موسم الخبيزة والزعتر و.. راحة البال!*رشاد ابو داود
الدستور
في هذه الفترة من العام أحرص على التمتع ببدايات الربيع. ما كان أصفر شاحبًا على مد البصر أصبح أخضر يانعًا ولامعًا، خاصة بعد ليلة ماطرة. وما كان في متناول جيبك عند البقال ومحل الخضار أصبح في متناول يدك، مجانًا وبلا مقابل، ما عليك سوى أن تتخلى عن كبرك وكبريائك، تنحني إلى الأرض، تلتقط ما جادت به: خبيزة، حميض، لوف، هندبة أو زعتر أو ميرمية أو نعنع بري أو شيح أو عكوب.
هذه بعض النباتات في سهول وجبال الأردن وبلاد الشام، منها ما هو للأكل وما هو دواء كان الأجداد يستخدمونه للعلاج، ولكل مرض عشبه الذي يشفي منه، قبل أن يعبئوه في كبسولات ملونة ويضعوه في علب مغرية الشكل مرتفعة السعر، غير مضمونة المضمون.
تصاب بالذهول عندما تقرأ عن هذه النباتات في النت أو تستمع إلى فوائدها في اليوتيوب لأطباء أجانب من مؤيدي الطب البديل، الذي أسموه «التكميلي» بعد اعتراض بعض شركات الأدوية العالمية، وهي بالمناسبة في قائمة الشركات التي تحقق أعلى الأرباح مع شركات الأسلحة والطاقة والتكنولوجيا، حسب بعض الإحصائيات.
حين تتعب استرح في ظل شجرة بلوط أو قيقب، أو خروب أو بطم أو لزاب. كلها أشجار معمرة شاهقة كجبال عجلون والبلقاء.
سيراك فلاح من أهل المنطقة بيده طورية أو فأس يزرع شجرة زيتون أو عنب. يسلم عليكم ببشاشة: هلا ورحب بالغانمين. يحلف أيمانًا أن تتغدوا عندهم اليوم. تعتذر وتتملص منه بصعوبة، فيصر على أن تشربوا الشاي. يشعل النار بين ثلاثة حجارة، وحتى يغلي الماء في الإبريق الموشى بشحار النار، تدور السواليف التي بنكهة القيصوم أو الميرمية أو النعنع.
يقال إن الإنسان ابن الطبيعة، فكيف إذا كانت الطبيعة هي الطبيبة صبحه ونهاره ومساءه؟!
إنها البساطة ببكورتها وبراءتها بلا مساحيق ولا تجميل ولا كوافير ولا نفاق.
تذكرني حياة الفلاحين بقصة رجل الأعمال الذي ذهب إلى إحدى القرى التي يمتهن أهلها الزراعة وسألهم كيف يقضون يومهم. قال كبيرهم: نصلي الفجر ونخرج إلى حقولنا. نزرع ونحصد ونسقي الشجر والغنم، وعند الثامنة صباحًا تخبز البنات الخبز على الصاج. نقلي بيضًا من الجاجات بزيت الزيتون خير السنة أو بالسمن البلدي. نحش الجرجير والبقدونس والبصل الأخضر من حوش الدار. نفطر بشهية، كل شيء ساخن طازج. نشرب الشاي ونعود للعمل.
عند منتصف النهار تكون البنات قد جهزن قلاية البندورة بالفلفل الأخضر. نتغدى ونعاود العمل. قبل غروب الشمس نعود إلى بيوتنا. نلاعب أطفالنا، نتعلل ونحكي حكايا آبائنا وأجدادنا، وبعد صلاة العشاء نخلد إلى نوم عميق.
وكيف تتدبرون أمر المال؟ سأل رجل الأعمال.
قال شاب منهم: أشحن رزق أمس مع الفجر إلى حسبة المدينة. أبيعه بما تيسر وأعود للقرية.
قال الرجل: لماذا لا تبنوا مصنعًا هنا وتعلبون إنتاجكم أو تغلفوه وتبيعوه للتجار، وبعد فترة من الزمن تنتقلون إلى المدينة وتقيمون مصنعًا هناك، فيزداد ربحكم وتصبحون من رجال الأعمال وأصحاب الملايين.
قالوا: وكم سنة يستغرق هذا المشروع؟ قال: بين خمس عشرة وعشرين سنة.
وبعد ذلك؟ قال: تتقاعدون وتعيشون حياة سعيدة. تجدون وقتًا لتلعبوا مع أولادكم وتسهرون مع جيرانكم وتنامون مرتاحي البال.
قالوا: هذا ما نفعله الآن، فلماذا نضيع كل هذه السنين من أعمارنا؟!