عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Apr-2026

"ترامب تراجع"

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جوش ناثان-كازيس – (جويش كرَنتس) 8/4/2026
توقفت الحرب الأميركية على إيران مساء الثلاثاء، 8 نيسان (أبريل) بطريقة تختلف كثيرا عمّا كان قد وعد بها في البداية قادة كلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل. الحكومة الإيرانية ما تزال قائمة، وجيشها ما يزال قادرًا على العمل، كما يبدو أنها ما تزال تمتلك مئات الباوندات من اليورانيوم عالي التخصيب. وتبدو إيران في موقع قوة نسبي، حيث يبدو إن أساس المفاوضات المزمع إجراؤها، بحسب الرئيس دونالد ترامب، هو مقترح إيراني تتضمن شروطه رفع جميع العقوبات المفروضة على البلاد، ومنح إيران سيطرة دائمة على مضيق هرمز. (ادّعى مسؤول مجهول في البيت الأبيض لصحيفة "نيويورك تايمز" يوم الأربعاء، 9 نيسان (أبريل) بأن الشروط التي كان ترامب يشير إليها تعود إلى مقترح إيراني آخر غير محدد).
 
 
ومن جهتها، بدت القيادة الإسرائيلية في حالة ارتباك. كان بنيامين نتنياهو قد ساعد في دفع البيت الأبيض نحو بدء هذه الحرب، ولكن يبدو أنه لم يكن في أي مكان قريب من الاتفاق الذي أنهى القتال. وقد أوقفت إسرائيل هجماتها على إيران، لكنها واصلت قصف لبنان، حيث أدت التوغلات العسكرية الإسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة إلى نزوح أكثر من مليون شخص من الجنوب اللبناني. وفي وقت متأخر من يوم الأربعاء، 9 نيسان (أبريل)، أفادت تقارير بأن إيران أغلقت مضيق هرمز ردًا على الضربات الإسرائيلية في لبنان، وأصبح وضع وقف إطلاق النار أكثر غموضًا في ظل اتهامات مسؤولين إيرانيين لكلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل بارتكاب انتهاكات، من بينها استمرار الهجمات الإسرائيلية.
لفهم وقف إطلاق النار المتأرجح وما يعنيه لكلٍّ من الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، تحدثت مجلة "تيارات يهودية" في وقت مبكر من صباح الأربعاء مع تريتا بارسي Trita Parsi، وهو خبير في الشأن الإيراني يشغل منصب نائب الرئيس التنفيذي في "معهد كوينسي للحكم المسؤول"، والرئيس السابق لـ"المجلس الوطني الإيراني الأميركي. وقد خضع الحوار للتحرير من أجل الطول الطول والأسلوب. وفي ما يلي نص الحوار:
                         *   *   *
جوش ناثان-كازيس: نشر ترامب تهديدات جامحة يوم الثلاثاء، 9 نيسان (أبريل) قال فيها أن "حضارة كاملة ستموت الليلة". ثم، في وقت متأخر من ذلك اليوم، أعلن وقف إطلاق النار. كيف تفسّر هذا التسلسل للأحداث؟
تريتا بارسي: يمكنك أن تعود إلى صباح الثلاثاء وتنظر إلى التغريدة التي كتبتُها في ذلك الحين، حيث قلت إن هناك احتمالًا بأن ترامب يطلق هذه التهديدات الصاخبة تحديدًا لأنه على وشك التراجع، ولذلك كان في حاجة إلى بناء سردية تُغطي على هذه الحقيقة. من خلال إطلاق هذه التهديدات، يريد أن يترك انطباعا بأن الإيرانيين هم الذين تراجعوا لأنهم كانوا خائفين. لكنك عندما تُمعن النظر قليلًا في ما تم الاتفاق عليه فعليًا، أعتقد أنه يتضح تمامًا ما حدث بالضبط: كان ترامب هو من تراجع.
 
كازيس:  كانت إحدى النقاط في قائمة مطالب إيران هي وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله" في لبنان. وحتى صباح هذا اليوم، الأربعاء، ما تزال إسرائيل تقصف لبنان. هل تمتلك الولايات المتحدة النفوذ الكافي لإجبار إسرائيل على الامتثال؟
 
بارسي: أعتقد أن الإيرانيين يطرحون هذا المطلب ويدفعون به، جزئيًا لأنهم يريدون الإشارة إلى تضامنهم مع شعبي غزة ولبنان، ولكن أيضًا لأنهم يعتقدون أنه إذا ما واصل الإسرائيليون قصف غزة ولبنان، فهناك احتمال بأن يتدحرج ذلك إلى حرب أخرى بين إسرائيل وإيران أيضًا. ولذلك، فإن معالجة هذا الترابط هي، من وجهة نظرهم، أمر مهم. وأنا أعتقد فعلًا أن لدى الولايات المتحدة القدرة على كبح جماح الإسرائيليين. لكن السؤال هو: هل الرئيس مستعد لدفع الثمن السياسي لفعل ذلك؟
كازيس: لقد شهدنا خلال اليومين الماضيين العديد من التقارير التي تفيد بأن الإسرائيليين كانوا منخرطين بقوة في قرار بدء هذه الحرب. ولكن يبدو أن هذا الوقف لإطلاق النار تم من وراء ظهورهم.
 
بارسي: لم يكن من الممكن التوصل إلى أي اتفاق يكون الإسرائيليون مشاركين فيه، ببساطة لأنهم يعارضون بشدة أي نوع من وقف إطلاق النار؛ وهم الآن عاكفون على محاولة العثور على طريقة لتقويضه. والطريقة الوحيدة لنجاح هذا المسعى هي أن تقوم الولايات المتحدة بإبرام اتفاقها الخاص، ثم تضغط على إسرائيل لكي تقبل به.
 
كازيس: ولكن إذا لم يكن الإسرائيليون على متن العربة في هذا الاتفاق، ما هي فرص بقاء وقف إطلاق النار قائمًا؟ وما الذي يمنع إسرائيل من استئناف الأعمال العدائية ضد إيران وفق شروطها الخاصة؟
 
بارسي: إنهم يفعلون ذلك الآن مسبقًا: إننا نشهد قصفًا إسرائيليًا كثيفًا لبيروت خلال الساعات القليلة الماضية فقط. إن ما تحاول إسرائيل أن تفعله هو أن تكون دولة مستقلة تتصرف بمفردها ولا تتلقى أوامر من الولايات المتحدة، بينما تعتمد في الوقت نفسه اعتمادًا كاملًا وشاملًا على الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري الأميركي. لكن إسرائيل لا يمكنها الجمع بين الأمرين، وعلى الولايات المتحدة أن تتخذ قرارًا: هل تكون إسرائيل هي التي تقرر ما إذا كانت الولايات المتحدة ستلتزم بوقف إطلاق النار، أم أن أميركا هي التي تقرر؟ إذا لم تكن الولايات المتحدة قادرة على كبح جماح الإسرائيليين -أو غير راغبة في ذلك- فإن أي اتفاق معها يفقد الكثير من قيمته. سوف تتكرر الحرب وتعود إلى الاشتعال عند نقطة ما، وهو ما يعني أن مثل هذه الهدن لا ينبغي استخدامها إلا لإعادة التسلح بأقصى قدر ممكن والاستعداد للحرب التالية. وسوف يختلف كثيرًا عن السلام الحقيقي؛ لن يكون سوى مجرد توقّف مؤقت.
 
كازيس: صحيح. ما الذي يمنع حدوث دورة من الصراعات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران كل ستة أشهر؟
 
بارسي: هذه الدورة هي ما تفضّله إسرائيل. هذه هي الطريقة التي تتعامل بها إسرائيل مع لبنان، والتي تتعامل بها مع غزة، وهكذا تعاملت في السابق مع سورية. لكنّ هذه ليست الطريقة التي تتصرف بها الولايات المتحدة. جزء من السبب في أن رؤساء آخرين لم يوافقوا على خوض حرب مع إيران هو أن جميع الخطط كانت تُظهر أن هذه هي النتيجة النهائية: حرب دائمة.
وهذا ليس شيئًا جذابًا بشكل خاص للولايات المتحدة. لقد ارتكب دونالد ترامب الخطأ المتمثل في قبول هذا المسار. والآن سحب نفسه منه، والسؤال هو: هل سيقوم بتثبيت هذا القرار ويتمسك به أم أنه سيتراجع أمام الإسرائيليين بحيث يفتح الباب أمام "حرب أبدية" -وهي بالضبط نفس الشيء الذي قال ترامب أنه لن يفعله أبدًا؟
كازيس: كتب الرئيس ترامب أن مقترح إيران المؤلف من عشر نقاط لوقف إطلاق النار -الذي يطالب، من بين أمور أخرى، بإنهاء العقوبات ومنح إيران سيطرة دائمة على مضيق هرمز- يشكل "أساسًا عمليًا للتفاوض". ما الذي يعنيه أن هذه الخطة الإيرانية يبدو أنها ستكون نقطة الانطلاق للمفاوضات؟ ومن هو الذي يسيطر على مضيق هرمز؟
 
