الغد-عزيزة علي
رأى مشاركون في حفل توقيع رواية "موارس البركة"، للروائي محمد أزوقه، أنها تعد سيرة تاريخية وشخصية مهمة، تسلط الضوء على جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في عمان، وتستحق الاهتمام من الناحية الروائية والنقدية والإبداعية، مؤكدين الدور الذي لعبه أزوقة في توثيق التفاصيل الدقيقة التي تشكل جزءًا مهمًا من السردية الأردنية المعاصرة.
جاء ذلك في حفل توقيع للرواية الذي اقيم أول من أمس في مقر المكتبة الوطنية، وشارك الحفل الذي أدارته الكاتبة اعتماد سرسك، وقدمت فيه الدكتورة دلال عنبتاوي قراءة نقدية للرواية.
تتميز الرواية الصادرة عن دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، بدمج السيرة الذاتية مع الرواية، متبعة خطًا زمنيًا واحدًا منذ الطفولة وحتى الحاضر، مع اهتمام خاص بوصف مدينة عمان وأزقتها وبيوتها وطبيعتها، إلى جانب تصوير الشخصيات التي صادفها الروائي في حياته. كما وظف الكاتب الفكاهة لتخفيف صرامة السرد وكشف جوانب من شخصية قيس، مما أضفى بعدًا جماليًا إضافيًا على العمل.
قالت الدكتورة دلال عنبتاوي إن غلاف وعنوان الرواية يحيلاننا إلى زمن مضى، أيام كانت الأرض كلها موارس، بلا بنايات أو منشآت أو طرق معبدة، قبل ظهور الأبراج الزجاجية والشامخة. ومعروف أن كلمة "موارس" جمع لكلمة "مارس"، التي تعني قطعة أرض ممتدة أو مستطيلة، ولها عدة دلالات أخرى.
وجاءت كلمة "الموارس" متبوعة بكلمة "البركة"، التي تعكس الخير والعطاء الوفير، لتؤكد على الصلة بين المكان والزمان، بين الرواية والسيرة، بطريقة تعكس ذاك الزمن بخصوصيته.
ورأت عنبتاوي أن الرواية والسيرة الذاتية هما شكلان يمثلان قطبين لجنس أدبي مترامي الأطراف، يجمع بين الآثار المنضوية فيهما لأنها تتخذ من حياة إنسان موضوعاً لها. مبينة أن أزوقة عمد في روايته هذه إلى كتابة الذكريات عبر توظيف السيرة الذاتية ودمجها مع الرواية بأسلوب تقني خاص به ككاتب وكروائي متميز.
وأضافت عنبتاوي أن هذه ليست الرواية الأولى لأزوقة، فقد سبقها ست روايات، لكنها تختلف تمامًا عن أعماله السابقة، لأنها كتابة شخصية تميل للسيرة والذكريات، وتتبع خطًا زمنيًا واحدًا يمثل مسار حياته منذ الطفولة وحتى اللحظة الراهنة.
وأوضحت عنبتاوي أن الروائي كتب روايته مدفوعًا بحنين العودة إلى زمن مضى في المكان والزمان، متعمّدًا الانغماس فيهما حتى التماهي، بحيث يشعر القارئ وكأنه يعيش الزمان والمكان والأشخاص والأحداث. تبدأ الرحلة من بيت العائلة، مرورًا بشوارع وأزقة عمان الصغيرة، ثم تمتد إلى عوالم عديدة عاشها الكاتب وعايشها.
ثم تحدثت عنبتاوي عن وصف الأمكنة، الذي ارتبط في هذه الرواية أولًا بعمان، المدينة التي بدأت صغيرة ثم كبرت وتوسعت. فقد اهتم ازوقة بوصف عوالمها وملامحها المتعددة، من الواقعي إلى الخيالي، مُظهرًا كائناتها وعاداتها وأصواتها وروائحها وذكرياته الطفولية. ولعبت لغة الكاتب وصياغته الفنية دورًا مهمًا في إبراز تفاصيل الحياة اليومية.
واضافت: تُظهر الرواية انحياز الروائي لعمان وعوالمها، فقد خصص أكثر من ثلث النص لرصد أسماء شوارعها وأزقتها وبيوتها، موضحًا طبيعتها وأرضها. يقول الراوي في الصفحة 10، واصفًا دخلة عريضة تنتهي بثلاثة أزقة: "الأول على اليمين يعود إلى شارع بسمان من خلف سوق البخارية والبلابسة. الثاني في الوسط يصعد إلى جبل عمان.
أما الثالث يسارًا، فهو إلى حارة الحاج نعمان والد عمر، التي تضم سبعة بيوت على الطراز الدمشقي التقليدي، لكل بيت ساحته السماوية، ومطبخ وحمام منفصلين عن غرف البيت الثلاثة وغرفة الضيوف. وكانت جدران الأبنية مشيدة من حجارة ضخمة سرقها الشراكسة من ساحة المدرج الروماني أيام شباب الحاج نعمان".
وينتقل الراوي إلى وصف الطبيعة، الذي احتل مساحة كبيرة من الرواية. يُظهر حب الشخصيات للطبيعة بكل تفاصيلها، كما في الصفحة 43، حين يصف قيس وهو يتأمل الحشائش المبتلة بالندى، الفراشات والديدان، وشجرات اللوز والتفاح المزدهرة بالبراعم والأزهار.
وظف ازوقة الوصف لجميع مظاهر الحياة التي عاشها في عمان، من البشر والطبيعة والطير والحجر، ليجعل القارئ يعيش تفاصيل المدينة منذ طفولته وحتى محيطها الخارجي.
وأشارت إلى أن الروائي اعتمد في رواية "موارس البركة"، على توظيف الفكاهة لعدة أسباب، منها كسر رتابة السرد ودفع القارئ لمتابعة الأحداث بشغف، إضافةً إلى الكشف عن جانب مهم من شخصية قيس، وهو ميله للنكتة والفكاهة ورغبته في الخروج من صرامة السيرة التقليدية.
وخلصت عنبتاوي إلى أن هذه السيرة تعد قراءة ضرورية، إذ تمثل سردًا تاريخيًا وشخصيًا مهمًا لعمان في بداية هذا القرن، سواء على الصعيد الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي. إنها جزء مهم من السردية الأردنية، وتستحق الاهتمام من الناحية الروائية والنقدية والإبداعية.
يقول الروائي في تقديمه للرواية: "يُقال عن من وُلد لأسرة ثرية إنه وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب. وربما ينطبق هذا على بعض من أعرفهم من أبناء جيلي وأصدقائي. أما أنا، فقد ولدت وسط قطعة من الفردوس: بستان هائل يمتد من مستشفى ملحس غربًا حتى سور مدرسة المطران شرقًا، ويحده بيت الدكتور سوران أتمزيان وبيت آل أبده جنوبًا، حتى شارع جبل عمان الرئيس شمالًا. عالم متغير الفصول مليء بأشجار الفاكهة والحبوب المزروعة موسميًا، وأزهار وأعشاب ونباتات وحيوانات ودواجن."
وأضاف؛ "نشأت فيه مقتنعًا بأن هذا هو الكون، ولم يمتد خيالي الطفولي خلف حدود ذلك البستان إلا نادرًا، حين تصحبني أمي لزيارة أخوالي في صويلح، أو يأخذني والدي لزيارة عمتي في وسط البلد".