الشراكة مع القطاع الخاص.. كيف تسهم بدعم العملية التعليمية؟
الغد- آلاء مظهر
في ظل تسارع خطوات التحول الرقمي في قطاع التعليم، جاءت الاتفاقية الأخيرة بين وزارتي التربية والتعليم والاقتصاد الرقمي والريادة، وشركة زين لتوفير حلول الإنترنت اللاسلكي في المدارس الحكومية، لتشكل محطة جديدة في مسار تحديث البنية التحتية التعليمية.
هذه الشراكات بين القطاعين العام والخاص، تجسد مفهوم المسؤولية المجتمعية للشركات، وتفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول أهميتها بدعم العملية التعليمية، وانعكاساتها على جودة التعليم ومخرجاته، بخاصة في ظل الحاجة لبناء جيل قادر على مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة.
في هذا النطاق، رأى خبراء في التربية، أن هذا النوع من الشراكة، يمثل ركيزة أساسية بتطوير التعليم وتعزيز جودة مخرجاته، لافتين إلى أنه تعاون لا يقتصر على توفير البنية التحتية حسب، بل يمتد ليشمل تمكين الطلبة والمعلمين من أدوات التعليم الحديثة، بما يحول البيئة الصفية إلى فضاء تفاعلي متكامل، قادر على دعم التعلم الرقمي والمشاريع التعليمية الحديثة، ويتيح للطلاب الوصول السهل والسريع إلى منصات التعلم الرقمي والمصادر التعليمية العالمية، ويسهم بتعزيز مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات.
وبينوا في أحاديثهم المنفصلة لـ"الغد"، أن تسارع التطور التكنولوجي، يجعل هذه الشراكات أكثر إلحاحا لضمان استدامة المنصات الرقمية وتوسيع أثرها، بحيث تتحول من أدوات تقنية إلى ثقافة تعليمية، تعزز التعلم الذاتي، وتحسن التواصل، وتدعم العدالة في الوصول إلى مصادر التعلم الحديثة.
وأوضحوا بأن الأثر التربوي لها يحقق تحسين مخرجات التعليم، إذ توافرت لأدوات التعليم الرقمية فرص لتطوير المهارات التقنية والمعرفية للطلبة، وتمكينهم من التعامل مع المعلومات بكفاءة واستقلالية.
كما أنها تدعم إعداد جيل قادر على مواكبة متطلبات سوق العمل المستقبلي، والمساهمة الفاعلة في التنمية الوطنية، بينما تعزز المبادرة روح الابتكار والبحث العلمي في المدارس.
تطوير البيئة التعليمية
وبحث وزير التربية والتعليم د. عزمي محافظة الأحد الماضي مع وزير الاقتصاد سامي سميرات والرئيس التنفيذي لشركة زين فهد الجاسم تعزيز التعاون في مجال التحول الرقمي في قطاع التعليم، ودعم الجهود الرامية لتطوير البيئة التعليمية وتحسين جودة التعليم.
وبحسب بيان لوزارة التربية نشرته "بترا"، أكد وزير التربية والتعليم د. محافظة أهمية الشراكة بين القطاعين لدعم وتطوير التعليم، مشيرا إلى أنها تشكل ركيزة أساسية في تنفيذ المشاريع الوطنية، وتعزيز كفاءة البنية التحتية الرقمية في المدارس، بما ينعكس إيجابا على جودة التعليم ومخرجاته.
وأوضح محافظة أن الدعم المقدم من شركة زين يجسد مفهوم المسؤولية المجتمعية للشركات، ويؤكد دور القطاع الخاص كشريك فاعل في تحقيق التنمية المستدامة، والمساهمة في تمكين الطلبة والمعلمين من أدوات التعليم الحديثة، وبناء جيل قادر على مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة.
من جانبه، أشار سميرات إلى أن وزارة الاقتصاد وقعت أخيرا اتفاقية توفير لحلول "واي فاي" بالمدارس الحكومية مع "زين الأردن" بقيمة 3 ملايين دينار لتطوير البنية التحتية الرقمية بالمدارس الحكومية، سعيا لإيصال خدمات الإنترنت اللاسلكي إلى الغرف الصفية في عدة مدارس، لتمكين طلبتها ومعلميها من استخدام التقنيات الحديثة، وتوظيف أدوات التعليم الرقمي.
