الاحتلال و"الأونروا".. محاولات اغتيال المنظمة بوصفها شاهدا
الغد-محمد الكيالي
منذ تأسيس وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عام 1949، وهي تشكل رمزا لمعاناة الفلسطينيين الممتدة نتيجة الاحتلال والتشريد.
ومع كل أزمة سياسية أو عسكرية في المنطقة تعود الوكالة الأممية إلى واجهة الجدل، ليس فقط باعتبارها هيئة إغاثية، بل بوصفها شاهدا على استمرار قضية اللاجئين الفلسطينيين وعدم حلها.
وفي الأعوام الأخيرة، تصاعدت ضغوط الاحتلال الصهيوني لإنهاء دور الوكالة، وهو ما رآه محللون، بتأكيدهم أن هذا التصعيد يستهدف طمس كل بعد للقضية الفلسطينية.
وتجدد هذا الجدل مع قرار كنيست الاحتلال الأخير، وفيه صادق نهائيا على مشروع قانون يقضي بقطع الكهرباء والمياه عن مكاتب "الأونروا" في مدينة القدس المحتلة، ليدخل حيز التنفيذ مباشرة.
وقالت إذاعة جيش الاحتلال إن الكنيست صادق في القراءة الثانية والثالثة على مشروع قانون لقطع الكهرباء والمياه عن مكاتب "الأونروا"، بتصويت جرى بأغلبية 59 نائبا من أصل 120، مقابل 7 صوتوا ضد القانون.
رسالة إنكار للمعاناة الفلسطينية
في هذا السياق، أوضح رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، أن السياسة الرسمية للاحتلال، تقوم على إنهاء عمل "الأونروا"، مشيرا إلى أن الأسباب "بسيطة لكنها عميقة الدلالة".
وأضاف أن "وجود الوكالة يرمز للمعاناة الإنسانية المستمرة للاجئين الفلسطينيين، ويعكس واقع التشريد والبقاء في المخيمات. أما إنهاء عملها فيعني إرسال رسالة مفادها بأن المشكلة الإنسانية انتهت، وأن الاحتلال بات كيانا طبيعيا في المنطقة".
وأضاف شنيكات، أن هذا التوجه يترافق مع جهد أميركي واضح، بخاصة في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي هاجم "الأونروا" مرارا، ودعا لوقف عملها، وهو ما تُرجم فعليا بقرار واشنطن وقف التمويل عنها.
ومع ذلك، أعادت دول أوروبية دعم الوكالة، وزادت من حجم تمويلها بعد اندلاع حرب الاحتلال على غزة إدراكا لأهمية دورها الإنساني والتعليمي والصحي. مشددا على أن محاولات الاحتلال، فرض الحصار والقيود على الوكالة، ستؤدي في النهاية لترك الشعب الفلسطيني لمصيره، وإلى محاولة إنهاء فكرة "اللاجئ الفلسطيني" عبر دمجه قسرا في المجتمعات المحلية، بما يخدم تثبيت الاحتلال دون معالجة جذور القضية.
سلسلة خطوات لخنق الإغاثة
الباحث في شؤون الاحتلال عصمت منصور، بين أن هذه الخطوة ليست منفصلة عن سياق تشريعي وسياسي متكامل داخل الكيان الصهيوني لمحاربة "الأونروا"، موضحا بأن الكنيست أقر قوانين تستهدف الوكالة، فيما مارست الحكومة حملة "شيطنة" وضغوطا دولية لتجفيف مصادر تمويلها، إلى جانب التضييق الميداني ومنع التعامل معها.
وقال منصور "نحن أمام سلسلة متواصلة من الإجراءات التي تخنق عمل الأونروا، وتجعلها عاجزة عن أداء دورها. وحده تمسك المجتمع الدولي بها باعتبارها منظمة أساسية ضمن منظومة الأمم المتحدة، وبما تحظى به من ثقة عالمية، يمكن أن يحبط هذه الجهود". مضيفا "لكن للأسف، الكيان الصهيوني يواصل محاولاته لمحاصرتها، وكلما كان هناك تغاضٍ عالمي، ستزداد صعوبة تحرك الوكالة على الأرض".
إجراءات وتقليص خدمات
من جانبه، أكد المحلل والباحث بالشأن الفلسطيني جهاد حرب، أن قرار الكنيست الأخير يتسق مع توجهات الاحتلال الرامية إلى منع عمل "الأونروا" في مدينة القدس، التي يعتبرها الكيان خاضعة لسيادتها. موضحا بأن هذا القرار سيحول دون استمرار عمل الوكالة في مقراتها الرئيسة ومراكزها الطبية والتعليمية داخل المدينة.
أما في الضفة الغربية، فأشار حرب إلى أن الوضع مختلف قانونيا، إذ ما يزال الاحتلال يعتبرها "أراضي محتلة" ولم تغير وضعها القانوني رسميا، برغم وجود محاولات في الكنيست لتكريس ضمها.
وقار "لذلك، فإن خدمات الأونروا هناك تتأثر بعاملين أساسيين: إجراءات الاحتلال الميدانية، كما يحدث في جنين وطولكرم ومخيماتهما، وتقليص خدمات الوكالة نتيجة الأزمة المالية، الناجمة عن ضعف التمويل الدولي".
وبينما يحاول الاحتلال دفع العالم إلى تجاوز ملف اللاجئين، يبقى تمسك المجتمع الدولي بالوكالة ودعمها، بحسب الخبراء، عاملا حاسما في مواجهة هذه الضغوط، والحفاظ على ما تبقى من الإطار القانوني والإنساني للقضية الفلسطينية.