عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Jan-2026

"قضاء جنين تحت الانتداب البريطاني".. قراءة موثقة لتاريخ فلسطين

 الغد-عزيزة علي

 يقدم الدكتور محمد فايز علي الفايز في كتابه "قضاء جنين تحت الانتداب البريطاني (1920–1948)" قراءة علمية موثقة لمرحلة مفصلية من تاريخ فلسطين، مسلطًا الضوء على قضاء جنين كنموذج يعكس طبيعة السياسات البريطانية وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مستندًا إلى مصادر أرشيفية ووثائق تاريخية أصيلة، ومنهجية أكاديمية تجمع بين التحليل والتفسير.
 
 
ويأتي هذا الكتاب، الصادر عن دار أمجد للنشر والتوزيع وبدعم من وزارة الثقافة، لتوضيح تاريخ فلسطين خلال الانتداب البريطاني، إحدى أكثر المراحل حساسية وتعقيدًا في مسارها السياسي والاجتماعي، نظرًا للتحولات العميقة التي شهدتها والتي ما زالت آثارها ماثلة حتى اليوم.
يشير محمد فايز إلى أنّ هذه الدراسة تهدف إلى تسليط الضوء على سياسة الانتداب البريطاني في قضاء جنين منذ الاحتلال العسكري عام 1917م وحتى عام 1948م، ودورها في تسهيل الهجرة اليهودية، ما أدى إلى تضاعف أعداد المهاجرين اليهود في فلسطين عامةً وفي قضاء جنين على وجه الخصوص.
وتبيّن الدراسة كيف أسهمت قوانين الأراضي التي سنتها حكومة الانتداب في تمكين اليهود من الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية. إضافة إلى ذلك، تتناول الدراسة السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي انتهجتها حكومة الانتداب تجاه سكان قضاء جنين.
تقع الدراسة في إطار نظري وخمسة فصول، تليها خاتمة وقائمة بالمصادر والمراجع.
ويتناول الفصل الأول الجغرافيا الطبيعية والبشرية لقضاء جنين في فترة الانتداب البريطاني، فيما خُصص الفصل الثاني لدراسة القرى العربية والمستوطنات اليهودية في القضاء. أما الفصل الثالث فيعرض الأوضاع الاجتماعية، في حين يعالج الفصل الرابع الأوضاع الاقتصادية. ويختتم الفصل الخامس الدراسة بتناول الأوضاع الإدارية والسياسية في قضاء جنين خلال فترة الانتداب البريطاني.
ويقول المؤلف إنه اعتمد في هذه الدراسة على مصادر متعددة ومتنوعة، على رأسها وثائق الأرشيف العثماني باللغة التركية، إلى جانب عدد كبير من المصادر العربية والعثمانية، والدراسات العربية والمعرَّبة الحديثة، فضلًا عن الكتب الأجنبية.
أما المنهج فهو: المنهج التاريخي الوصفي القائم على تتبّع المعلومات وسرد الوقائع، ثم تحليلها ونقدها ومقارنتها بالواقع. وبما أن الدراسة اعتمدت على بيانات رقمية، لا سيما المتعلقة بأعداد الطلبة والمدارس، فقد تم توظيف المنهج الكمي الإحصائي لتحليل هذه البيانات واستخلاص دلالاتها.
واستعان الفايز بالمنهج الاستقرائي في تحليل عدد من الظواهر التي أثّرت في أساليب جباية الضرائب والرسوم، بهدف تقييمها بصفة عامة، إضافة إلى استقراء الوثائق والسجلات الرسمية الصادرة في تلك الحقبة وتحليلها، وصولًا إلى نتائج وحقائق ذات صلة بموضوع الدراسة.
في خاتمة الدراسة، خلص المؤلف إلى عدة نتائج، أبرزها أن الإدارة العسكرية البريطانية في قضاء جنين انتهجت سياسة منحازة للحركة الصهيونية، حيث تعمّدت القيادة العسكرية العليا تشديد قبضتها على القضاء نظرًا لأهميته الإستراتيجية، دون الحفاظ على الأوضاع القائمة في فلسطين قبل الحرب العالمية الأولى، إلى أن تم تقرير مصيرها السياسي، وهو ما جاء مخالفًا للقواعد الدولية المعمول بها في إدارة المناطق المحتلة.
وسعت هذه الإدارة، منذ وقت مبكر، إلى تهيئة قضاء جنين ليكون جزءًا من الوطن القومي اليهودي بصورة تدريجية، أسوة ببقية مناطق فلسطين، متجاهلةً حقوق الغالبية الساحقة من السكان العرب. وقد أقرّ بعض القادة العسكريين البريطانيين بانتهاك الحكومة البريطانية لقواعد القانون العسكري منذ احتلالها فلسطين، واتباعها سياسة محابية للصهاينة بشكل واضح. ومن بين هؤلاء القادة الجنرالات: بولز، وواطسون، وموني، الذين أشاروا في تقاريرهم إلى الإسراف في هذا الانحياز الصريح للحركة الصهيونية.
