عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    30-Nov-2025

لا العرب ولا الأميركان..!*علاء الدين أبو زينة

 الغد

نظريًا وموضوعيًا، من الصعب – بل من المستحيل سياسيًا وأخلاقيًا وتاريخيًا– أن يلعب العرب دور «الوسيط» في الصراع بين الفلسطينيين والكيان الاستعماري الصهيوني (أو «الصراع العربي-الإسرائيلي»، كما اعتاد أن يكون).
 
 
 في سياق العلاقات الدولية، تقوم الوساطة على جملة من الشروط الأساسية: الحياد بين الطرفين؛ وعدم وجود مصلحة مباشرة للوسيط في نتائج الصراع؛ والقدرة على توفير ضمانات لكلا الطرفين؛ والتمتع بشرعية أخلاقية وسياسية تسمح بتقريب وجهات النظر بلا انحياز إلى طرف على حساب آخر.
 وليست هذه الشروط مجرد تفاصيل إجرائية بقدر ما هي جوهر وظيفة الوسيط وسبب اللجوء إليه.
هذه المعايير تجعل من وساطة العرب – والأميركان– في صراع الفلسطينيين مع الكيان الاستعماري، تتصادم مع الطبيعة التاريخية والسياسية للصراع.
 إن ما يجري التعامل معه ليس خلافًا حدوديًا أو نزاعًا على تقاسم موارد، وإنما هو مشروع استعماري استيطاني إحلالي يريد اقتلاع شعب من أرضه وإعادة هندسة جغرافيتها وديموغرافيتها بالقوة.
 وبذلك، ستعيد أي وساطة «محايدة» تساوي بين الطرف المحتل والطرف الواقع تحت الاحتلال تعريف طبيعة الصراع نفسها وتحويله من قضية تحرر وطني إلى خلاف سياسي قابل للتفاوض. وسوف ينسف ذلك شرط الحياد، حيث المساواة بين الطرفين ستعني إغفال حقيقة الاختلال الجذري في القوة والمسؤولية بينهما.
يُفترض في الوسيط أن يكون متوازنًا في علاقاته تجاه طرفي النزاع، وغير منخرط مباشرة مع أي منهما. ولا يستطيع أن يظهروا متوازنين لأن هذا المظهر مسيء، وهم المرتبطون -تاريخيًا وجغرافيًا وثقافيًا- بالقضية الفلسطينية. إنها ليست قضية خارجية ينظرون إليها من بعيد، وإنما جزء من نسيج الوعي الجمعي، ومن معادلة الأمن القومي العربي كله، ومن جذور الانتماء السياسي والرمزي.
 وبهذا المعنى، لا يستطيع العرب أن يفوا بشرط «عدم وجود مصلحة مباشرة» إلا إذا استبعدوا أهمية فلسطين كعنصر أساسي في توازنات المنطقة وهويتها التاريخية. وستكون أي محاولة للوقوف على مسافة واحدة من الاحتلال والشعب الواقع تحت الاحتلال موقفًا لا ينسجم مع عمق الارتباط الموضوعي والوجداني والسياسي بالقضية.
كما ينطوي الانخراط في دور وساطة على إمكانية أن يُفهم شعبيًا كنأي بالنفس عن الالتزام التاريخي تجاه فلسطين. بالنسبة للشعوب العربية، تشكل القضية الفلسطينية معيارًا لصدق الموقف، وتقرأ الشعوب الحياد الذي تقتضيه الوساطة كموقف في حد ذاته، يساعد القوة المسيطرة. وسوف يتعارض دور الوساطة مع التصور الشعبي العميق للدور العربي الطبيعي الذي يقتضي دعم الطرف الفلسطيني وليس شغل موقف «الطرف الثالث».
والأميركان؟ تتعارض وساطة الولايات المتحدة في هذا الصراع بالمطلق مع أي تعريف للحياد المطلوب للوساطة.
 كانت الولايات المتحدة أكثر من مجرد طرف منحاز سياسيًا وأيديولوجيًا للكيان. كانت شريكًا مباشرًا –بل صاحبة المشروع الحقيقي. لا يمكن لوسيط نزيه أن يكون المزوّد الأول بالسلاح لطرف من أطراف الصراع، أو أن يحمل روايته السياسية في كل المحافل الدولية ويوفر له الغطاء والحماية من المساءلة.
 وأي وصف للولايات المتحدة كـ»وسيط» إنما يتجاهل الدور العدواني الواضح الذي تلعبه في الصراع والتحكم بإدارته بطريقة تكفل أن تكون نتائجه دائمًا «كسبًا-حسب» للكيان الصهيوني الإبادي.
للولايات المتحدة مصلحة مباشرة في تحديد شكل الإقليم وتوازناته، بما يتعارض مع أحد أهم شروط الوساطة: عدم وجود مصلحة استراتيجية تتصل بنتائج التسوية. وهي ليست مراقبًا محايدًا وإنما قوة إمبريالية تسعى إلى صياغة مخرجات الصراع بما يتقاطع مع أولوياتها الأمنية والجيوسياسية التي تتلخص في الهيمنة على إقليم العرب وإضعافهم جملة وتفصيلاً.
 وعندما تختار إشراك عرب في دور الوسيط، فلمنح وكيلها الصهيوني مكسبًا سياسيًا مهمًا: تحويل الاستعمار (أو ما أصبح يُسمى «الاحتلال») إلى «نزاع قابل للإدارة» بدلاً من أن يكون قضية تحرر من استعمار استيطاني. ويعني إشراك العرب كوسيط، مهما كانت النية وراء قبولهم بالدور، تعزيز خطاب المساواة بين طرفين غير متكافئين، بما يخدم سردية الكيان التي تنزع الطابع التحرري عن القضية الفلسطينية وتحويلها إلى ملف تفاوضي تقني يُدار بين أطراف «سيادية».
وفق ميزان القوى المختل لصالح الولايات المتحدة والكيان، يفتح قبول عرب دور الوسيط الباب واسعًا للخضوع للابتزاز السياسي لنفس القوى التي تريد إعادة هندسة الدور العربي ليخدم رؤية الكيان للحل.
 وبمثل هذه الأدوار والترتيبات والمصالحات، سعت الولايات المتحدة دائمًا إلى تحويل العرب من داعمين لقضية فلسطين إلى «وسطاء ضاغطين» على الفلسطينيين، وتوظيفهم كأذرع سياسية تُسهم في فرض حلول ناقصة أو صيغ أمنية تخدم بناء «شرق أوسط مستقر» وفق تعريف وشروط الأميركان والكيان وليس وفق العدالة الدولية.
عندما نتحدث عن «وساطة» في القضية الفلسطينية، يُفترض منطقيًا أن يجلس العرب مع أشقائهم الفلسطينيين إلى أحد طرفي الطاولة، بينما يجلس الكيان وراعيته وشريكته إلى الجانب الآخر، كما هي التقسيمة الطبيعية للصراع. وسيكون الوسيط المعقول الذي يجلس إلى رأس الطاولة «طرفًا ثالثًا» حقًا، يمتلك قدرة حقيقية على توفير ضمانات، ولا تكون له مشاركة أو مصلحة مباشرة في إدامة الاستعمار.
 قد يفكر المرء في الأمم المتحدة من دون عقبة «الفيتو»، ومع تفويض بتفعيل أدوات قادرة على إنفاذ القانون الدولي. ويمكن أن تساعد دول الجنوب العالمي أو دول ذات سجل مستقل في دعم العدالة الدولية مثل جنوب أفريقيا أو النرويج.
 هؤلاء فقط يمكنهم الاقتراب من شروط الوساطة الحقيقية: الحياد، الشرعية الأخلاقية، وغياب المصلحة المباشرة.