عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Mar-2026

بين واشنطن وطهران.. سيناريوهات الحرب أو التفاوض بعد "مهلة ترامب"

 الغد-محمد الكيالي

 تتجه الأنظار إلى مهلة الأيام الخمسة التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال تصريح له عن حدوث مفاوضات غير مباشرة مع إيران، وسط استمرار تعقّد الملفات الجوهرية بين الطرفين، وغموض الموقف الإيراني جهة ما أعلنه ترامب.  
 
 
هذه المهلة القصيرة، تفتح الباب أمام سيناريوهات متباينة، بين احتمال الذهاب نحو التهدئة عبر تقديم تنازلات محدودة، أو الانزلاق إلى مزيد من التصعيد العسكري، إذا لم تُحقق واشنطن مكاسب ملموسة. 
وفي ظل الضغوط الداخلية على الإدارة الأميركية، وتباين المواقف الإقليمية والدولية، يبقى السؤال مطروحا حول أي المسارين سيكون الأرجح في الأيام المقبلة؟
وفي هذا النطاق، يطرح خبراء ومحللون لـ"الغد"، تصوراتهم حول أبعاد هذا التصريح، ومدى ملاءمته للخروج من حالة الحرب الدائرة حاليا بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وإيران، وتعقيدات الملفات التي يجري تناول بحثها في حال الخلوص فعليا إلى مفاوضات، تعيد تركيب المشهد السياسي والإستراتيجي في المنطقة العربية التي تدور الحرب في سمائها وأرضها ومائها، بينما تلقي نيرانها بقتامتها على مسارات الاقتصاد العالمي، والطاقة، والعلاقات السياسية والدبلوماسية الدولية.
ويتبدى في مشهد التفاوض الذي لم تجر تأكيدات بشأنه، وما إذا كان سيجري تفاوض أم لا، في ظل ما يعلن من استعصاء للقضايا التي ستوضع على طاولة الطرفين، وأبرزها ما تطرحه إيران من مطالب بتعويضها عن الخسائر البشرية والعسكرية جراء الحرب، ومن سيهمين على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وحقها بالتخصيب النووي، وضمان وقف الأعمال الحربية ضدها، وضد حليفها حزب الله في جنوب لبنان، وتفريغ المنطقة من القواعد الأميركية. 
أما في نطاق ما تريده أميركا عند الجلوس مع إيران، فالمشهد يضعنا أمام احتمال يمضي نحو تهدئة تقود إلى مفاوضات فعليا، وهذا يتطلب من إيران، تقديم تنازلات تتعلق ببرنامجيها النووي والصاروخي، إلى جانب تقليص تدخلاتها في الإقليم، وهذا يعني خضوعا غير مباشر لأطروحات الإدارة الأميركية، الذي تعلن إيران أنها ترفضها، وفق تصريحات قيادات عسكرية وسياسية فيها.
وهناك، من يرى بأن مهلة الخمسة أيام الترامبية، ربما هي نوع من المناورات التي تريد إظهار أميركا بالميل إلى التفاوض حتى تتخفف من الانتقادات الداخلية والدولية. لكن وعلى الطرف ذاته، فإنها قد تكون مسعى لاستكمال حشد أميركا العسكري في المنطقة، وتحديدا في جزيرة خرج، فيما يتبدى هدف بارز للتصريح، يتجه إلى انه مجرد إعلان يتطلع لتخفيض أسعار النفط العالمية خلال فترة الأسبوع الحالي، لتخفيف حدة الضغوط الاقتصادية المتزايدة على الولايات المتحدة والعالم.
المفاوضات تحولت لأداة 
ضغط بيد ترامب
من هنا، قال رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، إن "الملفات العالقة بين إيران والولايات المتحدة، لا يمكن تناولها إلا من خلال المطالب المعلنة من كلا الطرفين". مؤكدا أن إيران تضع على رأس أولوياتها، قضية التعويضات عن الخسائر البشرية والعسكرية التي تكبدتها خلال الحرب، إلى جانب إعادة تنظيم الوضع في مضيق هرمز الإستراتيجي، بما يمنحها اعترافا بواقع السيطرة هناك، فضلا عن فرض رسوم محتملة. 
وقال شنيكات، إن طهران، تتمسك بحقها في التخصيب النووي وترفض أي تنازل في هذا المجال، إضافة إلى مطالبتها بوقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما يشمل حزب الله وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، فضلا عن إخراج القواعد الأميركية من المنطقة.
وأشار إلى أن المطالب الأميركية، تمثل امتدادا لشروط سابقة، سبقت اندلاع الحرب، وتشمل منع التخصيب، وتقييد البرنامج الصاروخي بعدد محدد من الصواريخ، وصولا إلى طرح فكرة تغيير النظام أو فرض إدارة مشتركة للدولة في إيران، وهو مطلب جديد نسبيا. 
وتضغط واشنطن لوقف الدعم الإيراني لوكلائها في العراق ولبنان، بالإضافة إلى تقييد استخدام الطائرات المسيرة. مبينا أن ترامب يصر على أن إيران أبدت استعدادا للقبول بجزء من هذه المطالب، رغم النفي الإيراني، مشيرا إلى أن الحديث يشمل استرجاع نحو 430 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 %، وتقييد البرنامج الصاروخي بما لا يتجاوز ألف صاروخ، ووقف الحرب. 
