الدستور
أخطر الأخطاء في السياسة ليست تلك التي تُرتكب عن قصد، بل تلك التي تُرتكب بثقة زائدة- ديغول.
يُعدّ لاري سي. جونسون واحدًا من أبرز المحللين العسكريين في العالم؛ إذ عمل محللًا في وكالة الاستخبارات الأمريكية، وتركّزت خبرته على ملفات مكافحة الإرهاب في منطقتنا، كما شغل لاحقًا مناصب استشارية مرتبطة بالأمن القومي وأسهم في إعداد تقارير تحليلية للحكومة الأمريكية. وبعد تقاعده، اتجه إلى العمل كاتبًا ومحللًا مستقلًا، حاضرًا في المقالات والمنصات الإعلامية، حيث تثير آراؤه جدلًا واسعًا وتحظى بمتابعة كبيرة.
يخالف جونسون تقديرات البنتاغون التي تفترض أن الحرب مع إيران ستأخذ شكل حملة ضربات جوية دقيقة وقصيرة تُنهي القدرات الإيرانية بسرعة، إذ يرى، على النقيض من ذلك، أنها ستتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
وأرى أن لدى جونسون وآخرين قراءات منطقية ومتماسكة؛ فالتصعيد الأمريكي في المنطقة، وإرسال البوارج، واللهجة الحادة التي انتهجها الرئيس ترامب، كان يُفترض أن تقود إلى ضربة تفتح الباب أمام مفاوضات. غير أن ذلك لم يحدث؛ إذ خفّفت الولايات المتحدة من حدّة خطابها، في حين صعّدت إيران من مستوى التحدي.
ويمكن تفسير هذا التحول بجملة من الأسباب المتداخلة، في مقدمتها المبالغة في تقدير القدرات العسكرية الأمريكية، وهو ما بدا جليًا خلال المواجهة مع الحوثيين، حين أطلقت واشنطن عملية عسكرية حملت اسم Rough Raider، أي «الراكب الخشن»، بهدف إنهاء هجمات الحوثيين على البواخر. ورغم تنفيذ أكثر من ألف غارة جوية استهدفت ما يزيد على ثمانمئة موقع، أخفقت العملية، واستمر الحوثيون في استهداف الملاحة، على الرغم من تصويرها سياسيًا وإعلاميًا بوصفها إنجازًا. وإذا كانت الولايات المتحدة قد عجزت عن حسم المواجهة مع فصيل واحد، فكيف يمكن الافتراض أنها ستنجح في هزيمة إيران؟
ويُضاف إلى ذلك اعتماد عدد كبير من الصواريخ الأمريكية، وعلى رأسها «توماهوك»، على نظام تحديد المواقع (GPS)، ما يجعلها عرضة للتشويش الإلكتروني. ويؤكد العديد من المحللين أن إيران، بدعم تقني من روسيا والصين، تمتلك القدرة على تعطيل هذه الأنظمة، وقد طبّقت ذلك بالفعل عبر التشويش على «ستارلينك» داخل أراضيها، الأمر الذي أدى إلى قطع الإنترنت وأسهم في إحكام سيطرتها على الاحتجاجات.
وفي السياق ذاته، كشفت إيران عن صاروخ «خرمشهر-4»، وهو اسم ذو دلالة رمزية عميقة في الذاكرة الإيرانية، لارتباطه بمدينة عُرفت بالصمود والتحدي خلال الحرب العراقية–الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي. وتبلغ سرعة هذا الصاروخ نحو 18 ألف كيلومتر في الساعة، ما يجعل اعتراضه بالغ الصعوبة. وقد جاء الإعلان عنه في ذروة التهديدات الأمريكية، بالتوازي مع الكشف عن مدن صاروخية كاملة تحت الأرض، لا تعرف الولايات المتحدة ولا الصهاينة مواقعها.
أما في مواجهة الأيام الاثني عشر، فقد امتلكت الولايات المتحدة عنصر المفاجأة حين باغتت إيران أثناء المفاوضات، وأطلق الكيان طائرات مسيّرة من داخل الأراضي الإيرانية. غير أن طهران سرعان ما استوعبت الصدمة وردّت بقصف الكيان. إلا أن المشهد اليوم يبدو مختلفًا؛ فإيران تدخل أي مواجهة محتملة وهي في حالة استعداد وثقة واضحة، ويُرجّح أن هذه الثقة تستند إلى دعم غير معلن من روسيا والصين. فقد وردت تقارير عن وصول طائرات شحن عسكرية روسية وصينية إلى إيران منذ يونيو لتعزيز دفاعاتها، كما أفادت مصادر موثوقة بأن الصين زوّدتها بمنظومات دفاع جوي متقدمة لم تكن متوافرة قبل ذلك.
ويرى محللون أن ملامح اصطفاف دولي آخذة في التشكل؛ إذ إن استدراج الولايات المتحدة إلى مواجهة طويلة مع إيران يخدم مصالح موسكو وبكين بعدة طرق، من بينها إضعاف صورة واشنطن كقوة عظمى إذا واجهت تعقيدات كبرى أو خسائر نوعية، فضلًا عن إبقائها غارقة في الشرق الأوسط بما يحوّل تركيزها ومواردها بعيدًا عن أوكرانيا وتايوان.
يسعى مجرم الحرب نتن ياهو إلى ممارسة ضغط متزايد على الإدارة الأمريكية لتوسيع إطار المفاوضات مع إيران ليشمل برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي، وهو ما ترفضه طهران رفضًا قاطعًا. ورغم أن أي مواجهة عسكرية قد تُلحق بإيران أضرارًا جسيمة، فإن إخفاق الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها سيكبدها بدوره خسائر فادحة، وقد يدفع التصعيد إلى مستوى جديد ينذر بابتلاع المنطقة بأسرها.