغرينلاند في المستقبل من روسيا أو الصين -وهو غير موجود الآن- فإن الدنماركيين والأوروبيين وسكان غرينلاند سيتعاونون معنا. لن تكون هناك مشكلة.
لذا أعتقد أننا عدنا عمليًا إلى إطار معاهدة 1951، ربما مع بعض الإضافات. لكنه تراجع بالكامل. وأعتقد أن سبب تراجعه هو وجود معارضة حقيقية لهذه الفكرة داخل الولايات المتحدة وكذلك في أوروبا.
هو يستطيع قراءة استطلاعات الرأي. وكثيرون في مؤسسة السياسة الخارجية -ليس فقط من الديمقراطيين بل من الجمهوريين أيضًا- كانوا يقولون إن هذه فكرة عبثية. هل سنخوض حربًا ضد الدنمارك؟ وهي ربما أقرب حلفائنا في الناتو وأكثرهم ولاءً للولايات المتحدة. سنحاربهم لاحتلال غرينلاند؟
ثم كانت هناك نقاشات في الإعلام حول احتمال رفض الجيش تنفيذ أوامر غير قانونية، وكانت تدور أساسًا حول مسألة غرينلاند. وأعتقد أن كل هذه العوامل اجتمعت لتقول إن هذه ليست فكرة جيدة، فتراجع ترامب. وكما تعلم جيدًا يا كريس، ترامب متنمّر.
إذا أظهرت أي ضعف، فسيمشي فوقك. وفي هذه الحالة، أعتقد أن عددًا كبيرًا من الأشخاص في مؤسسات السياسة الخارجية في الولايات المتحدة وأوروبا أوضحوا له أن هذه فكرة سيئة، على أقل تقدير.
كريس هيدجز: دعنا نختم بسؤال: إلى أين يمكن أن تقودنا السياسات التي تتبناها إدارة ترامب؟ نحن نشهد داخليًا تقويضًا لسيادة القانون. وقد عشت وغطيت بلدانًا مثل تشيلي بينوشيه، وهذه العناصر المقنّعة من شرطة الهجرة باتت مألوفة لي بشكل مؤلم. إلى أين نحن ذاهبون إذا لم تكن هناك عوائق أمام هذه الرؤية الترامبية؟
جون ميرشايمر: عندما تأخذ في الاعتبار أنه أكمل عامًا واحدًا فقط من رئاسته -اليوم 23 كانون الثاني (يناير)، وقد تولى السلطة في 20 كانون الثاني (يناير) من العام الماضي- فهذا يعني أن أمامه ثلاث سنوات أخرى. وعندما تفكر في حجم الضرر الذي أحدثه في السنة الأولى، يصبح التفكير في موقعنا بعد ثلاث سنوات أمرًا مخيفًا.
يمكنه أن يُحدث ضررًا أكبر بكثير.
كنت أقول عندما تحدثنا عن سياسته الخارجية إنه لا يحب المؤسسات، ولا يحب القانون الدولي، ويفضل التصرف بشكل أحادي، ويرى نفسه كديكتاتور مُحسن. أعتقد أن هذه المواقف تنطبق أيضًا على الداخل. هو لا يؤمن بأن القوانين والقواعد تنطبق عليه.
هو فوق القوانين والقواعد. وفي ما يتعلق بالمؤسسات، ليس لديه احترام يُذكر للقضاء. وليس لديه احترام يُذكر للكونغرس، وبالتأكيد لا للإعلام. هو يهدد باستمرار وسائل الإعلام الرئيسية عبر مقاضاتها، ويفعل كل ما بوسعه لتقويضها.
أعتقد أن الديمقراطية الليبرالية مهددة في أنحاء العالم اليوم. وإذا نظرت إلى الوضع في الولايات المتحدة، فلا شك أنها مهددة هنا أيضًا. أراه شخصًا خطيرًا للغاية.
من الصعب القول إلى أين سينتهي كل هذا. وكذلك من الصعب التنبؤ بما سيحدث على المستوى الدولي. أين سيكون الناتو بعد ثلاث سنوات؟ من الصعب تخيل أنه سيبقى كما هو. لكن في الوقت نفسه، قد يحدث شيء ما.
