عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Jan-2026

الأردن وإسرائيل: اشتباك مؤجَّل أم تسوية قسريّة؟

 درج-

 

رنا الصبّاغ-

يقول أحد المسؤولين إن «غزة انتهت فعليًا» وصارت بعهدة أميركا وإسرائيل، وبينما يُعاد تشكيل المشهد الفلسطيني، يرى مسؤولون أردنيون أن الاشتباك مع إسرائيل لحماية مستقبل الضفة بات ضرورة، شرط التنسيق مع الفلسطينيين أصحاب القضية، لا بدلًا عنهم.
 
خلف الأبواب الرسمية المغلقة، يدور نقاش خافت حول إيجابيات وسلبيات إعادة الاشتباك السياسي مع إسرائيل، التي تكشّر عن أنيابها التوسعية، ولم تعد تُخفي سعيها إلى تصفية القضية الفلسطينية على حساب المملكة، على رغم معاهدة السلام الثنائية عام 1994.
 
حتى الآن، لم يفضِ هذا الجدل إلى موقف واضح، ويبدو أشبه بولادة عسيرة لخيارات وسيناريوهات سياسية لم تكتمل ملامحها بعد. فالملك عبد الله الثاني – الذي يرسم السياسة الخارجية بالتشاور مع الأجهزة الأمنية والوزارات السيادية ونخبة من المستشارين- لا يثق بنوايا بنيامين نتانياهو تجاه المملكة، ولا بأي كلمة تصدر عنه. وفي البال تجربته مع رئيس الوزراء اليميني المتزمّت منذ “اعتلى العرش” قبل ربع قرن. ولم يلتقِ الرجلان وجهًا لوجه منذ اجتماعهما في كانون الثاني/ يناير 2023.
 
أما وزير الخارجية أيمن الصفدي، فيترجم تصورات الملك سياسيًا ودبلوماسيًا بحكم منصبه المربوط برأس الدولة. ويساعده سجّله الصحافي على اختيار خطاباته وتعليقاته على منصات التواصل الاجتماعي، بعناية فائقة لتُحدث أثراً في الرأي العام… 
 
ففي كلمة له أمام الأمم المتحدة قبل أشهر، وصف رئيس الدبلوماسية الأردنية إسرائيل بـ«الدولة المارقة»، في موقف لاقى استحسانًا واسعًا لدى غالبية الأردنيين. كما حذّر من أن أي تهجير باتجاه الأردن سيُعدّ بمثابة إعلان حرب يستوجب تصدّي الجيش الأردني.
 
ويُنظر إلى الصفدي في الرأي العام الأردني والعربي بوصفه صوتًا قويًا في الدفاع عن غزة وتسليط الضوء على معاناتها الإنسانية، عبر سردية أردنية واضحة، أحدثت أحيانًا جِدالًا داخليًا، وساهمت في أحيان أخرى بتأزيم العلاقة مع الحليف الأميركي.
 
لكن هذا الخطاب، بحسب تقديرات ساسة ودبلوماسيين، يجعل التراجع لاحقًا أمرًا بالغ الصعوبة في حال قررت عمّان الاشتباك السياسي مجدداً مع صانعي القرار في الكيان المجاور. 
 
حسم مؤجل
حتى اليوم، لم تتبلور مقاربة سياسية – سيادية شاملة لشكل إدارة العلاقة مع إسرائيل وتوقيت اللقاءات. على أن الترجيحات تُميل الكفّة إلى تأجيل الاشتباك السياسي إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، وفي البال فجوة الثقة حيال حكومة اليمين الديني المتزمتة في تل أبيب.
 
