عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    30-Mar-2026

القصة القصيرة في الأردن.. كتاب يرصد مساراتها النقدية

 الغد-عزيزة علي

تكمن أهمية كتاب "نقد القصة القصيرة في الأردن: مدخل تأسيسي (1966-2019)" للدكتورة ليديا راشد، في أنه يحاول جمع مادة نقدية متفرقة في مصادر متعددة، مثل الكتب والرسائل الجامعية والمقالات، وإعادة قراءتها ضمن إطار تحليلي يهدف إلى الكشف عن خصائص الخطاب النقدي الأردني، وتحديد اتجاهاته ومناهجه، وفهم العلاقة بين الإنتاج القصصي والحركة النقدية المواكبة له.
 
 
ويأتي الكتاب للدكتورة ليديا راشد، ضمن جهود توثيق وتحليل الحركة النقدية في الأردن، مسلطا الضوء على أحد أبرز الأجناس الأدبية حضورا في المشهد الثقافي المحلي، وهو فن القصة القصيرة، وما رافقه من إنتاج نقدي متنوع.
ويقدم الكتاب الصادر ضمن سلسلة "فكر ومعرفة" التي تصدرها وزارة الثقافة الأردنية، دراسة شاملة للإنتاج النقدي الذي تناول القصة القصيرة في الأردن خلال فترة تمتد من العام 1966، تاريخ صدور أول كتاب نقدي في هذا المجال، حتى العام 2019، مع تتبع أبرز التحولات التي شهدتها الممارسة النقدية، ورصد المناهج التي اعتمدها النقاد في قراءاتهم وتحليلاتهم.
ويعكس هذا الجهد سعيا إلى تقديم مدخل تأسيسي يمكن البناء عليه في دراسات لاحقة، من خلال تأطير التجربة النقدية، وتوضيح ملامحها العامة، والإضاءة على أسئلتها الإشكالية، بما يسهم في فهم أعمق لتطور النقد الأدبي في الأردن، ولا سيما في مجال نقد القصة القصيرة.
كما يبرز الكتاب تنوع المقاربات النقدية التي اعتمدها النقاد الأردنيون، بما في ذلك النقد الاجتماعي، والتكاملي، والفني الجمالي، والنقد النسوي، إلى جانب رصد محدودية حضور بعض المناهج الأخرى.
وكتب أستاذ نظرية الأدب والنقد المعاصر في الجامعة الأردنية، د. شكري عزيز الماضي، تقديما للكتاب، أشار فيه إلى أن هذا البحث مهم وصعب وشائك، إذ يندرج في إطار نقد النقد، وهو ما يتطلب خبرة واسعة ومعرفة عميقة ومتنوعة بفن القصة القصيرة وطبيعته وأبعاده، فضلا عن الإلمام بمداخل النقد المختلفة القائمة على أسس فلسفية ومفاهيم متباينة للأدب عموما وللجنس الأدبي المدروس خصوصا.
وأضاف الماضي أن الدكتورة ليديا راشد نجحت في حصر مادتها العلمية بدقة، كما أحسنت تحديد أسئلتها الرئيسة التي بدت جديدة ومترابطة ومتدرجة. فقد اشتغلت على عدد كبير من المجموعات القصصية، إلى جانب كتب ورسائل وبحوث تناولت نقد القصة القصيرة في الأردن، وهو جهد كبير لا يقدره إلا المتخصصون في حقل نقد النقد.
وبين أن طبيعة الظاهرة المدروسة فرضت أسئلة البحث وفرضياته، كما أسهمت في استخلاص مفاهيم النقاد حول فن القصة القصيرة وماهيته ومسوغات وجوده ودوره. وقد انعكست هذه المفاهيم في سمات الإنتاج النقدي، المرتبطة بأنظمة الخيال والواقع والتوصيل، الأمر الذي أضفى على دراسة الدكتورة ليديا راشد طابع الشمول والعمق، مع رصد تعددية الأصوات النقدية وتفردها.