وفي هذا السياق، قال الخبير فيصل تايه إن الشراكة بين القطاعين ركيزة أساسية في تطوير التعليم وتعزيز جودة مخرجاته، كما يتضح من المبادرة النوعية التي وفرت فيها "زين" الإنترنت اللاسلكي لأكثر من 1500 مدرسة بالتعاون مع وزارتي التربية والاقتصاد الرقمي.
وأضاف تايه أن هذا النوع من التعاون لا يقتصر على توفير البنية التحتية حسب، بل يمتد ليشمل تمكين الطلبة والمعلمين من أدوات التعليم الحديثة، بما يحوّل البيئة الصفية إلى فضاء تفاعلي متكامل، قادر على دعم التعلم الرقمي، والمشاريع التعليمية الحديثة، ويتيح للطلبة الوصول السهل والسريع إلى منصات التعلم الرقمي، والمصادر التعليمية العالمية، ما يعزز مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات.
وأوضح تايه أن هذه المبادرات تجسد مفهوم المسؤولية المجتمعية للشركات، وتعكس التزامها بالمساهمة في التنمية المستدامة لبناء جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل الرقمي، مبينا أن الاستثمار في التعليم لم يعد مجرد تبرع تقليدي بالمباني أو التجهيزات الأساسية، بل أصبح يشمل الدعم التقني والتكنولوجي والبرامجي الذي يثري التعليم ويحفز الابتكار لدى الطلبة والمعلمين. وأضاف أن المعلمين يستفيدون من هذه المبادرات؛ لأنها تمكنهم من تبني أساليب تعليمية أكثر تفاعلية، وقياس تقدم الطلبة بدقة، وتوظيف أدوات التعليم الرقمي لتحفيز الطلبة على المشاركة الفاعلة والتعلم الذاتي، ما يعزز من جودة العملية التعليمية ويضمن تكافؤ الفرص بين المدارس.
وأكد تايه أن الأثر التربوي لمثل هذه المبادرات يظهر بوضوح في تحسين مخرجات التعليم، إذ توفر أدوات التعليم الرقمية فرصا لتطوير المهارات التقنية والمعرفية للطلبة، وتمكنهم من التعامل مع المعلومات بكفاءة واستقلالية، وتدعم إعداد جيل قادر على مواكبة متطلبات سوق العمل المستقبلي والمساهمة الفاعلة في التنمية الوطنية، وتعزيز روح الابتكار والبحث العلمي في المدارس، مبينا أن هذه الشراكات تمثل نموذجا عمليا للتكامل بين السياسات الحكومية والمبادرات المجتمعية، ما يضمن استدامة الدعم وتوسيع أثره وطنيا. وأشار إلى أن التعاون بين وزارتي التربية والاقتصاد الرقمي مع القطاع الخاص يعزز تنفيذ الإستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي في التعليم، ويؤكد أن دعم هذا القطاع لم يعد خيارا إضافيا بل أصبح عنصرا جوهريا لتمكين التعليم، ومن ثم تحسين جودته وتحقيق العدالة التعليمية.
وبيّن تايه أن هذه المبادرات تبرز كاستثمار إستراتيجي طويل الأمد يسهم في بناء بيئة تعليمية مستدامة قادرة على الاستجابة للتحديات التكنولوجية والاجتماعية المعاصرة، وضمان تعليم متطور يواكب متطلبات العصر، ويضع الطالب والمعلم في قلب عملية التعلم على نحو فعال.
تكامل الأدوار بين القطاعين
بدوره، قال الخبير محمد الصمادي، إن الشراكات بين القطاعين تكتسب أهمية متزايدة في التعليم، لكونها تسهم بتسريع تنفيذ المشاريع التي تتطلب غالبا تمويلا وخبرات تقنية وتشغيلية، يصعب توفيرها بالوتيرة ذاتها عبر المسار الحكومي وحده. موضحا بأن تكامل الأدوار بين الجانبين، يحوّل المبادرات الرقمية من مجرد "مشاريع تجريبية" إلى ممارسات مؤسسية، قابلة للتوسع والاستدامة.
