عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Jan-2019

السياسة، والاقتصاد، والكربون في العام 2019

 الغد-مايكل جيه. بوسكن

 
ستانفورد – بالنسبة للعديد من اقتصادات العالم والأسواق المالية ورؤساء الحكومات وسياسات الكربون، فإن نهاية العام 2018 لم تكن جيدة. فقد تركت ندوب الأزمة المالية العالمية والركود العظيم، جنباً إلى جنب مع الاتجاهات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية والديمغرافية الهيكلية طويلة الأجل، الكثير من الآثار الجانبية السلبية، حيث شعر العديد من السكان في معظم البلدان بالإهمال السياسي، والحرمان الثقافي، والضعف الاقتصادي. وقد أدى تعبيرهم عن مظالمهم –سواء كان ذلك في صناديق الاقتراع، أو على مواقع الإنترنت، أو في الشوارع- إلى إضعاف قادتهم على نحو متزايد. 
في ألمانيا، على سبيل المثال، عملت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل -التي احتفظت بمنصبها في قيادة ألمانيا لأربعة فترات متتالية- منذ فترة طويلة كقائدة فعلية للاتحاد الأوروبي. ثم جاء قرارها المصيري في العام 2015 باستقبال أكثر من مليون لاجئ في ألمانيا. وقد تسبب رد الفعل السياسي العنيف في بلدها، والذي كان مدفوعا باحباط متزايد من الضغط الإضافي على الخدمات العامة والمالية، وسوية تطبيق القانون، ناهيك عن إثارة الخوف السياسي- في هزيمة ميركل، حيث أعلنت عن رغبتها عدم الترشح لرئاسة حزبها المسيحي الديمقراطي الذي يتزعم حاليا الحكومة الائتلافية الألمانية، خلال الانتخابات في شهر كانون الأول (ديسمبر) من هذا العام. وفي الوقت نفسه، أعلنت ميركل أنها تريد أن تظل مستشارة لألمانيا حتى العام 2021، حيث ترغب بعدها بالتنحي واعتزال العمل السياسي بشكل نهائي.
ولا تقتصر المشاعر المعادية للمهاجرين على ألمانيا فقط. فمن إيطاليا إلى بولندا، ساعدت هذه المشاعر الأحزاب السياسية الشعبوية على الفوز بالسلطة. كما قامت هنغاريا بنصب سياج من الأسلاك الشائكة لمنع تدفق المزيد من اللاجئين إلى أراضيها. وصادرت الدنمارك ممتلكات المهاجرين، وقررت ترحيل من وصفتهم باللاجئين المرفوضين إلى جزيرة “ليندهولم” النائية، والتي كانت تُستخدم للقيام بأبحاث علمية عن الحيوانات المريضة.
ساعدت مقاومة الهجرة والقلق بشأن استسلام السيادة إلى الاتحاد الأوروبي على حدوث تطور رئيسي آخر في السنوات الأخيرة: إجراء الاستفتاء حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في العام 2016. وبعد أن وعد رئيس الوزراء في ذلك الحين، ديفيد كاميرون، بإجراء تصويت شعبي على مغادرة الاتحاد الأوروبي -كخدعة لزيادة هامش فوزه بإعادة انتخابه في العام 2015- لم يتمكن من الحصول على مرونة كافية من قادة الكتلة، بما في ذلك تأثير أكبر لقضية الهجرة، لإقناع غالبية الناخبين بالبقاء.
وفي العام 2018، استمرت دراما قضية الخروج البريطاني “بريكسيت”. وحصلت رئيسة الوزراء تيريزا ماي على اتفاق تسوية مع الاتحاد الأوروبي. وبعد مواجهة هزيمة موجعة في البرلمان، اضطرت إلى أن تؤجل جلسة التصويت على اتفاق بريكست حتى كانون الثاني (يناير) 2019. وقد تعرضت ماي للانتقاد من أعضاء في حزبها بسبب خطة الخروج التي تفاوضت بشأنها مع دول الاتحاد، حيث واجهت تصويت نواب حزب المحافظين على سحب الثقة في قيادتها.
على الرغم من نجاح “ماي” في التغلب على هذا التحدي، فإنها ما تزال عالقة بين رفض الاتحاد الأوروبي تقديم المزيد من التنازلات وبين الانقسامات الداخلية العميقة. وتشير استطلاعات الرأي الآن إلى أنه من المرجح أن يصبح زعيم حزب العمال اليساري المعارض، جيرمي كوربين، رئيس وزراء بريطانيا المقبل.
وفي فرنسا، واجه الرئيس إيمانويل ماكرون -الذي كان يعتبر القائد الفعلي الثاني لأوروبا- موجة من الاحتجاجات والاضطرابات المدنية في الأسابيع الأخيرة. ومع ذلك، حاول ماكرون تنفيذ أجندة إصلاحاته المؤيدة للنمو، وفرض قيود متواضعة على نظام الرعاية الاجتماعية الضخم في فرنسا.
كانت زيادة الضرائب على أسعار الوقود، والتي تم اعتمادها كإجراء للمساعدة في الحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري،هي السبب الرئيسي وراء ما يسمى باحتجاجات السترات الصفراء. وفي أكبر اقتصاد رئيسي خاضع للضرائب في العالم، يشعر المواطنون بالاستياء بسبب سعي الطبقة السياسية وراء ما تعتبره هدفاً عالمياً بعيد المنال، بدلاً من توفير احتياجات الناخبين العاجلة.