يشدد ثلاثة مسؤولين، تحدثت إليهم بشرط عدم الكشف عن أسمائهم لحساسية الملف، على ضرورة أن يعيد الأردن تواصله السياسي، ولو بالحد الأدنى وعلى مستوى وزراء الخارجية، وعلى أسس واضحة، لحماية مصالحه الاستراتيجية في إقليم مشتعل تنزاح طبقاته الجيوسياسية منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وتميل الكفّة صوب هذه المقاربة بالتزامن مع انتخاب دونالد ترامب لولاية ثانية، بوصفه زعيمًا عالميًا يدير نظامًا يمينيًا قائمًا على الصفقات التجارية والسياسية، ويفرض قراراته بالقوة، كما يعاقب الدول التي ترفض إملاءاته.
 
الكل يلهث وراء مصالحه
دخل كلّ من سوريا ولبنان في مفاوضات تهدئة مع إسرائيل من دون نتائج حاسمة، في حين وقّعت مصر اتفاقية غاز مع إسرائيل بمجرد وقف الحرب في غزة قبل أربعة أشهر، كما فاوضت الولايات المتحدة حركة «حماس» لضمان الهدنة التي أعلنها ترامب لاحقًا.
 
على الخط الثنائي، لم تتوقف المفاوضات الأمنية والعسكرية الأردنية – الإسرائيلية لضمان الاستقرار الحدودي، وإن بات أعضاء لجان المملكة يقرّون بتغيّر نمط التعامل مع نظرائهم، إذ يعكسون خطاب نتانياهو ويمينه المتشدد، الذي يدير السياسة على أسس أيديولوجية وعقائدية.
 
يقول أحد المسؤولين الثلاثة إن الضفة الغربية هي عمق الأردن: «مصالحنا مترابطة». ويشرح: «يمكننا أن نكون ضمانة للفلسطينيين ونقوّي موقفهم بوجه إسرائيل. الاشتباك السياسي يكشف نوايا تل أبيب، وقد يدفع الى تعديل مشاريعها أو إيقاظ تيار الأقلية المؤمنة بالسلام ودفعها الى التحرك في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة».
 
إدارة أزمات
يضيف مسؤول آخر أن الاشتباك التفاوضي «ليس تطبيعًا ولا تنازلًا، بل إدارة أزمات ومخاطر، بشرط التنسيق الكامل مع الفلسطينيين، لأن عمّان ليست وصيًا عليهم، ولن تكون طرفًا». كما يشدّد على أن الأردن «مضطر لحماية مصالحه ضمن ملفات مصيرية: الغاز، المياه، الأمن، الحدود، المعابر، التجارة، الوصاية الهاشمية على المقدسات واللاجئين». هذا الاشتباك سيساعد الأردن أيضًا على تخفيف وطأة وتداعيات المخططات المرسومة للضفة الغربية في أي ترتيبات مستقبلية.
 
الطريق إلى الأمام
وزير الخارجية الأسبق مروان المعشر، أول سفير في تل أبيب غداة توقيع المعاهدة (1994)، أعلن عدم ثقته بإسرائيل، لأن حل القضية الفلسطينية، وفق رؤيتها، سيكون على حساب الأردن. ويقول المعشر إن «أي محاولة لإحياء المفاوضات بعد معادلات 7 تشرين الأول/ أكتوبر يجب أن تكون مشروطة بموقف إسرائيلي علني يحترم السيادة الأردنية، ويتخلى عن الترانسفير، ويؤكد الالتزام بمعاهدة السلام وبنودها».
 
من جهته، يحثّ الأستاذ الجامعي عامر السبايلة على مراجعة آلية إدارة السياسة الخارجية لتوسيع هامش المناورة. ويضيف لكاتبة المقال: «الأردن يضع نفسه اليوم في موقع الرفض الدائم، فتتقلص خياراته». ويردف شارحًا: «لدينا أوراق كثيرة بحكم الجغرافيا والديمغرافيا والاقتصاد، ويجب استثمارها بعيدًا عن حالات الاستقطاب لتزداد قيمته السياسية في عيون الحلفاء». والأهم إقناع واشنطن بدعم أمنه واستقراره من خلال عدم السماح لإسرائيل باتخاذ خطوات قد تسبب له ضررًا أو حالة من عدم الاستقرار.
 
