"نورنبيرغ".. مصير العدالة بين السياسي والأخلاقي*موفق ملكاوي
الغد
تعود هوليود إلى موضوعها الأثير من جديد، وهو "النازية" الذي أفردت له قائمة غير منتهية من الأفلام على مدار عقود طويلة. هذه المرة يأتي فيلم "نورنبيرغ" لتخصصه لطرح رؤيتها حول المحاكمات الشهيرة التي جرت لقادة الحزب النازي.
الفيلم يحاول التأسيس لفهم أكثر وضوحا لما جرى في ألمانيا النازية، وما تبع انهيار نظام هتلر من تداعيات أثرت على العالم كله الذي انقسم بين منتصرين متبجحين، ومهزومين بـ"وصمة عار" غير منتهية. ورغم أنه اكتفى بزاوية ضيقة من هذه المحاكمات، وهي العلاقة المعقدة بين الطبيب النفسي دوغلاس كيلي والقائد النازي هيرمان غورينغ، إلا أنه يمنح المشاهد كثيرا من الأسئلة غير المجاب عنها تجاه أحد أبرز الأحداث التي ميزت القرن العشرين، والتي شكلت منعطفا حادا في العلاقات الدولية.
النص يطرح أسئلة فلسفية عميقة حول "تفاهة الشر"، ويعود بالمشاهد إلى الجو العام لمحاكمات نورنبيرغ، بلمسة سينمائية أكثر من كونه توثيقا تاريخيا صارما، خصوصا الحوارات بين الشخصيتين الرئيسيتين للفيلم التي اكتسبت بعدا فلسفيا عن جدل السياسي والأخلاقي والقانوني، ولم تقدم إجابات عنها، بل تركت المتلقي حرا في تحديد الأبعاد المقصودة من ورائها.
توسع الفيلم، كذلك، في عرض العديد من اللقطات المسجلة فعليا من داخل المعتقلات النازية، وعرض أسرى أميركيين فيها، وأورد مأساة الغجر في هذا السياق، وليس كما هي العادة لا يكون ظاهرا في المشهد سوى اليهود.
نجاح الفيلم، الذي جاء من تأليف وإنتاج وإخراج جيمس فاندربيلت، اعتمد كثيرا على أداء النجم راسل كرو بدور غورينغ، والذي قدم أداء استثنائيا للدور، استحضر فيه الأداء العبقري للنجم الراحل مارلون براندو في فيلم "العراب"، فقد نجح في تجسيد قوة وذكاء وغرور الشخصية، ما جعلها أكثر واقعية.
أما رامي مالك الذي أدى دور كيلي، فلم يكن بالإقناع نفسه، ولم يستطع منح الشخصية بعدها الواقعي، بل ظهر في كثير من الأحيان مهزوزا ودون مستوى الدور الذي يؤديه، بوصفه طبيبا يحاول الوصول إلى الحقيقة الذهنية لنخبة من قادة الحزب النازي.
لكن، وإلى جانب الحكاية المعروفة سلفا عن المحاكمات، هل حمل الفيلم رسائل خفية، أو رسائل ضمنية؟ لا أكاد أجزم بذلك، ولكنه بالتأكيد طرح مجموعة من الأسئلة المهمة التي من الممكن أن تمنح زاوية أخرى للنظر، بخلاف كثير من أفلام هوليود التي تناولت النازية. وهنا أريد التوقف عند مشهدين أثارا انتباهي كثيرا.
في واحد من المشاهد، يتحدث غورينغ إلى كيلي بنبرة واثقة عن أن الوحشية الألمانية لم تولد من فراغ، بل كانت ثمرة إذلال جماعي طويل فرضه المنتصرون بعد الحرب عبر معاهدة "فرساي". يتحدث عن أمة أجبرت على الانحناء، وجردت من كرامتها، وحوصرت اقتصاديا، ووصمت أخلاقيا، ثم يطلب منها لاحقا أن تتصرف بعقلانية واتزان!