وفي كندا، على سبيل المثال، يواجه رئيس الوزراء، جوستين ترودو، رد فعل مماثل ضد ضريبة كربون فدرالية فرضت على أربع مقاطعات كندية (من أصل عشرة مقاطعات)، والتي رفضت سياساته الأصلية لخفض الانبعاثات، وقد يكلفه ذلك منصبه في الانتخابات العامة المقررة في 2019. ويشكل هذا التوتر المتزايد بين الحكومات المركزية والحكومات دون الوطنية واحداً من أهم الاتجاهات العالمية في السنوات الأخيرة.
يواجه العمل المناخي تحديات كبيرة في بلدان أخرى أيضاً. وفي مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ، (COP24)، الذي عقد الشهر الماضي في مدينة تعدين الفحم “كاتوفيتشي” البولندية، نجح المفاوضون بالكاد في الاتفاق على قواعد لتنفيذ اتفاقية باريس 2015 بشأن المناخ، بما في ذلك تطبيق منهجية فعالة لقياس التقدم.
علاوة على ذلك، تم الكشف في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ عن أن العديد من البلدان الأخرى متخلفة عن الوفاء بالتزامات اتفاقية باريس (والتي لن تكون، حتى لو تم الوفاء بها، كافية لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات العالمية). ويشمل ذلك ألمانيا، حيث أدت خطة أنجيلا ميركل لبناء مصادر الطاقة المتجددة والتخلص التدريجي من الطاقة النووية إلى زيادة الاعتماد على أقذر أنواع الفحم “الليجنيت”، للتحكم في الأسعار وتوفير بديل لطاقة الرياح والطاقة الشمسية.
في بداية المؤتمر، واجهت الولايات المتحدة انتقادات عديدة، بسبب قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من اتفاقية باريس في أقرب وقت ممكن (في العام 2020). لكن سجل خفض الانبعاثات في أميركا ما يزال من بين الأفضل في العالم، على الرغم من تزايد مقاومة السياسات المناخية الجديدة.
على سبيل المثال، رفضت ولايات واشنطن وأريزونا وكولورادو مؤخراً تنفيذ مبادرات للحد من استخدام الوقود الأحفوري. وفي ولاية كاليفورنيا، كان إلغاء قرار رفع ضريبة الوقود الذي اعتُمد سابقاً وشيكاً للغاية؛ وقد حال قلق الناخبين بشأن كيفية تمويل خطة إصلاح الطرق والجسور التي طال إهمالها في الولاية، دون ذلك.
وليست مشكلة المناخ سبب القلق الوحيد الذي يعيق إدارة ترامب. ففي انتخابات التجديد النصفي لهذا العام، فقد حزبه الجمهوري السيطرة على مجلس النواب الأميركي. وفي حين أن مؤشرات الاقتصاد الكلي ما تزال قوية، إلا أن الكثيرين يشعرون بالقلق إزاء ارتفاع أسعار الفائدة، وتباطؤ النمو في الخارج، والاتجاهات الاقتصادية والسوقية المتأخرة. وتزيد تعريفات ترامب الجمركية، خصوصاً ضد الصين، من هذه المخاوف، حيث أنها تخاطر بتعويض التأثيرات التي تعزز النمو في إصلاحاته الضريبية والتنظيمية.
بعيداً عن الغرب، عانى حزب بهاراتيا جاناتا، الذي يتزعمه رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي، من خسائر كبيرة في خمس ولايات، بسبب تزايد المخاوف الاقتصادية. كما تتفاقم المخاوف الاقتصادية في الصين أيضاً جراء تباطؤ النمو، وتصاعد النزاعات التجارية مع الولايات المتحدة، والشكاوى العالمية بشأن التجسس الإلكتروني، ونقل التكنولوجيا القسري، وسياستها الصناعية الطموحة “صنع في الصين 2025” التي تؤدي إلى حظر بعض منتجات شركات التكنولوجيا الصينية. لكن قبضة الرئيس الصيني شي جين بينغ على السلطة ما تزال مشددة.
تُبرز عمليات إعادة التقييم السياسية في الاقتصادات الرئيسية في العالم الحدود المفروضة على مستوى ووتيرة الهجرة التي يستطيع مجتمع ما استيعابها من دون التعرض لتعطيل مفرط؛ وعلى استعداد المواطنين للالتزام بالحكم المركزي وفوق الوطني، وعلى التسامح العام للضعف الاقتصادي. ومع بداية العام 2019، يجب على القادة التركيز على القضايا المحلية الأساسية، بينما يتجهون نحو نماذج سياسية أكثر مرونة ولا مركزية قادرة على إدارة مجموعات سكانية مختلفة. وهذا لن يحسن الاستقرار داخل البلدان فقط، وإنما سيوفر أسسا أقوى للتعاون في القضايا الدولية ذات الأولوية القصوى، بدءاً من التجارة إلى مخاطر تغير المناخ.
*أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة ستانفورد، وزميل رفيع في معهد هووفر. كان رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في الفترة من 1989 إلى 1993، وترأس ما تسمى لجنة بوسكين، وهي هيئة استشارية في الكونغرس سلطت الضوء على الأخطاء في تقديرات التضخم الأميركية الرسمية.
*خاص بـالغد، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات