البرغوثي يؤكد أن ما يقارب 50 % من مساحة الضفة الغربية بقبضة الاحتلال
الغد-نادية سعد الدين
أدت الأنشطة الاستيطانية الزخمة في الفترة الأخيرة إلى استيلاء الاحتلال فعليا على نحو 50 % من مساحة الضفة الغربية وزيادة عدد المستوطنين لأكثر من 800 ألف مستوطن، مُرشحين للزيادة في المرحلة المقبلة حتى يصلوا إلى نحو "المليون" إزاء مخطط تكثيف إجراءات التهجير القسري عبر الهدم والطرد ومصادرة الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وعلى وقع ما يزيد على 400 بؤرة استيطانية تُمزق أوصال الضفة الغربية؛ تشهد المدن والمخيمات والقرى الفلسطينية تصعيدا عسكريا صهيونيا غير مسبوق، حيث طالت الاقتحامات الواسعة مخيم قلنديا وحي كفر عقب وبلدة الرام شمال مدينة القدس المحتلة، فيما عمدت قوات الاحتلال لتحويل عدد من منازل الفلسطينيين إلى ثكنات عسكرية ونقاط مراقبة.
وبالتزامن مع التحركات العسكرية، صعد المستوطنون من هجماتهم الممنهجة ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم، حيث أطلقوا الرصاص الحي صوبهم في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية، في إطار مناخ من التحريض الرسمي الذي توفره حكومة اليمين المتطرف، مما يفاقم الأوضاع الأمنية والإنسانية في المنطقة.
ووصف الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، مصطفى البرغوثي، ما يحدث بأنه حالة "استباحة كاملة" بدأت وتيرتها بالتصاعد الحاد منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023.
وأكد البرغوثي، في تصريح أمس، أن الاحتلال يعمل وفق مخطط إستراتيجي يهدف إلى السيطرة المطلقة على الأرض الفلسطينية المحتلة، مشيرا إلى الاستيلاء بالفعل على نحو 50 % من مساحة الضفة الغربية عبر المصادرة والقوة.
وتهدف سياسة الاحتلال، وفق مراقبين، إلى جعل قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة أمرا مستحيلا، من خلال تنفيذ خطة "ضم" الضفة الغربية وفرض واقع أمني جديد في قطاع غزة، حيث تسعى الحكومة المتطرفة لاستغلال الانشغال الدولي لتمرير تشريعات تكرس السيطرة الدائمة على الأراضي المحتلة وتغير الواقع الديموغرافي فيها.
وأفادت تقارير فلسطينية بكثافة عمليات "التطهير العرقي" الجارية في مخيمات طولكرم ونور شمس وجنين وقلنديا، حيث تم إخلاء أجزاء واسعة منها وتدمير البنية التحتية والمنازل، إلا أن الفلسطينيين يبدون صمودا أسطوريا في مواجهة مخططات التهجير القسري، رغم التهديدات المباشرة ومنع العودة تحت طائلة إطلاق النار.
ورغم التحولات الوازنة التي برزت في مواقف بعض الدول الأوروبية مثل إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا، التي بدأت تطالب بجدية بإلغاء اتفاقية الشراكة مع الكيان المُحتل بسبب انتهاكاته المستمرة، فإن قوى كبرى داخل الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا وإيطاليا ما تزال تعارض اتخاذ إجراءات عقابية ملموسة، مما يعيق الوصول إلى ردع دولي حقيقي.
ومن الواضح، وفق مراقبين، أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي يواجه ملاحقات من المحكمة الجنائية الدولية، يراهن بشكل أساسي على الدعم الأميركي المطلق، بينما يستخدم الضغوط الأوروبية كأداة سياسية داخلية ليظهر بمظهر القائد الذي يتصدى للإملاءات الخارجية حماية للمشروع الصهيوني الاستيطاني.
ومن داخل عُقر الكيان المُحتل نفسه، برزت انتقادات حادة لانتهاكات المستوطنين في الضفة الغربية، التي وصفها المحلل العسكري "الإسرائيلي" البارز "رون بن يشاي" بعمليات منهجية تهدف إلى "تنظيف" الأرض من الوجود الفلسطيني وضمها فعليا برعاية حكومية كاملة، وذلك في تقرير يحمل عنوان "تطهير عرقي صهيوني"، نشره في صحيفة "يديعوت أحرونوت".
وجاء تقرير "بن يشاي" عقب جولة ميدانية قام بها برفقة أربعة جنرالات سابقين ورئيس سابق لجهاز "الشاباك" في مناطق الأغوار وطريق "ألون" بالضفة الغربية، لرصد "الإرهاب اليهودي" المتصاعد ضد التجمعات الرعوية والبدوية الفلسطينية.
وأشار "بن يشاي" إلى اعتداءات المستوطنين داخل مخيمات الفلسطينيين، تحت حماية قوات الاحتلال التي إما تقف موقف المتفرج أو تتماهى أيديولوجيا، معتبرا أن ما يجري هو "تطهير عرقي" برعاية حكومة الاحتلال. ولفت في تقريره إلى إستراتيجية خنق التجمعات الفلسطينية اقتصاديا وميدانيا؛ حيث تُقام بؤر استيطانية "رعوية" على مسافة مئات الأمتار من القرى الفلسطينية، ويتم تزويدها بالدعم المالي واللوجستي وتخصيص ميزانية حكومية كبيرة بدفع وزراء متطرفين في حكومة الاحتلال، وعلى رأسهم "بتسلئيل سموتريتش" و"إيتمار بن غفير".
وأكد "بن يشاي" أن هذه العمليات تُمثل تطبيقا دقيقا لـ "خطة الحسم" التي وضعها "سموتريتش" عام 2017، والتي تهدف إلى حشر الفلسطينيين في جيوب صغيرة ومعزولة حول المدن الكبرى، مقابل السيطرة الكاملة على مساحات شاسعة من الأراضي والمراعي الفلسطينية عبر الأسلاك الشائكة واقتلاع مئات أشجار الزيتون.
ورأى في ختام مقاله أن نجاح هذه المخططات سيقود الكيان المُحتل إلى واقع الدولة ثنائية القومية، معتبرا أن الصمت الحكومي والتشجيع الوزاري لهذه العصابات يشكل تهديدا وجوديا لمستقبل سلطات الاحتلال ومكانتها الدولية، وفق مزاعمه.