وأضاف الصمادي، أن توفير الإنترنت اللاسلكي في الغرف الصفية، لا يقتصر على تحسين الاتصال التقني، بل يُحدث تحولا جوهريا في طريقة التعلم نفسها، كما يتيح للمعلم توظيف منصات التعلم الرقمي، والموارد التفاعلية، والتجارب الافتراضية، والتقييم الفوري، ما ينقل الحصة الصفية من التلقين إلى التفاعل، ويعزز فرص الفهم العميق، مقارنة بأساليب الحفظ والاسترجاع.
وأكد أنه حين يكون التحول الرقمي في التعليم، مدعوما ببنية تحتية قوية، ينعكس على جودة التعليم عبر ثلاثة محاور رئيسة، الأول: رفع مستوى التحصيل الدراسي عبر تنويع مصادر التعلم وتطوير أساليب التعليم والتدريس. والثاني: يرتبط بتحسين أدوات التقييم والتقويم والمتابعة، عبر أنظمة رقمية حديثة تتيح قياس تقدم الطلبة بصورة مستمرة ودقيقة، في حين يتمثل الثالث بتعزيز فاعلية زمن الحصة الصفية وتقليل الفاقد التعليمي، عبر تسهيل الوصول السريع للمحتوى التعليمي والواجبات والأنشطة.
وأشار الصمادي إلى أن نجاح الرقمنة في المدرسة، يرتبط بقدرة المعلم على توظيفها تربويا، موضحا بأن التقنية بحد ذاتها، لا تحسن المخرجات التعليمية، ما لم تُترجم لإستراتيجيات تدريس فاعلة، كالتعليم التفاضلي والتكاملي، والعمل ضمن مجموعات تعلم، وتكليف واجبات رقمية موجهة، وتقديم تغذية راجعة سريعة.
وبين الصمادي أن الشراكات، فرصة حقيقية لتوفير تدريب نوعي، ودعم فني مستمر، وأدلة تطبيقية داخل المدرسة.
موضحا، أنه في ظل الاقتصاد الرقمي، لم تعد مخرجات التعليم تُقاس بالدرجات فقط، بل بامتلاك الطلبة مهارات القرن الـ21، كالثقافة الرقمية، والبحث والتحقق من المعلومات، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، والعمل التعاوني.
ولفت إلى أن إدماج الأدوات الرقمية في اليوم الدراسي، يرفع جاهزية الطلبة للجامعة وسوق العمل، ويوسّع آفاق الابتكار وريادة الأعمال.
مبينا أن تسارع التطور التكنولوجي، يجعل الشراكات أكثر إلحاحا لضمان استدامة المنصات الرقمية، وتوسيع أثرها، بحيث تتحول من أدوات تقنية إلى ثقافة تعليمية، تعزز التعلم الذاتي، وتحسن التواصل، وتدعم العدالة في الوصول لمصادر التعلم الحديثة.
وشدد الصمادي على أن تحويل هذه الشراكات لأثر ملموس، يتطلب ربطها بخطة تربوية واضحة تقيس النتائج، وتشمل تحديد الاستخدامات التعليمية في الصف، وتدريب المعلمين والإدارات، وتوفير محتوى رقمي ملائم للمناهج، ووضع سياسات للأمن الرقمي وحماية الطلبة، واعتماد مؤشرات أداء تقيس التحسن في التحصيل الدراسي والمهارات الرقمية ومستوى التفاعل.
واضح بان أهمية الشراكات، تكمن في قدرتها على تسريع بناء مدرسة رقمية عادلة ومُمكِّنة، تُحسن بيئة التعلم، وتدعم المعلم، وتمنح الطلبة أدوات المستقبل.
شراكة مجتمعية فاعلة
من جانبه، أكد الخبير عايش النوايسة، أن الشراكة المجتمعية الفاعلة، ركيزة أساسية في جودة التعليم وتحقيق التنمية المستدامة، مشيرا إلى أن التعلم أساس يُبنى عليه تقدم الأمم عبر الاستثمار في العنصر البشري.
وأوضح النوايسة، بأن تحقيق تعليم متميز في ظل المتغيرات العالمية المتسارعة، لم يعد مسؤولية القطاع الحكومي وحده، بل يتطلب تضافر الجهود، بخاصة عبر شراكات مجتمعية فاعلة مع القطاع الخاص، وهو أمر ملح وضروري في الأردن، نظرا للتحديات الاقتصادية والتنموية الكبيرة، أبرزها معدلات البطالة المرتفعة التي بلغت 21 %، وما يترتب على ذلك من انعكاسات اجتماعية واقتصادية عميقة.