ويرى الماضي أن هذا البحث المتميز يثير أسئلة عديدة تسهم في إضاءة مسار القصة القصيرة ونقدها. وقد يختلف بعض القراء مع الدكتورة ليديا راشد في معالجتها لبعض جوانب هذه الظاهرة النقدية أو إغفالها لجوانب أخرى، أو في تناولها أعمالا نقدية دون غيرها، كما قد يختلفون معها في تحديد توجهات بعض النقاد أو في توطين بعض المصطلحات. غير أن القارئ المنصف والمتأمل سيدرك حقيقتين أساسيتين:
الأولى: أن هذا البحث يعد إضافة نوعية من حيث موضوعه وجدّته ورصانته، فضلا عن أسئلته ونتائجه التي تفتح آفاقا لأسئلة أدبية ونقدية جديدة. الثانية: أنه يكشف عن باحثة جادة ومثابرة، تمتلك خبرة أدبية ونقدية واسعة، وأدوات متميزة مكنتها من سبر أغوار الظاهرة المدروسة، والكشف عن بعض أبعادها وعلاقاتها وخفاياها.
وفي مقدمتها للكتاب، توضح المؤلفة أن هذا الكتاب يدرس نقد القصة العربية القصيرة في الأردن، كما تجلى في الكتب النقدية والرسائل الجامعية والمقالات، منذ صدور أول كتاب نقدي العام 1966 وصولا إلى العام 2019، بهدف الكشف عن أبرز المناهج التي تبناها النقاد الأردنيون في تناولهم لهذا الفن.
وينطلق الكتاب، بحسب المؤلفة، من طموح للإجابة عن مجموعة من التساؤلات المتعلقة بخصائص الإنتاج النقدي للقصة القصيرة في الأردن، من خلال تصنيف كتابات النقاد وفق مناهج النقد الأدبي التي اعتمدوها، وهو ما اقتضى تقسيم الدراسة إلى مقدمة وخمسة فصول وخاتمة.
يتناول الفصل الأول الإنتاج القصصي والنقدي للقصة القصيرة في الأردن، بينما يعالج الفصل الثاني ملامح النقد الاجتماعي عبر نماذج من الكتب والمقالات. ويعرض الفصل الثالث تجليات النقد التكاملي، في حين يكشف الفصل الرابع عن ملامح النقد الفني الجمالي في دراسات النقاد الأردنيين. أما الفصل الخامس والأخير، فيتناول النقد من منظور نسوي.
وترى الباحثة أن المنجز القصصي في الأردن وفير، وأن الإنتاج النقدي المواكب له غني ومتنوع، إذ بلغ نحو أربعين كتابا، توزعت مناهجها بين النقد الاجتماعي، والتكاملي، والفني الجمالي، والنسوي، في مقابل غياب نسبي لمناهج أخرى، مثل النقد النفسي والبنيوي وما بعد البنيوي.
تقول "يعد نقد القصة القصيرة في الأردن جزءا من الحركة النقدية في الساحة الأدبية المحلية. ونظرا لانتشار هذا الفن، وبروز عدد من الكتب النقدية التي واكبته بفاعلية، فقد جاء اختياري لدراسة هذا الموضوع انطلاقا من قناعتي بأن الحركة النقدية للقصة القصيرة في الأردن ما تزال بحاجة إلى دراسة مستفيضة تستقصي ظروفها ونقادها ومناهجها".
وتشير إلى أن تحديد المدة الزمنية للدراسة يعود إلى سببين رئيسين: أولهما غياب دراسات شاملة سابقة تناولت الموضوع بالبحث والتحليل، مما جعل الوقوف عند البدايات النقدية أمرا معقدا يتطلب مراجعة دقيقة؛ لذلك كان من الضروري البدء من 1966، وهو العام الذي صدر فيه أول كتاب نقدي حول القصة القصيرة في الأردن، وهو كتاب هاشم ياغي "القصة القصيرة في فلسطين والأردن (1850–1965)".
أما السبب الثاني، فيتمثل في النظر إلى الحركة النقدية بوصفها نسقا متكاملا يتطور تدريجيا، بحيث يستفيد اللاحق من السابق. وقد أظهرت الببليوغرافيا التي أعدتها الباحثة أن المنجز النقدي في هذا المجال يقارب أربعين كتابا، ما أتاح اختيار نماذج تمثل أبرز الاتجاهات النقدية لدراستها وتحليلها.