دبلوماسي غربي في عمّان يرى أن على إسرائيل تأكيد الالتزام «بعلاقات جوار جيدة على المستويات كافة بالاستناد إلى معادلة السلام عندما تحين ساعة التفاوض السياسي»، ويشمل ذلك «التزام تل أبيب بحصة عمّان من المياه المتفق عليها ووقف التصعيد المتسارع في الضفة الغربية».
 
سيناريوهات محتملة
يتحدث ساسة ودبلوماسيون عن خيارات، اثنان منها باتا شبه مستحيلين: أول الخيارات المستحيلة هو قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، إذ انتهى هذا المآل عمليًا بفعل الاستيطان وقضم الأراضي. الثاني هو توافق عربي موحّد على ضرورة قيام دولة فلسطينية من دون الاتفاق على حدودها ودورها وسيادتها.
 
يبقى الخيار الثالث الأكثر واقعية: كيان فلسطيني بحكم ذاتي محدود، منزوع السلاح، مع سيطرة إسرائيلية على الحدود والسماء والنطاق الكهرومغناطيسي.
 
إقرأوا أيضاً:
 
 
الصحافة المستقلّة في الأردن: امتحان الحرّية
 
الإخوان في الأردن بين تصنيف ترامب والسياق الداخلي: سؤال السيادة ومسار الإسلام السياسي
ضمن هذا السيناريو، تفرض إسرائيل أمرًا واقعًا بمساعدة أميركا، عبر ضم المستوطنات الكبرى وغور الأردن، فيما يحصل الفلسطينيون على بقية الضفة وغزة، مع تبادل أراضٍ في النقب وجنوب الخليل. ويُلغى حق العودة مقابل تعويضات للدول والأفراد واستثمارات ضخمة، ومشاريع بنى تحتية تربط الضفة بما تبقى من غزة. وتُقام فدرالية بين الأردن وبقايا الضفة ومصر مع بقايا غزة.
 
في السياق الديمغرافي، يخشى الأردن إقدام إسرائيل على طرد 300 ألف «ضفّاوي» يحملون الرقم الوطني وجنسية أردنية كاملة مع حق التصويت في البرلمان و/أو الترشح.
 
المأزق الأعمق يتمحور حول سيناريوهات التعامل مع مليون فلسطيني يحملون جوازات سفر مؤقتة لتسهيل التنقل، غالبيتهم يعملون في دول الخليج، وحوالي 700 ألف في الأردن، في حال قرّرت إسرائيل منع عودتهم إلى الضفة الغربية. هذا قرار على الدولة أن تتخذه بعد دراسة قانونية وإنسانية وارتدادات ذلك على الداخل، بحسب أحد المسؤولين. ويعتقد أن أحد المخارج يكمن في دسترة فك الارتباط، المعلن عام 1988، وتطبيقه بحذافيره بعد عقود من المماطلة.
 
يرفض الأردن أي دور سياسي أو أمني مباشر في ما تبقّى من الضفة الغربية، لكنّ واجبه الوطني والقومي يُبقي جسوره معبرًا لسكان هذه المنطقة المعزولة، وكذلك مرور المساعدات ومواد الإعمار، بما يضمن جزءًا من العوائد لشركاته.
 
نكوص عن الاتفاقات السابقة
يُنتظر أن تتولى الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاء إقليميون ملفات المرحلة النهائية، التي كان يفترض أن تكون ضمن صلاحيات الفلسطينيين والأردن وفق اتفاق أوسلو. وقد يروّج اللاعبون الدوليون أيضًا لفدرالية أردنية – فلسطينية بين الضفة وعمّان وغزة ومصر، على غرار نموذج إقليم كردستان الفدرالي ضمن العراق، وفق دستور هذا البلد لعام 2005، وبالإمكان أن تكون فدرالية مع إسرائيل.
 
