الراي
أبعد من أزمة المحتوى: هل نفهم “القوانين الأساسية” التي تحكم إعلامنا الجديد؟
في الأردن، نميل غالباً إلى تفسير تحولات الإعلام على أنها أزمة محتوى، أو معضلة تمويل، أو تراجع في الأخلاقيات المهنية. ورغم وجاهة هذه التفسيرات، فإنها تتجاهل عاملاً أعمق وأكثر تأثيراً: الوسيلة نفسها، فوسائل التواصل الاجتماعي لا تغيّر فقط ما ننتجه من أخبار، بل تعيد تشكيل البيئة التي نفكّر ونعمل داخلها، فارضةً منطقها الخاص على الجميع.
الفكرة التي طرحها منظّرو الإعلام منذ عقود، وتتجلى اليوم بوضوح، تقول إن كل وسيلة إعلام تمر بأربع حالات متلازمة:
تعزيز قدرة ما، وإزاحة أخرى، واستعادة شكل قديم، ثم انقلاب على نفسها عند الإفراط، هذه القاعدة ليست نظرية مجردة، بل واقع نعيشه في المشهد الإعلامي الأردني لحظة بلحظة.
أولًا: ماذا عززت منصات التواصل الاجتماعي؟
عزّزت هذه المنصات سرعة الوصول إلى المعلومة وكسرت احتكارها. اليوم، يستطيع ناشط فردي أو صفحة محلية أن يسبق مؤسسة صحفية عريقة في نقل خبر أو صناعة رأي عام. هذا التحول أتاح مساحة لأصوات كانت مهمّشة سابقاً، وخلق حيوية حقيقية في النقاش العام.
لكن في المقابل، عززت المنصات ثقافة "السبق قبل التحقق"، حيث تكافئ الخوارزميات السرعة لا الدقة، لتصبح الحقيقة في كثير من الأحيان ضحية الاستعجال.
ثانياً: ماذا أزاحت؟
لم تُلغِ منصات التواصل الصحافة التقليدية، لكنها أزاحت مركزها الرمزي. لم يعد القارئ ينتظر الصحيفة ليعرف الخبر، بل ليفهمه ويُفسر له ما وراءه.
المعضلة الكبرى أن بعض المؤسسات الإعلامية ما تزال تتصرف بعقلية “الوسيلة القديمة” داخل بيئة رقمية جديدة، فتفقد تأثيرها وجمهورها دون أن تدرك السبب الحقيقي لهذا التراجع.
ثالثاً: ما الذي استُعيد؟
بشكل لافت، أعادت منصات التواصل أنماطاً قديمة جداً من التواصل: السرد الشفهي، الشائعة، الرأي الشخصي، ومنطق "المجلس المفتوح". الفارق الجوهري أن هذه الأنماط عادت بلا سياق مهني أو ضوابط واضحة.
نرى ذلك بوضوح في الأردن من خلال البثوث المباشرة والمساحات الصوتية، التي تحولت إلى ساحات سياسية واجتماعية بديلة، بات تأثيرها أحياناً أقوى من المقالات والتحليلات الرسمية.
رابعاً: متى ينقلب الإعلام على نفسه؟
يحدث الانقلاب عند الإفراط. ففيض المحتوى السياسي والأخباري المتدفق، خاصة في أوقات الأزمات، لم يؤدَّ دائمًا إلى وعي أعلى، بل قاد إلى إرهاق معرفي وفقدان واسع للثقة.
المستخدم الأردني اليوم أكثر تشككاً، لا بسبب اللامبالاة، بل لأنه غارق في رسائل متناقضة وضجيج لا ينتهي. هنا تتحول ميزة "التعددية" إلى فوضى، وتغدو "الحرية" مصدر تشويش لا تمكين.
الذكاء الاصطناعي: اختبار جديد
يدخل الذكاء الاصطناعي غرف الأخبار واعداً بالكفاءة وتقليل الكلفة، لكنه يطرح سؤالاً أخطر: هل نستخدمه أداة مساعدة، أم نسمح له بإعادة تعريف المهنة نفسها؟
وفق منطق قوانين الإعلام، سيعزز الذكاء الاصطناعي الإنتاج، ويزيح بعض الأدوار التقليدية، ويستعيد أنماط "التحرير الآلي". لكنه قد ينقلب سريعاً ليصبح بديلاً عن الحكم الصحفي البشري، لا مكملاً له.
في الخلاصة، أزمة الإعلام ليست أزمة نوايا أو أخلاق، بل أزمة فهم للوسيلة. من لا يدرك أن منصات التواصل تغيّر قواعد اللعبة جذرياً، سيظل يعالج النتائج ويتجاهل الأسباب.
المؤسسات التي ستنجو ليست الأكثر تمويلاً، بل الأكثر وعياً بأن الإعلام الجديد ليس قناة إضافية، بل بيئة كاملة بقوانينها الخاصة.
السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نواكب هذه المنصات؟
بل: هل نفهم حقاً ما تفعله بنا، قبل أن نحمّلها كل اللوم؟.