عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Jan-2026

الحج إلى المغطس بطبعته السادسة والعشرين*الاب رفعت بدر

 الراي

لم تمنع أحوال الطقس الماطرة بغزارة، جماهير المؤمنين من التوجّه إلى موقع المعمودية (المغطس)، صباح الجمعة الثانية من شهر كانون الثاني، لإحياء يوم الحج السنوي للكنائس الكاثوليكية. تقليدٌ روحي عمره ستة وعشرون عامًا، بات علامة ثابتة في الذاكرة الكنسيّة والوطنيّة، ورسالة حيّة تؤكد أنّ هذا المكان المقدّس أقوى من الظروف وأعمق من التحدّيات.
في هذا العام 2026 نستذكر محطّتين مفصليّتين في تاريخ الحج إلى المغطس. الأولى تعود إلى كانون الثاني من عام 2000، حيث انطلق هذا الاحتفال السنوي للمرة الأولى، وكان حينها احتفالاً مشتركًا لجميع الكنائس. يوم استثنائي اجتمع فيه نحو أربعين ألف مؤمن، أضيئت خلاله ألفا شمعة، احتفالاً بالألفية الثانية لميلاد السيد المسيح. أمّا المحطة الثانية، فكانت في 21 آذار في العام نفسه، حين عاد المؤمنون وبذات الأعداد إلى المغطس برفقة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، في زيارة تاريخية ستبقى محفورة في ذاكرة المكان والإنسان. ولا أنسى هنا منظر وزير السياحة الراحل عقل بلتاجي ، حين كان يسير إلى جوار البابا ويشرح له أهمية وأصالة المغطس.
 
ومنذ عام 2001، جرى الاتفاق على تنظيم الحج على مرحلتين: الجمعة الثانية من كانون الثاني للكنائس الكاثوليكية، والجمعة الثالثة للكنائس الأرثوذكسية. وهكذا، عامًا بعد عام، ينزل المؤمنون إلى مياه الأردن المقدّسة، يغترفون منها نعمة روحية متجدّدة، ويعودون محمّلين بطاقة إيمان تساعدهم على عيش السنة بمخافة الله ومحبة القريب.
 
بعد ستة وعشرين عامًا على افتتاح موقع المغطس، نقف هذا العام شاكرين الله على نعمة الأمن والاستقرار في بلدنا الحبيب الأردن، وهو ما يتيح الاستمرار في هذا التقليد المقدّس. تقليدٌ لا يقوم على جهد جهة واحدة، بل هو ثمرة تعاون متكامل بين هيئة المغطس، برئاسة سموّ الأمير غازي بن محمد، ووزارة السياحة، وهيئة تنشيط السياحة، وإدارة الموقع، والكنائس بلجانها المتعدّدة، ووسائل الإعلام، جميعهم يعملون معًا لإظهار صورة مشرقة تليق بالمكان، وتوجّه رسالة واضحة إلى العالم: الأردن أرض مقدسة وآمنة ومفتوحة للحج.
 
ويأتي احتفال هذا العام بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار والهدنة في غزة، ما أراح نفوس المشاركين، وفتح نافذة أمل لعودة الحركة السياحية، التي تأثّرت خلال السنوات الماضية بالحرب في المنطقة، وقبلها بجائحة كورونا. واليوم، ومع بدء التعافي، تتجدّد العزيمة لمواصلة استقبال الحجاج من مختلف أنحاء العالم.
 
وقد برز هذا العام أمران لافتان: الأول، مشاركة وفود كنسية وإعلامية دولية بدعوة من هيئة تنشيط السياحة، منها وفود أساقفة من الفلبين، ووفود إعلامية من إسبانيا وفرنسا، إضافة إلى وفد من الفاتيكان، على رأسه السيد أندريا تورنيلي، مدير التحرير في دائرة الاتصالات بالفاتيكان، وقد شارك في المؤتمر الصحفي الذي يعقده سنويًّا المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في موقع المغطس، إلى جانب سيادة المطران إياد الطوال، مترئس الاحتفال، ومعالي وزير السياحة الدكتور عماد حجازين. وكان حديث تورنيلي لافتا عن الزيارات البابوية المتتالية إلى الأردن، ودعوته المؤمنين في العالم إلى زيارة هذه الأرض المقدسة.
 
أما الأمر الثاني، فكان مشاركة عدد من السفراء، ولا سيّما سفراء دول صديقة كبرى، مثل الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وكندا والهند وأستراليا والفلبين وألمانيا وفرنسا وروندا والبرازيل، وطبعا سفير دولة الفاتيكان، وهو حضور بالغ الأهمية لما له من أثر مباشر في تشجيع أبناء هذه الدول على زيارة الأردن والحج إلى المغطس.
 
ويأتي هذا كلّه في أعقاب زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الفاتيكان، حيث وجّه دعوة لقداسة البابا لاون الرابع عشر لزيارة موقع المعمودية – المغطس. ولم يأتِ البيان وقتها على ذكر الأردن بقدر ما ركّز على الموقع نفسه، وكأنّ المغطس بات هوية سياحية وروحية قائمة بذاتها، تختصر الأردن وتعرّف عنه. ويبقى الأمل كبيرًا في تلبية هذه الدعوة الملكية السامية، ليكون البابا الحاج خامس حبر أعظم يزور هذا الموقع في العصر الحديث.
 
ننظر إلى المستقبل برجاء، ومع جهود القائمين على موقع المعمودية، ووزير السياحة النشط، ومدير هيئة تنشيط السياحة الجديد رمزي المعايطة، نأمل بربيع مزهر للسياحة الدينية في بلدنا الحبيب. ربيعٌ يتحقّق بتضافر الجهود، وبإطلاق برامج ترويجية مدروسة، وتنظيم زيارات رسمية لمختصّي السياحة في مختلف دول العالم، بالتعاون مع الكنائس ووسائل الإعلام المختصة، لوضع الأردن على خارطة الحج الديني للسنوات المقبلة.
 
كل عام والأردن بألف خير، وكل عام وهذه الجهود المباركة بألف خير ومسرّة.