بارسي: هذا أمر أساسي لفهم من الذي تراجع ومن لم يفعل: الإيرانيون ما يزالون يسيطرون على المضيق. وهم الذين يقررون من يمر ومن لا يمر، وما يزالون يفرضون رسومًا تتراوح بين مليون ومليوني دولار لكل ناقلة، ليتم تقاسم مع سلطنة عُمان. وقد قبلت الولايات المتحدة بشكل أساسي بهذا كجزء من وقف إطلاق النار.
كانت لدى الولايات المتحدة خطة تكونت من 15 نقطة، وكانت في جوهرها قائمة من الشروط لخضوع واستسلام إيران. وتشكل حقيقة أن الخطة الإيرانية هي الإطار الذي تُبنى عليه المفاوضات انتصارًا دبلوماسيًا كبيرًا للإيرانيين. إن تخفيف العقوبات هو شيء حاسم بالنسبة لإيران. لقد تكبّدت ما قد يعادل تريليون دولار من الأضرار نتيجة هذه الحرب. وهي في حاجة إلى استثمارات من أجل إعادة البناء. وإذا لم تحصل على رفع للعقوبات، وإذا بقيت في حالة من الضعف المستمر، فإن ذلك -من وجهة نظرها- لن يؤدي إلا إلى استدعاء لهجوم إسرائيلي أو أميركي آخر. لذلك، أعتقد أنهم سيفاوضون بشدة كبيرة حول مسألة رفع العقوبات.
كازيس: يقوم ترامب بنشر تعليقات يقول فيها إن إيران شهدت "تغيير نظام مثمرًا جدًا". ما الذي تفهمه من هذا الادعاء؟
 
بارسي:  ترامب في حاجة ماسّة إلى سردية نجاح يخبر بها قاعدته بأنه حقق شيئًا ما. إنه يتشبث بالقش. الكثير (مما يفعله البيت الأبيض) يتعلق بإحصاء مقدار ما تم تدميره في إيران. أما إذا كان ذلك يرقى إلى أن يشكل نجاحًا استراتيجيًا أم لا، فيعتمد على زاوية النظر. من المنظور الإسرائيلي القائم على فكرة "جزّ العشب"، نعم، هذا جزء من مقياس النجاح: إذا دمّرتَ الكثير في هذه الجولة، فإن الأمر قد يتطلب أكثر من ستة أشهر قبل أن تضطر للعودة إلى القتال مجددًا.
أما تغيير النظام، فيتعلق أكثر بإحداث تغيير مستدام، ولذلك ليس مستغربًا أن يرغب ترامب في ادعاء تحقيقه. لكن الواقع أن التغيير داخل النظام الإيراني كان في الاتجاه المعاكس لما كان ينبغي أن تريده الولايات المتحدة. إننا نشهد الآن نظامًا ثيوقراطيًا إيرانيًا أكثر تشددًا، وربما سيكون أكثر قمعًا، وقد أظهر بالفعل استعدادًا لأن يكون أكثر عدوانية بكثير في المنطقة. ثمة جيل جديد من القادة يصل إلى السلطة بعد أن اغتالت إسرائيل أسلافهم، ورؤيتهم تقوم على أن الطريقة الوحيدة لمنع تعرّض إيران لمثل هذه الهجمات هي الرد بقوة شديدة، شديدة حقًا.
لبعض الوقت، تلقت إيران ضربات كثيرة من إسرائيل من دون أن ترد، وعندما ردت، كانت تميل إلى أن يكون ردها رمزيًا إلى حدّ كبير. والآن، ينتقد صانعو القرار الجدد في إيران هذا النهج بشدة. وهم يعتقدون أن هذا كان أحد أسباب تعرّض إيران للهجوم، لأنها خلقت انطباعًا بأنها أضعف بكثير مما هي عليه. وهم يعملون بقوة على تغيير هذا التصور.
*جوش ناثان-كازيسJosh Nathan-Kazis: صحفي أميركي يشغل منصب مدير الأخبار في مجلة "تيارات يهودية" Jewish Currents، ويُعرف بتغطيته للشؤون السياسية واليهودية الأميركية. عمل سابقًا ككاتب أول في نشرة "بارونز" Barron's، حيث ركّز على قطاع الرعاية الصحية والشركات المرتبطة به، كما كان كاتبًا في نشرة "ذا فوروارد" The Forward، حيث تناول قضايا المؤسسات اليهودية في الولايات المتحدة وحقق في شؤونها. تجمع أعماله بين الصحافة التحليلية والتغطية الاستقصائية، مع اهتمام خاص بتقاطعات السياسة والاقتصاد والهوية في السياق الأميركي.
*نشر هذا الحوار تحت عنوان: “Trump Caved”