كيلي، يحاول إعادة النقاش إلى المسؤولية الفردية، وإلى الجريمة بوصفها خيارا أخلاقيا لا حتمية تاريخية، لكن غورينغ يصر على أن القومية المتطرفة كانت ردا على الإذلال، وأن الغرب، من حيث لا يريد، هو من غذى شروط الانفجار.
غورينغ لا ينكر الجريمة، لكنه يعيد تعريفها كنتيجة تاريخية لا كفعل إجرامي محض، مقدما لها مبررات سياسية واقتصادية، كأنما يقول "نحن نتاج ما صنعتموه أنتم". الفيلم يمرر قراءة نقدية لمعاهدة فرساي بأنها ليست مجرد اتفاق سياسي، بل فشلا أخلاقيا نتج عن عقاب جماعي، ما أسس لخطاب الثأر والنهضة بالقوة.
المشهد مهم على المستوى الفكري، فهو يكشف كيف يمكن للعدالة أن تتحول إلى انتقام، وكيف يولد التطرف من رحم الإذلال لا من الجنون فقط، وربما يربط بسؤال معاصر: هل ما يزال العالم يعيد إنتاج شروط التطرف ثم يدعي صدمته من نتائجه؟
في مشهد آخر، يتساءل غورينغ، الذي يدرك أنه يحاكم من موقع المهزوم، عن "الفرق الحقيقي بين ما يسمى جرائم النازية، وبين إسقاط قنابل نووية على مدينتين مكتظتين بالمدنيين." كيلي يحاول التمسك بما يمكن تسميته "فارق النية"، فالنازية قتلت بدافع الإبادة، بينما أميركا قتلت بدافع إنهاء حرب. لكن غورينغ يحاصره بسؤال: ما الذي يهم الضحية من نوايا الجلاد؟!
غورينغ لا ينكر القتل هنا، لكنه يعيد توصيفه، فهل سيكون أقل وحشية فقط لأنه صادر بقرار سيادي عن المنتصر. هو لا يقول: نحن أبرياء، بل يقول: لسنا وحدنا المجرمين، كما لو أنه يعمد إلى تفكيك التفوق الأخلاقي للمنتصر، ونقل النقاش من حيز القانون إلى الفضاء الأخلاقي، ومن النية إلى النتيجة.
والفيلم يطرح، عبر هذا الحوار، سؤالا محرما في السردية الغربية: لماذا تسمى جريمة النازية "إبادة"، بينما تسمى هيروشيما "ضرورة تاريخية"؟
الفرق ليس أخلاقيا، بل سياسيا، وكيلي الذي يمثل "الضمير" الغربي يرفض المقارنة، لكنه يعجز عن دحضها، ليظهر تعويم للجريمة داخل نظام عالمي يمارس العنف حين يناسبه، كاشفا عن هشاشة الخطاب الأخلاقي حين ينفصل عن العدالة الكونية.
الفيلم لا يقول إن النازية تتساوى مع الولايات المتحدة، ولكنه يقول إن الميزان الأخلاقي مختل من خلال فضح انتقائية الإدانة، وكشف أن العدالة الدولية تبنى غالبا على نتيجة الحرب لا على مبدأ إنساني ثابت.
هذا الفيلم، خصوصا بمشهديه السابقين، لا يخاطب الجنوب العالمي بكل تأكيد، بل يعبر عن حوار شعوب الشمال التي تتناوب الانتصار والهزيمة، وهي ثنائية مكسورة من أحد طرفيها في الجنوب العالمي الذي لا يتلقى سوى الهزائم. لكن الحوار حول شرعية استعمال العنف يتجاوز التاريخ الماضي ليفرض حضوره على وعينا في عالم اليوم، وليعيد طرح السؤال نفسه: من يحاكم ومن يعفى، وهل العدالة العالمية ممكنة في نظام تحكمه القوة المطلقة؟