عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jan-2026

مفارقة ماتشادو..!*علاء الدين أبو زينة

 الغد

في مقابلة سابقة مع «رويترز»، أكدت المعارِضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو -الحائزة مؤخرا على جائزة نوبل للسلام- أهمية وجود تدخل أميركي ودولي متواصل للضغط على السلطة الفنزويلية لسحب الدعم عن ما وصفته بـ «النوايا الإجرامية» للنظام وقالت ماتشادو: «نحن نطالب المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، بممارسة ضغوط أوسع ضد النظام، لأن نظام مادورو لا يُمثّل تهديداً للنازحين فحسب، بل لأمن المنطقة ككل».
 
 
ثم، في لقاء إعلامي بعد العملية العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة ضد فنزويلا واختطفت خلالها الزعيم الفنزويلي وزوجته، قالت ماتشادو: «لقد رحّبتُ بالإجراء الأميركي المتعلق باعتقال مادورو، واعتبرته خطوة هائلة للبشرية، من أجل الحرية والكرامة الإنسانية». واعتبرت ما قامت به الولايات المتحدة عملًا داعمًا لحقوق الإنسان والتحرّر في فنزويلا. وقالت أيضًا: «بالنيابة عن الشعب الفنزويلي، نشكر الرئيس ترامب على رؤيته الشجاعة والإجراءات التاريخية التي اتخذها ضد هذا النظام العصابي».
كما هو واضح، تتماهى هذه المواقف تمامًا مع الإعلانات الأميركية المتكررة عن التدخل في الدول وإسقاط الأنظمة بوصفه عملًا أخلاقيًا يهدف إلى تحرير إرادات وموارد الشعوب. وقد استخدم الرئيس الأميركي هذا الخطاب نفسه في تبرير تدخل بلده في فنزويلا في العديد من التصريحات. وقال ترامب في حديث سياسي سابق عن الخيارات في فنزويلا: «فنزويلا ليست بعيدة جدًا، والشعب هناك يعاني ويموت… لدينا العديد من الخيارات لفنزويلا، بما في ذلك خيار عسكري محتمل إذا لزم الأمر».
ثم، بعد العملية العسكرية التي أدت إلى اعتقال مادورو، قال ترامب: «سنقوم بإدارة فنزويلا.. وسنجعل الشعب الفنزويلي مستقلًا وآمنًا». وأضاف في تصريح آخر: «سنقوم بتعويض الناس الذين تم استغلالهم.. نحن في حاجة إلى إعادة بناء كل بنيتهم التحتية». وأراد من هذه التصريحات تأكيد أن تدخل بلده مبرر لأنه يخدم مصلحة الشعب الفنزويلي الذي صوره على أنه ضحية للنظام.
مع ذلك، عندما تعلق الأمر بدعم تنصيب ماتشادو لتكون رئيسة لفنزويلا، عبّر ترامب عن موقف يفكك ادعاءاته نفسها بشأن مبررات تدخله في فنزويلا. وقال ترامب عن ماتشادو: « أعتقد أنه سيكون من الصعب جدا عليها أن تكون القائدة. إنها لا تحظى بالدعم أو الاحترام الكافي في البلاد. إنها امرأة لطيفة لكنها لا تتمتع بالاحترام». وما يعنيه هذا التصريح هو أن ترامب يدرك –حتى لو لم يعترف بذلك بوضوح– أن الشعوب تميل إلى رفض من يطلب تدخّل قوة أجنبية في بلده أو يقيم شرعيته على الولاء لها، خاصة إذا كانت قوة لها تاريخ طويل من التدخل الضار في أميركا اللاتينية -والعالم. وقد وضعت ماتشادو حين طالبت علنا بتدخل أميركي نفسها في موقع سيئ في نظر قطاعات واسعة من الفنزويليين. وفي الحقيقة، عارض كثير من المعارضين الفنزويليين اختطاف زعيم البلد –وبذلك رمزه- وعرضه على الشاشات بصورة مذلة لأن ذلك يعني إذلال البلد كله.
