اللقاءات الملكية.. نهج لتعزيز التواصل الوطني*حسن الدعجة
الغد
تُعدّ اللقاءات الملكية مع العشائر والمحافظات والقرى والبوادي والمخيمات، ومع مختلف شرائح ومكوّنات المجتمع الأردني في المملكة الأردنية الهاشمية، من أبرز ملامح النهج الهاشمي في الحكم، وأحد أهم الأدوات الفاعلة في ترسيخ التواصل المباشر بين القيادة والشعب. فقد دأب الملك عبدالله الثاني على تعزيز ثقافة القرب من المواطنين، والحرص على الاستماع إليهم في مواقعهم، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن قوة الدولة تنبع من تماسك مجتمعها، وأن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال فهم عميق لواقع الناس واحتياجاتهم الفعلية. وعلى امتداد العقود، شكّلت هذه اللقاءات تقليدًا سياسيًا واجتماعيًا متجذرًا يعكس خصوصية التجربة الأردنية في الحكم، ويؤكد أن القيادة الهاشمية حاضرة دائمًا إلى جانب المواطن، قريبة من همومه اليومية، ومتفاعلة مع قضاياه، مهما اختلف موقعه الجغرافي أو الاجتماعي.
وقد شملت هذه اللقاءات مختلف مناطق المملكة من جنوبها إلى شمالها، في دلالة واضحة على شمولية الرؤية الملكية وعدالة الاهتمام، حيث زار جلالته محافظة العقبة بوصفها بوابة الأردن الاقتصادية، والتقى بأبناء وادي رم رمز البادية الجنوبية وأصالتها، كما شملت اللقاءات محافظات معان والطفيلة والكرك بما تمثله من عمق تاريخي ووطني، وامتدت إلى مادبا وعمان باعتبارهما مركزين مهمين في الحياة السياسية والإدارية. ولم يغفل جلالته محافظات الشمال، فزار المفرق والجرش وعجلون، وصولًا إلى آخر هذه اللقاءات في محافظة إربد، تأكيدًا على أن جميع مناطق الأردن تحظى بالاهتمام والمتابعة، وأن همّ المواطن في أي بقعة هو أولوية ثابتة في النهج الهاشمي.
تنطلق هذه اللقاءات من رؤية راسخة تقوم على التواصل الإنساني المباشر، بعيدًا عن الحواجز الرسمية والبروتوكولات الجامدة، حيث يحرص الملك عبدالله الثاني على أن تكون العلاقة مع المواطنين قائمة على القرب والاحترام المتبادل، لا على المسافات الشكلية. ففي هذه اللقاءات، يجلس جلالته مع وجهاء العشائر، وممثلي المحافظات، وأبناء القرى والبوادي في أجواء أقرب إلى اللقاءات العائلية، تسودها الصراحة والوضوح، ويُفتح فيها المجال للحوار الحقيقي دون تكلّف أو قيود. ويجد المواطن نفسه أمام قيادة تستمع بإمعان، وتناقش بموضوعية، وتُقدّر الرأي الصادق مهما كان ناقدًا أو محمّلًا بالتحديات.
وتُمنح في هذه اللقاءات مساحة واسعة للتعبير عن المطالب والاحتياجات، سواء ما يتصل بالخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والمياه، أو بقضايا البطالة وخلق فرص العمل، أو بتطوير البنية التحتية والمشاريع التنموية المحلية. ولا تقتصر أهمية هذه المساحة على عرض المشكلات فحسب، بل تتعداها إلى إشراك المواطن في تشخيص الحلول وتحديد الأولويات، وهو ما يعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه الوطن. كما تُسهم هذه اللقاءات في ترسيخ قيم المشاركة والانتماء، وتأكيد أن كل فرد، مهما كان موقعه، هو شريك حقيقي في مسيرة البناء والتحديث، وأن صوته جزء أصيل من القرار الوطني، الأمر الذي يعمّق الثقة بين القيادة والشعب، ويقوّي الجبهة الداخلية للدولة.
وتحمل اللقاءات الملكية دلالات وطنية عميقة تتجاوز إطار التواصل المباشر، إذ تؤكد بشكل واضح على الدور التاريخي والمحوري الذي اضطلعت به العشائر الأردنية في بناء الدولة الحديثة وحماية أمنها واستقرارها، وترسيخ قيم الولاء والانتماء. كما تعكس هذه اللقاءات تقدير القيادة الهاشمية لمكانة القرى والبوادي باعتبارها مكوّنًا أصيلًا من مكونات الهوية الوطنية الأردنية، ورافدًا أساسيًا من روافد الصمود والعطاء. فالاهتمام بالبادية، على وجه الخصوص، يجسد وعي القيادة بأهمية هذه المناطق التي شكّلت عبر التاريخ عمقًا اجتماعيًا وجغرافيًا للدولة، وأسهم أبناؤها في الدفاع عن الوطن وخدمته في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ومختلف ميادين العمل الوطني.
ومن خلال هذه اللقاءات، يجدد الملك عبدالله الثاني التأكيد على أن التنمية لا يمكن أن تكون حقيقية ما لم تكن شاملة ومتوازنة، تصل ثمارها إلى أطراف المملكة كما تصل إلى مركزها، وتراعي خصوصية كل منطقة واحتياجاتها. ولا تقتصر هذه اللقاءات على الاستماع والتشخيص، بل تُترجم إلى توجيهات ملكية واضحة للحكومات والمؤسسات المعنية، تهدف إلى متابعة المطالب والعمل على تنفيذها ضمن الإمكانات المتاحة وبروح المسؤولية. وفي هذا السياق، يبرز دور الديوان الملكي الهاشمي كحلقة وصل فاعلة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، من خلال الزيارات الميدانية المتواصلة إلى المحافظات والقرى والبوادي، نقلًا لتوجيهات الملك، واستماعًا لهموم الناس، ومتابعةً لتنفيذ القرارات على أرض الواقع، بما يعزز الثقة المتبادلة ويكرّس مبدأ الدولة القريبة من مواطنيها.
وتُسهم هذه اللقاءات في تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ مفهوم العدالة الاجتماعية، إذ يشعر المواطن، أينما كان، بأن صوته مسموع، وأن القيادة تتابع أوضاعه دون تمييز. كما تعكس هذه اللقاءات نموذجًا متقدمًا في الإدارة السياسية، يقوم على الجمع بين القيادة المركزية والرؤية الشاملة من جهة، والإنصات للتفاصيل المحلية من جهة أخرى، وهو ما ينسجم مع توجهات الدولة نحو تعزيز اللامركزية وتمكين المجتمعات المحلية من التعبير عن أولوياتها.
ومن الناحية الاجتماعية، تُجسد اللقاءات الملكية روح الأسرة الأردنية الواحدة، حيث تتداخل القيم السياسية مع القيم الاجتماعية القائمة على الاحترام والتكافل والتواصل المباشر. هذا النهج أسهم في ترسيخ حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي، وجعل من الأردن نموذجًا في العلاقة المتوازنة بين القيادة والشعب، خاصة في ظل التحديات الإقليمية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة.
وفي المحصلة، فإن اللقاءات الملكية مع العشائر والمحافظات والقرى والبوادي ليست مجرد مناسبات بروتوكولية، بل هي ممارسة راسخة تعكس فلسفة حكم قائمة على الشراكة والإنصات والمسؤولية المشتركة. وهي تعبير صادق عن التزام القيادة الهاشمية بخدمة المواطن، وتعزيز التنمية الشاملة، وصون الوحدة الوطنية، بما يضمن استمرار مسيرة الأردن بثبات وثقة نحو المستقبل