عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Jan-2026

من النقد واللوم إلى الإساءة.. كيف نرسم حدودنا النفسية؟

  الغد- عند التعرض للانتقاد أو التقليل من المشاعر أو السخرية المتكررة، يلجأ معظم الناس إلى أحد أربعة ردود: المواجهة الحادة، الصمت والانغلاق، محاولة إرضاء الطرف الآخر، أو الانسحاب الكامل من الموقف.

 
 
هذه الردود قد تكون مفيدة في بعض الحالات، لكنها في حالات كثيرة تزيد التوتر وتعمق الخلاف، وقد تترك أثرا سلبيا طويل المدى على العلاقة وعلى نظرة الشخص إلى نفسه. أحيانا يكون التصعيد أو الانسحاب هو الخيار الأنسب، لكن المشكلة تظهر عندما يصبح ذلك هو الرد الوحيد، بغض النظر عن السياق أو النتائج.
في بعض السياقات قد تنجح هذه الأساليب، لكنها غالبا ما تؤدي إلى تصعيد الخلاف، وزيادة الشعور بالمرارة، أو إضعاف العلاقة واحترام الذات. المشكلة ليست في هذه الاستجابات بحد ذاتها، بل في اعتمادها تلقائيا من دون تمييز بين ما يحمينا فعلا وما يفاقم الأذى، وفقا لما نشر موقع "سيكولوجي توداي".
الأيكيدو اللفظي.. إضافة مهارات العلاج السلوكي الجدلي إلى أدواتك 
الأيكيدو اللفظي هو أسلوب تواصلي يعتمد على مهارات العلاج السلوكي الجدلي، ويهدف إلى التعامل مع الهجوم اللفظي بطريقة تقلل من حدته بدل زيادتها. الفكرة الأساسية ليست الانتصار في النقاش أو إسكات الطرف الآخر، بل منع الموقف من الخروج عن السيطرة. 
في أبسط صوره، يساعد هذا الأسلوب على إيقاف الهجوم. وفي حالات أخرى، قد يغير مسار الحوار بالكامل ويجعله أقل عدائية وأكثر قابلية للفهم.
كما أن الأيكيدو اللفظي هو أسلوب دفاعي مستوحى من فن الأيكيدو الياباني التقليدي، يستخدم لإدارة النزاعات والخلافات اللفظية بطريقة سلمية وفعالة، حيث يعامل "المهاجم" كزميل لا كخصم لإعادة التوازن في العلاقات وتوليد شعور إيجابي لدى الجميع. 
ويعتمد على خطوات أساسية تشمل تلقي الهجوم بابتسامة داخلية تعكس الثقة الهادئة، ثم الانتقال إلى "إيريمي" مرحلة الدخول اللفظي، يدخل مباشرة ويضطرب استقرار المهاجم، وأخيرا تقديم "آي كي" أو طاقة التوازن من خلال الكلمات والنبرة واللغة الجسدية. يطبق هذا النهج بشكل شائع في بيئات العمل، المدارس، والحياة اليومية لمواجهة التنمر أو الإساءات اللفظية من دون تصعيد التوتر، مما يحافظ على السلامة النفسية والعاطفية.
استعارة الأيكيدو.. من فن قتالي إلى تواصل إنساني 
يقوم فن الأيكيدو على عدم مواجهة القوة بالقوة، بل استخدام طاقة الخصم لتحييد الهجوم. عند تطبيق هذه الفكرة على التواصل، لا يتم الرد على الانتقاد بالإنكار أو الهجوم المضاد، بل باستقبال الكلام بهدوء ثم إعادة توجيهه. الهدف ليس كبت المشاعر أو التظاهر بعدم التأثر، بل منع التصعيد. هذا الأسلوب قد يوقف الهجوم عند حده، وفي بعض الحالات يفتح مساحة لحوار أكثر هدوءا.
مهارات العلاج السلوكي الجدلي المستخدمة في الأيكيدو اللفظي 
تشرح المعالجة النفسية ديانا بارتنغتون، الحاصلة على ترخيص مهني في الإرشاد النفسي (LPC)، ومؤلفة كتاب "العلاج السلوكي الجدلي للحياة: مهارات لتغيير طريقتك في العيش" (DBT for Life: Skills to Transform the Way You Live)، أن الأيكيدو اللفظي يعتمد على مجموعة مهارات عملية من العلاج السلوكي الجدلي، يمكن استخدامها في العلاقات الشخصية، وبيئة العمل، والمواقف اليومية التي يتكرر فيها الانتقاد أو التقليل من الشأن.