السياسة الدولية معقدة جدًا. وحتى داخليًا، قد يحدث يا كريس أن ينهار الاقتصاد بشكل خطير، وأن نشهد أزمة اقتصادية كبرى خلال العام المقبل. وقد يجبر ذلك ترامب على تغيير سلوكه بطرق عديدة. وقد يُقيَّد في جوانب مهمة، ويتلاشى التهديد الذي يمثله الآن للديمقراطية الليبرالية.
كريس هيدجز: ومع ذلك يا جون، لقد غطيتُ التضخم المفرط الذي سبق الحرب في يوغوسلافيا. والتضخم المفرط هو الذي مهّد لصعود الفاشية في ألمانيا فايمار. الأزمة الاقتصادية لا تُضعف النظام بالضرورة، بل قد تعزز الحركات الفاشية.
جون ميرشايمر: بالتأكيد. لا أختلف مع ذلك ولو لثانية واحدة. وبالمناسبة، إذا فكرت قليلًا في سبب امتلاك ترامب قاعدة دعم واسعة في الولايات المتحدة، رغم أنه يتبنى سياسات يعتبرها أشخاص مثلك ومثلي مناقضة للقيم الأميركية الأساسية، فذلك يعود إلى حدٍّ كبير إلى وجود شريحة ضخمة من السكان تشعر بأنها تُركت خلف الركب اقتصاديًا، بل وحتى اجتماعيًا من حيث القيم، وأن النخب لم تكترث بها.
وقد استثمر ترامب هذا الشعور القوي بالاستياء. والنتيجة أنك قد تتحرك في اتجاه يميني. وأشير أيضًا إلى أن تاكر كارلسون تحدث مع تشارلي كيرك قبل وفاة كيرك بوقت قصير. وقال كيرك لكارلسون إنه ينبغي أن يفهم أن قاعدة دعم مامداني في مدينة نيويورك ليست مختلفة كثيرًا عن قاعدة دعم ترامب.
وما كان يقوله كيرك هو أن هناك عددًا هائلًا من الناس غير راضين بعمق من الناحية الاقتصادية، بل وحتى الاجتماعية، عن الاتجاه الذي تسير فيه الولايات المتحدة. إذا كنت تعيش في مدينة مثل نيويورك أو شيكاغو، فإن مجرد تدبير أمور المعيشة، وتأمين سقف يؤويك، ووضع الطعام على المائدة، أصبحت بالنسبة لكثيرين أمرًا شبه مستحيل. وهؤلاء هم أناس يدعمون ترامب، ويدعمون مامداني أيضًا.
ما أقوله لك هو: إذا كنت تدعم مامداني، وهو يعلن نفسه اشتراكيًا، فأنت تتحرك نحو اليسار. أما إذا كنت تدعم ترامب، فأنت تتحرك نحو اليمين. ولذلك من الصعب جدًا التنبؤ إلى أين سينتهي بنا المطاف. إذا واجهنا أزمة اقتصادية خطيرة فعلًا في المستقبل، فهل ستغلب القوى اليمينية أم اليسارية؟
كريس هيدجز: هذا ما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي، وقد أُنقذنا. أوروبا -وفي حالات كثيرة إسبانيا وإيطاليا وألمانيا بالطبع، والمجر- كلها اتجهت نحو اليمين، أما نحن، فبفضل الحركات النقابية القوية، تجنبنا الفاشية.
جون ميرشايمر: سأضع الأمر بصيغة مختلفة قليلًا. إذا نظرت إلى ما حدث في أوروبا، فإن الانقسام الحقيقي عندما بدأت الليبرالية تفشل كان بين الفاشية والشيوعية. الشيوعية تمثل اليسار، والفاشية تمثل اليمين. وبالمناسبة، كان لدينا في الولايات المتحدة حركة شيوعية ذات شأن. كما كان لدينا أيضًا قوى فاشية ناشئة - ليست قوية جدًا، لكنها كانت موجودة.
لكن في أجزاء واسعة من العالم، فقدت الديمقراطية الليبرالية مصداقيتها. انظر إلى ألمانيا فايمار. جمهورية فايمار، الديمقراطية الليبرالية، فقدت شرعيتها، فاتجهوا نحو اليمين. لكن كان هناك أيضًا تيار شيوعي مهم داخل ألمانيا. كان يمكن أن يتجهوا يمينًا أو يسارًا. السوفييت، بالطبع، اتجهوا يسارًا. عذرًا - كانت الديمقراطية الليبرالية آنذاك تحت تهديد، وكان هناك بديل يساري وبديل يميني، وأعتقد أننا في جوانب مهمة نسير في اتجاه مشابه. وبالمناسبة...