تُظهر مفارقة ماتشادو أن الولاء للولايات المتحدة ورضاها يتحولان في كثير من الأحيان إلى عبء على الشرعية الوطنية. فقد ارتبط اسم الولايات المتحدة في الذاكرة الجماعية للشعوب، تاريخيًا، بالتدخلات العسكرية، والانقلابات، ودعم أنظمة أو نخب لا تمثل الإرادة الشعبية. وحين يعرّف فاعل سياسي نفسه بمعيار قربه من الأميركان، فإنه يضع نفسه في موقف النظر إليه كتحقق لإرادة خارجية معروفة بازدرائها لمصالح وإرادة الشعوب.
أما إذا اقترن الولاء السياسي بطلب مباشر أو غير مباشر للتدخل الأميركي، فلا يعود النقاش محصورا في اختلاف البرامج أو الرؤى، وإنما يمس بجوهر الكرامة الوطنية. ولذلك، تميل حتى المجتمعات المنقسمة أو الساخطة على أنظمتها إلى رفض الذين يستدعون الخارج لإعادة تشكيل الداخل، باعتبار ذلك عجزًا منهم عن بناء شرعية ذاتية داخلية. ثمة فرق بين معارضة داخلية تسعى إلى التغيير من داخل البنية الاجتماعية، ومعارضة «مفوّضة خارجيًا» تستمد قوتها من الخارج بدلًا من الشارع، وهو فرق حاسم في تشكيل نظرة الجمهور عندما يتعلق الأمر بالثقة والاحترام.
الآن، تستخدم الولايات المتحدة الخطاب نفسه لتبرير تدخلاتها -أو تهديداتها بالتدخل- في إيران ولبنان، بالتركيز على قمع الأنظمة وأوضاع الشعوب. والكل يعرف أنها تتصرف بدافع تقويض أي قوى سياسية تعارض الهيمنة الأميركية أو تقف في مواجهة الكيان الصهيوني. وفي الحالة الإيرانية، تستدعي الولايات المتحدة ملف القمع لتبرير الضغط والتدخل بحجة حماية حقوق الإيرانيين، بينما تستهدف ما تراه تحديًا مباشرًا لمشروعها الذي يديره في المنطقة حليفها الصهيوني. وفي لبنان، يُعاد إنتاج الخطاب نفسه عن «إنقاذ الدولة» و»حماية الشعب»، بينما يستهدف الضغط الأميركي بنية سياسية معينة ترى فيها واشنطن عقبة أمام إعادة تشكيل التوازن الإقليمي لصالح الكيان. وفي هذه الحالات، وحالة فنزويلا، تتشابه النوايا والآليات: ثمة خطاب أخلاقي مُعلن، وأهداف استراتيجية مضمرة، ونخب محلية تراهن على الخارج فتخسر الداخل، بينما تعنوِن مصلحة الشعب» المشاريع العدوانية الرامية إلى تقويض الدول والكيانات التي لا تنسجم مع المصالح الأميركية.
في الحقيقة، لا يتعلق الأمر بوجود علاقة مع الولايات المتحدة في ذاته، وإنما يتصل طبيعة هذه العلاقة وصورتها. عندما تُبنى العلاقة على أساس التبعية السياسية أو الموافقة غير المشروطة على مشاريع واشنطن، فإنها تتحول إلى عامل تقويض للثقة الشعبية، ويرى فيها الناس انحيازًا لمصلحة آخرين عدوانيين بطبيعتهم على حساب المصلحة الوطنية. وكما تكشف مفارقة ماتشادو، فإن الشرعية لا تُستورد ولا تُمنح من الخارج، وإنما تُبنى داخليًا بالقدرة على التعبير عن التطلعات الحقيقية للشعوب والدفاع عن سيادته. وبحكم الحقائق المعروفة عن طبيعة السياسة الأميركية التخريبية في العالم، فإنه كلما بدا الفاعل السياسي أقرب إلى واشنطن من شعبه، اتسعت الفجوة بينه وبين القاعدة التي يفترض أنها تحمله السلطة أو تقبل بممارسته لها.