التحقق من أي حقيقة ممكنة أو احتمال أو مبدأ 
التحقق لا يعني الموافقة الكاملة أو الاعتراف بالخطأ، بل الإقرار بوجود جزء صحيح أو محتمل في كلام الطرف الآخر. إذا قال شخص مثلا: "أنت لا تستمع أبدا"، يمكن الرد بالإقرار بوجود مواقف لم يكن فيها الإصغاء كافيا. هذا الأسلوب لا يضعف الموقف، بل يخفف التوتر لأن الطرف الآخر يشعر بأن كلامه لم يهمل. مجرد الإقرار بجزء من الحقيقة يساعد على تهدئة الحوار وفتح مجال للنقاش بدل الصدام.
التحقق من مشاعر الطرف الآخر 
التحقق من المشاعر يعني الاعتراف بما يشعر به الطرف الآخر، من دون الحكم على مشاعره أو محاولة تصحيحها. عندما يقال لشخص ما إن إحباطه أو ألمه مفهوم، يشعر بأن تجربته معترف بها، ما يقلل حاجته إلى الاستمرار في الهجوم. هذا الأسلوب لا يعني أن السلوك مقبول، بل يعني أن المشاعر مسموعة، وهو فرق مهم في خفض التوتر.
إظهار الاهتمام وطرح الأسئلة بدافع الفهم
بدل الدفاع أو التبرير، يمكن إظهار اهتمام هادئ وطرح أسئلة تهدف إلى الفهم. طلب التوضيح أو السؤال عما أزعج الطرف الآخر تحديدا قد يقلل الشحنة الانفعالية المرتبطة بالانتقاد. في كثير من الحالات، يضعف الهجوم عندما يطلب من صاحبه شرحه بهدوء. وإذا كانت العلاقة مهمة، قد يساعد هذا الأسلوب على الوصول إلى فهم متبادل بدل الاستمرار في الخلاف.
التعبير عن المشاعر الشخصية
من المهم التعبير عن أثر الكلام المؤذي بطريقة واضحة وهادئة. التركيز هنا يكون على الشعور الشخصي، مثل الأذى أو الارتباك أو الضغط، بدل توجيه اللوم أو الاتهام. هذا النوع من التعبير يساعد الطرف الآخر على إدراك نتائج سلوكه، ويحافظ في الوقت نفسه على احترام الذات ومنع تراكم الغضب.
وضع حدود واضحة أو فرض قيود
عندما يتحول الانتقاد إلى تنمر متكرر أو إلغاء دائم للمشاعر، يصبح وضع الحدود أمرا ضروريا. الحدود يتم التعبير عنها بهدوء وحزم، مع توضيح ما هو غير مقبول وما الذي سيحدث إذا استمر السلوك. في كثير من الأحيان، يؤدي ذلك إلى إنهاء التفاعل لأن السلوك المؤذي يفقد هدفه أو تأثيره.
استخدام أسلوب سهل ولطيف
في بعض المواقف، يمكن لقدر بسيط من الخفة أو الدعابة غير الجارحة أن يخفف التوتر ويغير نبرة الحوار. المهم أن يكون الأسلوب خاليا من السخرية أو التقليل من شأن الطرف الآخر. عند استخدامه بحذر، قد يساعد هذا الأسلوب على تهدئة الجو من دون تجاهل جدية الموقف.
شل الهجوم أم تعميق الحوار
ليست كل المواقف قابلة للتحول إلى نقاش بناء. أحيانا يكون الهدف فقط إيقاف الهجوم. وفي علاقات أخرى، قد تفتح هذه المهارات بابا للفهم وإصلاح الخلل. اختيار الهدف يعتمد على طبيعة العلاقة والسياق، وعلى ما إذا كان استمرار التواصل مفيدا أو مؤذيا.
لماذا تنجح هذه المقاربة؟
يعتمد كثير من الأشخاص الذين ينتقدون أو يسخرون على ردود فعل متوقعة، مثل الغضب أو الدفاع أو الانسحاب. الأيكيدو اللفظي يغير هذا النمط. فعندما يستبدل رد الفعل التلقائي باستجابة واعية تقوم على التحقق والوضوح والحدود، يفقد السلوك المؤذي تأثيره. 
تتيح مهارات العلاج السلوكي الجدلي حماية النفس، والحفاظ على العلاقات عندما يكون ذلك ممكنا، والانسحاب بهدوء واحترام عندما لا يكون الاستمرار خيارا صحيا.