عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Mar-2026

من المبادرة الدبلوماسية إلى التنمية المستدامة*حسن الدعجة

 الغد

في فضاء السياسة الدولية المعاصرة، تبرز التحركات الدبلوماسية لجلالة الملك عبدالله الثاني، ترافقه الرؤية الشابة والوثابة لسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، كنموذج رصين للدبلوماسية الإستراتيجية التي تهدف إلى صون المصالح الوطنية الأردنية العليا وتثبيت دعائم الاستقرار في منطقة تموج بالاضطرابات. إن المتأمل في الحراك الملكي المكثف خلال الآونة الأخيرة يدرك أن الأردن يمارس دوراً قيادياً مبادراً يسعى من خلاله إلى إعادة تعريف التوازنات الإقليمية، مستنداً إلى شرعية تاريخية وقبول دولي واسع، تجلى بوضوح في سلسلة اللقاءات والقمم التي احتضنتها العاصمة عمان مع قادة من مختلف القارات والتوجهات السياسية، من إندونيسيا شرقاً إلى ألمانيا وألبانيا غرباً. 
 
 
إن مرافقة سمو ولي العهد لجلالة الملك في هذه الجولات لا تعكس فقط استمرارية النهج الهاشمي، بل تضفي حيوية رقمية وشبابية على «القوة الناعمة» الأردنية، مما يعزز قدرة المملكة على محاورة الأقطاب العالمية بلغة العصر، وتحويل العاصمة عمان إلى قِبلة لصناع القرار الساعين لبناء شراكات عابرة للحدود تضمن استدامة الأمن والسلم في محيط ملتهب.
مستنداً إلى إرث تاريخي هاشمي ضارب في العمق، وقبول دولي يتسم بالثقة العالية، استطاع الأردن تحويل العاصمة عمان إلى قِبلة لصناع القرار من مختلف القارات؛ فمن القوة الاقتصادية الصاعدة في إندونيسيا شرقاً، إلى الثقل الصناعي والسياسي في ألمانيا وألبانيا غرباً، ينسج الأردن خيوط شراكات إستراتيجية عابرة للحدود. تهدف هذه الشراكات إلى بناء توازنات إقليمية متينة تحمي السيادة الوطنية، وتفتح آفاقاً رحبة للاستثمار النوعي، وتؤسس لنموذج فريد من «الاشتباك الإيجابي» مع المجتمع الدولي، لضمان استدامة الأمن والسلم في محيط ملتهب، مع التأكيد الدائم على أن استقرار الأردن هو الركيزة الأساسية لاستقرار الإقليم بأسره.
لقد شكلت المباحثات رفيعة المستوى مع الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو في قصر بسمان الزاهر منعطفاً إستراتيجياً في مسار تنويع الشراكات الدولية للأردن؛ فالتحرك نحو قوة اقتصادية صاعدة كإندونيسيا يعكس وعياً بضرورة بناء تحالفات عابرة للقارات تتجاوز الأنماط التقليدية. وقد ركز الزعيمان على الارتقاء بالعلاقات التي تمتد لأكثر من 75 عاماً، وتطويرها في المجالات الواعدة كالأعمال، والاستثمار، والطاقة، والعلوم والتكنولوجيا، والصحة، بالإضافة إلى التعاون الدفاعي. هذه الرؤية الاقتصادية والأمنية المشتركة لم تنفصل عن الهمّ الإقليمي، حيث حذر الرئيس الإندونيسي من خطورة التصعيد في الضفة الغربية وأثره على جهود استعادة الاستقرار في غزة، مؤكداً دعم بلاده لتنفيذ اتفاق إنهاء الحرب وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، بناءً على نتائج زيارة جلالة الملك إلى إندونيسيا في تشرين الثاني الماضي.
هذا التوجه نحو الشرق يكتمل بالتوازي مع تعميق الروابط مع القارة الأوروبية، وهو ما تجسد في زيارة الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير والسيدة الأولى إلى المملكة، حيث تمثل ألمانيا شريكاً إستراتيجياً أساسياً للأردن في مجالات التنمية والدبلوماسية. كما جاءت مباحثات جلالة الملك مع الرئيس الألباني باجرام بيجاج في قصر الحسينية لترسخ مكانة الأردن كمركز للتنسيق الأمني والسياسي؛ إذ أشاد جلالته بنتائج «اجتماعات العقبة» التي عُقدت بالشراكة مع ألبانيا، مؤكداً أن هذه اللقاءات تمثل فرصة لمواصلة تعزيز الصداقة والتعاون الدولي في وجه التحديات المشتركة.
وعلى الصعيد التحليلي، فإن هذه الزيارات الأوروبية والآسيوية لم تكن مجرد لقاءات سياسية بروتوكولية، بل هي محركات إستراتيجية تهدف إلى تعزيز «الأمن الاقتصادي الأردني» وجلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. فالتوجه نحو إندونيسيا يفتح الأبواب أمام رأس المال الآسيوي للاستثمار في قطاعات حيوية كالفوسفات والأسمدة والطاقة المتجددة، مستفيداً من موقع الأردن كمركز لوجستي واتفاقيات التجارة الحرة التي تربطه بالغرب. وفي المقابل، فإن تمتين الروابط مع ألمانيا وألبانيا يرسخ ثقة المستثمر الأوروبي في بيئة الأعمال الأردنية، باعتبار المملكة «جزيرة استقرار» ومنصة انطلاق آمنة للمشاريع الكبرى في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي والهيدروجين الأخضر. إن هذا التنوع يقلل من الاعتماد على مصادر تمويل تقليدية ويمنح الاقتصاد الوطني مرونة أكبر في مواجهة التقلبات العالمية، محولاً التوافقات السياسية إلى مشاريع مشتركة تخلق فرص عمل وتدعم «رؤية التحديث الاقتصادي».
وفي صلب هذا النشاط الدبلوماسي المحموم، تظل القضية الفلسطينية هي المبدأ الراسخ الذي يحكم بوصلة التحرك الملكي. يقود جلالة الملك اليوم جبهة أخلاقية وقانونية دولية للتصدي للتغول الإسرائيلي الممنهج الذي يستهدف تقويض حل الدولتين عبر توسيع الاستقرار والسيطرة على الأراضي في الضفة الغربية. إن التحذيرات الملكية المتكررة من استمرار الانتهاكات ضد المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، التي تحظى بالوصاية الهاشمية، تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية، موضحاً أن القفز فوق الحقوق الفلسطينية هو مخالفة صريحة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ويمتد هذا الدور ليشمل رؤية شاملة لأمن الجوار، حيث يشدد جلالته على ضرورة دعم جهود سورية ولبنان في الحفاظ على أمنهما وسيادتهما، مع التأكيد على أهمية الحوار والدبلوماسية في خفض التوترات المرتبطة بإيران.
إن النشاطات الملكية المكثفة مع قادة إندونيسيا وألمانيا وألبانيا، وبحضور فاعل من سمو ولي العهد، هي إستراتيجية شاملة تهدف إلى حماية السيادة الأردنية وتأمين مصالح الشعب الأردني. ومن خلال تنويع الشراكات والتمسك بالقانون الدولي، يثبت الأردن أنه رغم تحديات الإقليم، إلا أنه يمتلك ثقلاً سياسياً ومعنوياً يجعله لاعباً محورياً لا يمكن تجاوزه، مؤكداً أن القوة الحقيقية للدول تكمن في وضوح رؤيتها وقدرة قيادتها على صياغة المستقبل بلغة السلام والتعاون الإنساني.