وترى راشد أن دراسة نقد القصة القصيرة في الأردن تقتضي رصد حركته من خلال تحليل الإنتاج النقدي الذي تناول منجز هذا الفن لدى أبرز كتابه، ولا سيما أنه لم يحظَ بدراسة مستقلة مستفيضة من قبل، إذ تفرق ما كُتب عنه في مقالات وبحوث منشورة في الكتب والمجلات. وقد دفع ذلك إلى تناول هذا الواقع النقدي كما تمثل في الكتب والرسائل الجامعية والمقالات، سعيا إلى فهم طبيعة العلاقة بين الفاعلية النقدية وفضاءات القصة القصيرة في الأردن.
ويتحقق ذلك عبر تتبع مسارات النقاد الأردنيين، ورصد أبرز الظواهر والقضايا في ممارساتهم النقدية، تمهيدا لتصنيفها وفق المناهج النقدية المعتمدة. ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة بوصفها محاولة أولى لتقديم دراسة مستقلة تعنى بمظاهر نقد القصة العربية القصيرة في الأردن.
ولتحقيق هذا الهدف، استلزم الأمر قراءة الكتب والرسائل الجامعية والبحوث النقدية ذات الصلة، ثم تحليل ما تتضمنه من قضايا وظواهر بارزة، لاستخلاص المنطلقات والمفاهيم النقدية لدى النقاد الأردنيين، واستنباط توجهاتهم العامة، بما يتيح تصنيف كتاباتهم وفق المناهج التي يتبنونها.
تقول "وقد برزت أمامي مجموعة من التساؤلات، من أبرزها: ما موقف النقاد الأردنيين من فن القصة القصيرة من حيث المفهوم والماهية؟ ما طبيعة الإنتاج القصصي في الأردن؟ هل ثمة سمات محددة للإنتاج النقدي في الأردن؟ ما موقع نقد القصة القصيرة ضمن الحركة النقدية الأردنية عموما؟ ما أسباب تنوع الممارسات النقدية لهذا الفن في الأردن؟ إلى أي مدى يستند النقاد إلى مناهج النقد الأدبي، ويتمثلون منطلقاتها وأدواتها ومفاهيمها، ويلتزمون بإجراءاتها؟ وما أبرز المناهج التي تقوم عليها هذه الممارسات النقدية؟".
في خلاصة الكتاب، تشير المؤلفة إلى أن النقد النسوي، المعني بقضايا المرأة في مواجهة السلطة الذكورية، شكل اتجاها واضحا في الساحة النقدية الأردنية، تجلى في عدد كبير من الرسائل الجامعية، إلى جانب مؤلفات لعدد من النقاد، منهم مريم فريحات، وأسامة شهاب، وعلي المومني.
ويلاحظ إقبال الباحثات الأكاديميات على نقد القصة والرواية أكثر من اهتمامهن بنقد الشعر وسائر الفنون الأدبية الأخرى. وقد يعزى ذلك إلى ما يتيحه السرد، بما يمتاز به من وضوح في البناء وتفصيل في الرؤى، من مساحة أوسع للتعبير والتحليل، مقارنة بغيره من الأجناس الأدبية.
برزت المرأة الناقدة بوصفها شريكا فاعلا في رصد المشهد القصصي وتطوره، والإضاءة على أبرز ظواهره وأساليبه الفنية، ولا سيما الكاتبات العاملات في الحقل الأكاديمي، ويعزى ذلك -في ما يبدو- إلى اطلاعهن على المناهج النقدية الحديثة ودراستها.
وخلصت إلى أن كتاب مريم فريحات يعد أول مؤلَّف نقدي لناقدة أردنية يعنى بفن القصة القصيرة، وقد تجلت فيه عنايتها الواضحة بهذا الفن من منظور نسوي يركز على عوالم المرأة وقضاياها. كما كشفت فيه عن محاولات جادة في توصيف هذا النتاج القصصي وتحليله، وإبراز ملامحه الفنية.