وأضاف شنيكات أن المفاوضات التي جرت في البداية، استخدمها الرئيس ترامب كأداة ضغط قبل أن يتجه نحو التصعيد العسكري، معتبرا بأن ذلك جزء من إستراتيجية تقوم على التضليل.
وأوضح بأن الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة، خصوصا ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، وما يتبع ذلك من تأثيرات ضاغطة على المزارعين، تشكل عوامل إضافية تدفع بالإدارة الأميركية للتوجه نحو المفاوضات، في حين يجري في الوقت ذاته، تحضير واسع لسيناريو عسكري، يشمل احتمال السيطرة على مضيق هرمز وجزيرة خرج، عصب النفط في إيران، ودرة تاجها الاقتصادية في الطاقة، والموقع الأشد حساسية لقدراتها في صناعة النفط وتصديره. 
واعتبر شنيكات، بأن هذا السيناريو يظل واردا، بخاصة في ظل إصرار الاحتلال الإسرائيلي على تغيير النظام السياسي في إيران، مؤكدا أن الموقف الإسرائيلي هنا، يشكل عاملا حاسما في تحديد اتجاه السياسة الأميركية. مشددا على أن أي قبول إيراني بشروط أميركا للتفاوض في هذا النطاق، سيُنظر إليه في داخل إيران على أنه عملية استسلام، وهو ما قد يفتح الباب أمام اضطرابات واسعة وفوضى في الداخل الإيراني، قد تعصف باستقرار البلاد.
التهدئة مشروطة بتنازلات
 نووية إيرانية
بدوره، قال الخبير الأمني والإستراتيجي د. عمر الرداد، إن المشهد الراهن في هذه الحرب، يضعنا أمام احتمالين رئيسين: الأول يتمثل في تحقيق التهدئة والذهاب نحو جلوس الطرفين للتفاوض، وهو ما قد يقتضي من إيران، أن تقدم تنازلات تتعلق ببرنامجها النووي، بما في ذلك تفكيك نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، ووقف تطوير الصواريخ الباليستية، بالإضافة إلى تقليص تدخلاتها الإقليمية. 
وأشار الرداد، إلى أن مثل هذه الخطوات، ستكون بمنزلة استجابة غير مباشرة للأهداف التي أعلنها ترامب من وراء هذه الحرب. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في أن المهلة التي أعلن عنها ترامب لمدة خمسة أيام، قد تكون مجرد مناورة إستراتيجية، تهدف إلى تحقيق عدة أهداف، أولها إظهار أن واشنطن تميل إلى المفاوضات لا الحرب، بما يخفف من الانتقادات الداخلية والدولية. 
وتابع: "ثانيها، استكمال الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، بما يشمل الفرقة 82 والقوات البرمائية والغواصات. أما الهدف الثالث، فيرتبط بالجانب الاقتصادي، إذ أدى الإعلان إلى انخفاض أسعار النفط العالمية، وهو ما يخفف من الضغوط الاقتصادية المتزايدة داخل الولايات المتحدة".
وأوضح الرداد، أن المؤشرات تميل إلى ترجيح سيناريو التصعيد واستئناف العمليات العسكرية على نحو أوسع، وربما بدء تنفيذ التهديدات اعتبارا من يوم الجمعة المقبل، بخاصة إذا لم تحقق واشنطن مكاسب ملموسة من إيران عبر المفاوضات. 
وأكد أن العامل الإسرائيلي، يبقى محوريا في هذا السياق، بحيث ترى تل أبيب أن إنهاء المشروع النووي الإيراني وتفكيك قدراته الصاروخية، وإضعاف وكلائه في المنطقة، يمثل أولوية لا يمكن التراجع عنها.
وأضاف الرداد، أن إسرائيل لطالما تدخلت في مراحل حاسمة لإفشال أي تفاهمات محتملة بين واشنطن وطهران، وأنها قادرة على تقويض أي اتفاق لا يلبي أهدافها، سواء عبر الضغط السياسي أو من خلال خطوات عسكرية مباشرة. 
وشدد على أن هذا العامل الإسرائيلي، يضعف فرص السيناريو الأول القائم على التهدئة، ويجعل من التصعيد واستمرار الحرب الخيار الأكثر ترجيحا، مع احتمال أن تتطور العمليات لاحقا لتشمل استهداف البنية التحتية للطاقة والكهرباء في إيران، بما يعمق عزلتها عن العالم.
مرونة في الملف الإيراني
فيما أكد الباحث المتخصص في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور، أن الولايات المتحدة لا تملك القدرة على اختيار من يفاوضها، معتبرا بأن طهران تبحث عن صيغة توازن، تنهي الحرب من جهة، وتحافظ على مصالحها من جهة أخرى، بعيدا عن الارتهان للموقف الأميركي أو التفريط بالثوابت الوطنية. 
وأوضح منصور أن حدود الدور الأميركي تبقى رهنا بمدى قدرة الإدارة على ممارسة الضغط داخليا وخارجيا، معتبرا بأن ترامب قد يُظهر مرونة في التعامل مع الملف الإيراني، مدركا بأن الحل لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تسوية مع النظام نفسه. 
وشد على أن أن إسناد ملف المفاوضات إلى نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، بدلا من شخصيات مثل المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف أو صهره جاريد كوشنير، يحمل دلالة على أن واشنطن، قد تعتمد مقاربة أكثر ليونة تجاه طهران، بما يعكس استعدادا للتعاطي مع قضايا دولية حساسة بقدر أكبر من الواقعية.