كريس هيدجز: لكنها كانت ليبرالية مفلسة. أعني ليبرالية خلقت نوعًا من الشلل. بعد انهيار 1929، ألغت حكومة فايمار تأمين البطالة لسداد القروض. من نواحٍ كثيرة، تُرك السكان لمصيرهم. الطبقة العاملة تُركت كما تُركت هنا. وهناك من كتب -لا أتذكر من- أن الفاشية دائمًا ما تكون نتاج ليبرالية مفلسة.
جون ميرشايمر: لم أسمع بذلك من قبل. لكن صدمة 1929 الاقتصادية، التي أدت إلى الكساد، لعبت دورًا أساسيًا. ومشكلة جمهورية فايمار -دون الخوض عميقًا في التاريخ- أنها تأسست بعد الحرب العالمية الأولى بينما كانت ألمانيا تحت حصار وضغط شديدين.
كريس هيدجز: ربما كنت أنت من قال ذلك، لا أدري. أظن أنه فريد ستيرن.
جون ميرشايمر: وبصيغة مبسطة، بدأت بداية سيئة للغاية. وكانت قد بدأت تكتسب بعض الاستقرار بحلول أواخر عشرينيات القرن الماضي. ثم ضرب الكساد في 1929. وهتلر وصل إلى السلطة في 30 كانون الثاني (يناير) 1933. ترى إذًا: الكساد في 1929، وهتلر في الحكم العام 1933.
كريس هيدجز: نعم، صحيح. الحزب النازي كان يحصد نسبًا في خانة الآحاد العام 1928.
جون ميرشايمر: بالضبط، بالضبط. لكن كل هذا يعيدنا إلى السؤال: إذا تعرضت الولايات المتحدة لصدمة اقتصادية كبرى، إلى أين سنذهب؟ انظر إلى الحزب الديمقراطي اليوم، إنه منقسم بين التقدميين الذين يريدون التحرك يسارًا، والتيار السائد الذي يريد الحفاظ على الوضع القائم.
ثم إذا نظرتَ إلى الحزب الجمهوري، فإنك تجد داخله طيفًا من القوى التي تسعى إلى دفعه أكثر نحو اليمين، في مقابل شريحة واسعة تريد الإبقاء على الوضع القائم. وبذلك، يمكن القول إن عناصر التحوّل موجودة بالفعل داخل النظام السياسي الأميركي، بحيث أن وقوع صدمة كبرى قد يدفع به إمّا نحو مزيد من الميل إلى اليسار أو إلى مزيد من الانزياح نحو اليمين.
كريس هيدجز: رائع. شكرًا جون. وأشكر ميلينا، وتوماس، وفيكتور، وماكس، وصوفيا الذين أنتجوا البرنامج. يمكنكم متابعتي على ChrisHedges.Substack.com.
*كريس هيدجز Chris Hedges: صحفي حائز على جائزة بوليتزر. كان مراسلاً أجنبيًا لمدة خمسة عشر عاما لصحيفة "نيويورك تايمز"، حيث شغل منصب رئيس مكتب الشرق الأوسط ورئيس مكتب البلقان للصحيفة. عمل سابقًا مراسلاً أجنبيًا لصحف "ذا دالاس مورنينغ نيوز" و"كرستيان سينس مونيتور" و"الراديو الوطني"، وهو مضيف برنامج "تقرير كريس هيدجز". حصل على جائزة منظمة العفو الدولية العالمية للصحافة في مجال حقوق الإنسان للعام 2002. يحمل درجة الماجستير في اللاهوت من كلية اللاهوت بجامعة هارفارد، وهو مؤلف الكتابين الأكثر مبيعًا: "الفاشيون الأميركيون: اليمين المسيحي والحرب على أميركا"؛ "إمبراطورية الوهم: نهاية محو الأمية وانتصار المشهد". وكان أحد المتأهلين للتصفيات النهائية لدائرة نقاد الكتاب الوطنية عن كتابه "الحرب قوة تعطينا معنى". عمل بالتدريس في جامعة كولومبيا وجامعة نيويورك وجامعة برينستون وجامعة تورنتو.
*نشر هذا الحوار تحت عنوان: The Future of the ‘New World Order’