وأشار إلى أن هذه التحديات ترتبط بالفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، خصوصا في الجوانب المهنية والتطبيقية التي يطلبها القطاع الخاص.
مؤكدا أن المواءمة بين ما تقدمه المؤسسات التعليمية وما يحتاجه السوق عمليا، تمثل عقبة رئيسة تتطلب إعادة نظر شاملة في المنظومة التعليمية، وهنا تظهر أهمية الشراكة مع القطاع الخاص، كركيزة أساسية لتحقيق التكامل.
وبين النوايسة أن القطاع الخاص يؤدي دورا محوريا بنقل احتياجاته الفعلية للمؤسسات التعليمية، بما يضمن إعداد كوادر مؤهلة قادرة على دفع عجلة التنمية المستدامة، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والمهارات.
مؤكدا أن الشراكة المجتمعية التي تجسدت مؤخرا عبر ثلاث شركات رائدة في التحول الرقمي للتعليم، خطوة إستراتيجية مهمة لدعم وزارة التربية في بناء بنية تحتية رقمية، وتوفير بيئة تعليمية حديثة محفزة للطلبة.
وأوضح النوايسة بأن الوزارة لا يمكنها بمفردها إنجاز هذه المهمة الكبيرة، فهي بحاجة لهذا النوع من الشراكات القائمة على المشاركة الفاعلة والتكامل في الأدوار، بما يسهم بإعداد كوادر مؤهلة، تسهم بتعزيز قدرة الاقتصاد وترفده بالطاقات اللازمة للتنمية.
مشيرا إلى أنها شراكة تحقق منفعة متبادلة للطرفين؛ إذ تعود بالفائدة على وزارة التربية والقطاع الخاص بمؤسساته العاملة في مجالات البيئة الرقمية، والبنية التكنولوجية، والاتصالات، والتوازن الرقمي، بما في ذلك المؤسسات الرائدة في القطاعين.
واعتبر أن التعليم المهني والتقني أحد أبرز مجالات تطبيق هذه الشراكة، مشيرا إلى أن برامج مثل "بيتك"، تهدف لبناء جيل مؤهل للمنافسة العالمية وتحقيق التنمية المستدامة، والتركيز على التطبيق العملي في مشاغل ومؤسسات، تربط بين القطاعين العام والخاص.
وأضاف، إن الشراكة تصل لأعلى صورها عبر "نظام التعليم المزدوج" أو "التلمذة المهنية"، إذ يقضي الطالب جزءا من وقته في للدراسة النظرية في المدرسة، والجزء الآخر في المصنع أو الشركة للتدريب العملي، ما يجعل الشركات شريكا أساسيا في التعليم وليس مجرد مستقبل للخريجين، ويعزز جودة مخرجاتها ويشجع القطاع الخاص على الاستثمار في الطاقات الشابة.
وأكد النوايسة أن نجاح هذه الشراكات يتطلب خطوات إجرائية مدروسة، تشمل سد الفجوات المهارية بين خريجي التعليم واحتياجات السوق، وتطوير بيئة تشريعية وتنظيمية، تحفز على المشاركة، والاستفادة من قدرات القطاع الخاص بدعم التدريب، وبناء قدرات المعلمين على أحدث التقنيات والإدارة الحديثة والذكاء الصناعي، بما يرفع كفاءة العملية التعليمية، واستقطاب الدعم المالي لتطوير البنية التحتية وتجهيز مختبرات ومراكز STEAM، وتبني الابتكار عبر منصات تعليمية رقمية وأدوات ذكية، مع اعتماد مبدأ "التدريب المنتهي بالتشغيل" لتوفير فرص عمل حقيقية للخريجين.
وأكد أن الشراكات المجتمعية في التعليم، ليست مجرد دعم مالي عابر، بل تمثل نظاما تعاونيا متكاملا بين المدرسة والبيت والمجتمع، والقطاع الخاص، بحيث تقدم كل جهة قيمة مضافة، والنتيجة النهائية، بيئة تعليمية أكثر ابتكارا وتنافسية، تضمن جودة المخرجات وتصنع مستقبلا مشرقا للأجيال القادمة.