عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Jan-2026

شيخوخة الديمقراطية.. عندما تصبح القوة فوق القانون*حسن الدعجة

 الغد

لم يعد توصيف "الدولة المارقة" حكرا على خصوم الغرب كما اعتدنا في أدبيات السياسة الأميركية لعقود طويلة؛ بل بات هذا الوصف اليوم يلاحق قلب المنظومة التي صاغته أصلا.
 
 
 ما نشهده في العقد الأخير، وبخاصة بعد حرب غزة، ليس مجرد أزمة ظرفية، بل انقلابٌ أخلاقي وسياسي عميق يكشف ما يسميه النائب عبد الكريم الدغمي بـ «شيخوخة الديمقراطية».
الفكرة التي طُرحت في صحيفة الغد قبل أيام تحت عنوان “الدولة المارقة تنقلب على ذاتها” لا تنبع من خطاب عاطفي أو موقف لحظي، بل من واقع دولي متراكم من الحروب الانتقائية، والاستخدام المسيّس لحق النقض (الفيتو)، والمعايير المزدوجة التي أفرغت القانون الدولي من مضمونه.
 فالولايات المتحدة، بوصفها القوة الأعظم، لم تعد تُقنع قطاعات واسعة من العالم بأنها وسيط محايد أو ضامن للسلم العالمي؛ بل أصبحت في نظر كثيرين طرفا مباشرا في النزاع، ومظلّة سياسية وعسكرية لدولة الاحتلال، حتى حين ترتكب انتهاكات موثقة بحق المدنيين والمستشفيات ودور العبادة.
في هذا السياق، جاءت رسالة النائب عبد الكريم الدغمي لتعيد التذكير بأهمية العودة إلى سلسلته الفكرية المنشورة في الغد بعنوان «شيخوخة الديمقراطية»، وهي قراءة نقدية عميقة تتقاطع مع مقالة هيدجز حول “الدولة المارقة”، لكنها تتجاوز توصيف السلوك لتفكيك المنظومة التي أنتجته.
الدغمي لا يكتفي بإدانة السياسات الغربية الراهنة؛ بل يعود إلى الجذور الفلسفية للديمقراطية الحديثة عند جان جاك روسو ليبيّن أن الديمقراطية التي وُلدت كثورة على الاستبداد تحوّلت – بفعل هيمنة المال والشركات الكبرى – إلى أداة لتمكين النخب لا لحماية الشعوب.
 لقد شاخت الديمقراطية كتطبيق، لا كنظرية؛ فأصبحت الانتخابات رهينة التمويل الضخم، والقرارات الإستراتيجية تُصاغ في غرف مغلقة، بينما يُقدَّم للجمهور عرض شكلي باسم “العملية الديمقراطية”.
ويستشهد الدغمي بمشهد تصفيق الكونغرس الأميركي المتكرر لزعيم متهم بجرائم حرب أكثر من ستين مرة، معتبرا أن هذا ليس خطأ عابرا، بل دليل على خلل أخلاقي وبنيوي في الديمقراطية الغربية المعاصرة. بالنسبة له، ما يحدث في فلسطين ولبنان يكشف أن الأزمة ليست فلسطينية فقط، بل أزمة نظام ديمقراطي غربي برمّته.
حين تُهدَّد المحكمة الجنائية الدولية لأنها تطبّق القانون، وحين تُشلّ قرارات مجلس الأمن بالفيتو لحماية طرف واحد، فإننا لا نكون أمام فشل سياسي محدود، بل أمام انهيار تدريجي لهيبة النظام الدولي القائم على القواعد. هنا تتقاطع أطروحتا “الدولة المارقة” و“شيخوخة الديمقراطية”: الأولى تصف سلوك القوة المهيمنة، والثانية تفسّر لماذا أنتج هذا النظام مثل هذا السلوك.
الدولة التي كانت تُدرّس العالم دروسا في حقوق الإنسان أصبحت اليوم أكبر معطّل لها، والديمقراطية التي وعدت بالعدالة تحوّلت إلى آلية لإدارة مصالح رأس المال العالمي والشركات العابرة للحدود، لا مصالح الشعوب.
من زاوية أردنية، كما يلمّح الدغمي، هذه التحولات ليست نقاشا فكريا مجردا؛ إنها مسألة أمن ووجود.
 فاستمرار الحرب بلا أفق سياسي يضغط على حدود الأردن، ويضاعف أعباءه الاقتصادية والإنسانية، ويهدد الاستقرار الإقليمي برمّته. ومن هنا تبرز أهمية الصوت الأردني النقدي – الأكاديمي والبرلماني – في تذكير العالم بأن انهيار العدالة الدولية لن يبقى محصورا في منطقة بعينها، بل سينسحب على الجميع.
أسئلة الدغمي هنا جوهرية: ماذا تبقّى من الأمم المتحدة إذا كان قرار دولة واحدة قادرا على تعطيل إرادة العالم؟ وما قيمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إذا كان تطبيقه انتقائيا؟ وكيف يمكن قبول تهديد محكمة دولية لأنها تحاول تطبيق القانون؟
هذه الأسئلة تنبع من واقع قاسٍ: مذكرات اعتقال تقابلها تهديدات سياسية، وقرارات أممية تُدفن بالفيتو، ومدنيون يُقتلون تحت أنظار ما يفترض أنه “نظام دولي منضبط”.
في المقابل، يظل الأردن نموذجا لدولة تتمسّك بالقانون الدولي رغم الضغوط. فموقف عمّان الداعم لوقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية، وحل الدولتين، ليس مجرد خطاب أخلاقي، بل إستراتيجية وطنية لحماية الاستقرار الإقليمي ومنع الانفجار الشامل.
إن فكرة “الدولة المارقة التي تنقلب على ذاتها” ليست توصيفا صحفيا عابرا، بل جرس إنذار تاريخي. وإذا استمر الغرب في تبرير القوة الغاشمة باسم الديمقراطية، فإنه سيفقد ليس فقط مصداقيته الأخلاقية، بل موقعه القيادي العالمي أيضا.
العالم يتغير بالفعل - كما يؤكد الدغمي - لكنه يتجه نحو الأسوأ إذا لم تُستعد هيبة القانون، وتُعاد الديمقراطية إلى جوهرها الأخلاقي بعيدا عن المال والسلاح ونفوذ الشركات.
 إن معركة اليوم ليست بين الشرق والغرب، بل بين القانون والفوضى، والقيم والمصالح، والإنسانية وغطرسة القوة. وفي هذه اللحظة المفصلية، يصبح الصوت الأردني؛ الملكي والحكومي والأكاديمي والبرلماني - أكثر ضرورة من أي وقت مضى، لأنه يذكّر بأن العدالة ليست ترفا سياسيا، بل شرطا لبقاء النظام الدولي ذاته.