عُدَّ المندوب السامي البريطاني المسؤولَ الأول أمام وزير المستوطنات البريطاني والحاكم الأعلى في فلسطين خلال الأعوام (1920–1948م)، عقب بسط الإدارة البريطانية سيطرتها على فلسطين، وسعيها الحثيث لتحقيق الهدف الرئيس للحركة الصهيونية، والمتمثل في إقامة وطن قومي لليهود.
وقد أفضت السياسات البريطانية إلى وضع البلاد في حالة سياسية وإدارية واقتصادية متردية، أسهمت في تحقيق هذا الهدف، من خلال إسناد المناصب الإدارية العليا إلى متطرفي الحركة الصهيونية، وسنّ التشريعات والأنظمة والقوانين التي سهّلت قيام هذا الوطن.
كما عززت الإدارة البريطانية ذلك بنقل الإشراف على جميع مناطق فلسطين، بما فيها قضاء جنين، إلى وزارة الخارجية البريطانية، التي عملت على تنفيذ البرنامج الصهيوني في ظل رقابة إدارية وعسكرية صارمة.
وسنّت سلطات الاحتلال البريطاني مجموعة من القوانين والأنظمة الخاصة بالأراضي، هدفت إلى تسهيل نقل ملكية الأراضي رسميًا إلى اليهود، في ظل حصر عملية الشراء بهم بوصفهم المشترين شبه الوحيدين. وسهّلت عملية الهجرة اليهودية إلى فلسطين خلال مرحلتي الإدارة العسكرية والإدارة المدنية، وسمحت بدخول أكبر عدد ممكن من اليهود إلى البلاد بمختلف الوسائل والطرائق.
تُعزى أسباب الانتفاضات والثورات التي اندلعت في فلسطين إلى حملات الهجرة اليهودية المنظَّمة، وما رافقها من أوضاع اجتماعية واقتصادية وإدارية متردية. ويُلاحظ في هذه الانتفاضات والثورات تضامن المسلمين والمسيحيين في مواجهة اليهود والسلطات البريطانية في آنٍ واحد، إلى جانب انحياز الجنود البريطانيين إلى جانب اليهود.
وتؤكد الدراسة أن المأساة في فلسطين عمومًا، وفي قضاء جنين على وجه الخصوص، لم تقتصر على تسهيل سلطات الاحتلال البريطانية انتقال ملكية الأراضي العربية إلى اليهود ومنحهم أراضي الدولة، بل تجاوزت ذلك إلى تشجيع ما عُرف بالهجرة غير الشرعية، التي مكّنت عشرات الآلاف من اليهود من دخول فلسطين. وقد أثارت هذه السياسات البريطانية المنحازة استياءً واسعًا في صفوف العرب، تجلّى في الاحتجاجات والانتفاضات والثورات.
تؤكد الدراسة وجود تخطيط بريطاني مسبق لتهويد فلسطين، تجلّى في صكّ الانتداب، ولا سيما في مواده الثانية والثالثة والرابعة والسادسة والسابعة والحادية عشرة والثانية والعشرين، التي سخّرت مقدّرات فلسطين لخدمة المشروع الصهيوني، وهيّأت الأوضاع السياسية والإدارية والاقتصادية لإنشاء وطن قومي لليهود.
ومنحت هذه السياسات الوكالةَ اليهودية دور المستشار للحكومة البريطانية، وأقرت منح اليهود الجنسية الفلسطينية، واستغلال الموارد الطبيعية بما يخدم مصالحهم، وتشجيع الاستيطان، واعتبار اللغة العبرية لغة رسمية في فلسطين.
وقد نصّ وعد بلفور وصكّ الانتداب على الاعتراف بالمنظمة الصهيونية شريكًا في إدارة البلاد، الأمر الذي أفضى إلى نشوء بنية حكم ذات طابع صهيوني تحت غطاء الانتداب البريطاني. وما إن وُضع صكّ الانتداب موضع التنفيذ عام 1923م، حتى كانت السياسة البريطانية قد حسمت وجهتها والتزمت بتنفيذ تعهداتها تجاه الحركة الصهيونية.
تُظهر الدراسة تماسك الموقف العربي في فلسطين إزاء السياسة البريطانية–الصهيونية، رغم محاولات سلطات الاحتلال إحداث شرخ في وحدة الجبهة الداخلية العربية، عبر اتباع سياسة التمييز بين الريف والمدينة، وبين الفلاحين وسكان المدن، وبين قيادات الحركة الوطنية، بهدف إثارة الفتن وشق الصف. غير أنّ هذه المحاولات لم تُفلح في إضعاف الجماهير الفلسطينية، التي حافظت على قدرٍ عام من التضامن والوحدة.
تعمّدت سلطات الاحتلال البريطانية إغراق الأسواق الفلسطينية بالبضائع المستوردة، في محاولة لضرب الإنتاج الوطني العربي، وإحكام سيطرتها الاقتصادية والسياسية على البلاد، إلى جانب نهب خيرات فلسطين ومواردها.
اتسمت الثورات والمظاهرات والاحتجاجات في المدن الفلسطينية العربية بنهج موحّد، شمل مدنًا مثل جنين ونابلس وعكّا وطولكرم وغزة والخليل، إذ رفعت جميعها شعار العداء الصريح للسياسة البريطانية. وقد واجهت سلطات الاحتلال هذه التحركات بالقمع الشديد، مستخدمة الطائرات وقوات المشاة والمدرعات، فضلًا عمّا ألحقته من دمار ببعض القرى العربية في فلسطين.