أردنيًا، تبقى الكونفدرالية مرفوضة حتى ولو بعد ولادة الكيان. الأردن الرسمي يراها بمثابة انتحار سياسي، لضرورة المحافظة على توازن الجغرافيا والديمغرافيا وبقاء النظام الهاشمي.
 
فراغ سياسي في الضفة؟
يعبّر مسؤولون عن قلق متزايد من فراغ سياسي محتمل في الضفة الغربية، فالسلطة الوطنية الفلسطينية، التي وُلدت من رحم أوسلو عام 1993، فقدت دورها بفعل الصراع بين فتح وحماس، والمحسوبية، والاتهامات بالفساد والشللية، وإساءة صرف المليارات من الدولارات على شكل دعم مالي واقتصادي دولي… فعليًا ماتت، لكن ورقة النعي لم تُنشر بعد.
 
السلطة الفلسطينية اليوم أمام اختبار إصلاحات مطلوبة دوليًا وعربيًا لإنقاذ ما تبقّى منها، من خلال تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية لفرز قيادة جديدة قادرة على إدارة مرحلة انتقالية غامضة الملامح. وقد يتكرر سيناريو غزة في الضفة، إذا نجحت لجنة تكنوقراط في إدارة القطاع ضمن خطة ترامب لنزع سلاح حماس ونشر قوات استقرار دولية.
 
ويزيد المشهد تعقيدًا إعلان ترامب تحويل «مجلس السلام» الخاص بغزة إلى «مجلس السلام الدولي»، بمشاركة دول إقليمية ومن دون السلطة الوطنية الفلسطينية، المنبثقة من منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. ووفق الطرح الجديد، يتولى المجلس رسم مقاربات لحل النزاعات، تبدأ من غزة ولا تنتهي عندها.
 
أين مصلحة الأردن؟
يقول أحد المسؤولين إن «غزة انتهت فعليًا» وصارت بعهدة أميركا وإسرائيل، وبينما يُعاد تشكيل المشهد الفلسطيني، يرى مسؤولون أردنيون أن الاشتباك مع إسرائيل لحماية مستقبل الضفة بات ضرورة، شرط التنسيق مع الفلسطينيين أصحاب القضية، لا بدلًا عنهم.
 
يقول مسؤول أمني سابق عمل على الملف الأردني – الإسرائيلي: «كأردن، مصلحتنا اليوم بالاتفاق مع إسرائيل، لأن الاتفاق مع الفلسطينيين شبه معدوم». ويضيف: «أين نحن كدولة أردنية – لا شرق ولا غرب أردني – مع إسرائيل؟ ما هو مستقبل الأردن بالنسبة لما يحصل في الضفة؟ اليوم الفلسطينيون لا رأي لهم. الأردن ومصر والسعودية يطلبون من السلطة إصلاح نفسها، لكنها لا تظهر أي جدية».
 
مثل هذا الاشتباك، من وجهة نظر براغماتية، يحمل فوائد أمنية وإقليمية، كما ظهر في حماية الحدود الشمالية بعد سقوط نظام الأسد، وفي كبح النفوذ الإيراني عبر العراق، الجبهة الوحيدة التي تشكّل تهديدًا لعمّان، وكذلك في القدرة على التأثير في أميركا.
 
هذا المسار يبقى محفوفًا بالمخاطر، فالأردن يقف اليوم عند مفترق طرق: بين غضب شعبي واسع وحسابات دولة دقيقة، وبين اشتباك سياسي محفوف بالمخاطر وتسوية قد تُفرض عليه من الخارج، أو حليف قد ينقلب عليه كما فعل في مناسبات عدة عندما انتفت الحاجة إليه: إيران رضا بهلوي، أفغانستان، والآن الأكراد في شمال شرقي سوريا.
 
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تملك عمّان ترف الانتظار؟ أم حانت لحظة القرار بواقعية على وقع المتغيرات الجيوسياسية الأخيرة، وإعادة التواصل ضمن محددات واضحة؟