من التهديد العسكري إلى طاولة التفاوض.. ماذا بعدها؟*معاذ وليد أبو دلو
الغد
منذ مطلع هذا العام، ومع تصاعد التحركات العسكرية الأميركية في الإقليم، وتزايد التصريحات الصادرة عن رئيس الولايات المتحدة الأميركية بشأن احتمالية التدخل العسكري ضد إيران، شهد المشهد الإقليمي حالة غير مسبوقة من الترقب والقلق.
فقد تنقلت التبريرات الأميركية لاستخدام القوة بين ذرائع متعددة؛ بدأت بادعاءات تتعلق بحماية الأمن والاستقرار في مواجهة «قمع المتظاهرين» في إيران ثم ما لبثت أن عادت إلى الخطاب التقليدي المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، والدور الإقليمي لطهران في الشرق الأوسط.
هذه التحولات في الخطاب الأميركي، وما رافقها من حشود عسكرية وتصعيد سياسي وإعلامي، لم تُقرأ فقط في إطارها العسكري أو الدبلوماسي، بل تحولت سريعاً إلى ما يشبه «بورصة سياسية» يتداولها المحللون والخبراء، وكأن قرار الحرب وتوقيتها قد حسم سلفاً ، وأن بعض المحللين على اطلاع بتفاصيله الدقيقة.
إن هذا النمط من التحليل، ولا سيما الصادر عن بعض المحللين في الأردن، له انعاكسات سلبية على الحالة الاقتصادية الداخلية لدينا، إذ يسهم بوجهة نظر كاتب المقال؛ في تعميق حالة القلق والتي تلقي بظلالها على قطاعات حيوية كالسياحة والاستثمار والتجارة، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الوطني أصلاً من تحديات بنيوية وضغوط إقليمية مزمنة.
وبالعودة إلى القراءة المتأنية للتحركات الأميركية، سواء على المستوى العسكري الميداني أو على مستوى التصعيد الكلامي، تقود إلى نتيجة لافتة؛ مفادها أن هذا التصعيد، خلافاً لما يروج له،
جاء في جوهره لمصلحة النظام الإيراني أكثر مما أضر به. فقد أسهمت حالة التهديد الخارجي المباشر في إعادة ترتيب الأولويات داخل إيران، وأضعفت بشكل ملموس زخم الحراك الشعبي الواسع الذي شهدته البلاد في الأشهر الأخيرة وأوقفته.
واللافت أن هذه الاحتجاجات الشعبية تعد، وفق تقديرات وتقارير خارجية، الأكبر والأكثر دموية منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979. إذ تشير هذه التقديرات إلى سقوط ما يزيد على ثمانية آلاف قتيل خلال أقل من ثلاثة أسابيع، في سياق حراك شعبي وجه أساساً ضد بنية النظام السياسي ذاته. إلا أن انتقال المشهد من صراع داخلي إلى حالة «تهديد خارجي وجودي» مكن السلطة الإيرانية من تعبئة الشارع تحت شعار الدفاع عن السيادة الوطنية، وتحويل بوصلة الصراع من مواجهة داخلية إلى اصطفاف خارجي ، إلى حد الآن.
اليوم، وحتى تاريخ كتابة هذا المقال، جاءت التصريحات الإيرانية واضحة وصريحة؛ إذ أكدت طهران أنها ستعمل على زعزعة الأمن والسلم الإقليميين، وأن أي ضربة عسكرية تتعرض لها ستقود إلى حرب شاملة لا تقتصر على حدودها الجغرافية. في المقابل، تحركت الدول الإقليمية والدولية لمحاولة احتواء التصعيد، والدفع باتجاه مسار تفاوضي يعالج ملفات البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، والدور الإقليمي لإيران، في إطار تسوية سياسية شاملة أو مرحلية ، وهذا ما تم في مرحلته الأولية بمسقط.
لكن الإشكالية القانونية والسياسية الأبرز، تبرز في سيناريو بالغ الحساسية: ماذا لو تم التوصل إلى اتفاق تفاوضي على جميع نقاط الاختلاف ويتضمن، صراحة أو ضمناً، توجيه ضربة عسكرية “محدودة” لإيران، محددة الزمان والمكان، تحت ذريعة حفظ التوازن أو “حفظ ماء الوجه” هنا يثور السؤال الجوهري حول طبيعة رد الفعل الإيراني، ليس فقط عسكرياً، بل على مستوى الصورة الخارجية للنظام، وشرعية قيادته المرجعية والسياسية والعسكرية.
ستجد إيران نفسها أمام معادلة معقدة: فهي، من جهة، ستسعى إلى تثبيت سردية «الصمود والانتصار» أمام جمهورها الداخلي، ومن جهة أخرى ستعمل على تجنب رد عسكري مباشر واسع قد ينسف أي مسار تفاوضي قائم.
أما على صعيد الصورة الخارجية، فإن قبولها الضمني بضربة محدودة سيفسر، كتنازل سياسي، بينما سيعاد تسويقه داخلياً كجزء من معركة طويلة الأمد مع «الاستكبار العالمي».
وعدم الاحترام للقانون الدولي،
أما على مستوى القيادة المرجعية والسياسية والعسكرية، فإن التحدي الأكبر يتمثل في الحفاظ على تماسك الخطاب، وضبط التوازن بين منطق الدولة ومنطق الثورة، وبين ضرورات التفاوض ومتطلبات الردع. ذلك أن أي اختلال في هذا التوازن قد يفتح الباب أمام تشققات داخلية، أو يعيد إحياء الاحتقان الشعبي المؤجل، لا المنتهي.
في المحصلة، فإن المشهد الإقليمي يقف عند مفترق بالغ الدقة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الاعتبارات القانونية والسياسية، وتتداخل المصالح الدولية مع التوازنات الداخلية للدول المعنية. والأيام القادمة، حبلى بالتحولات، لا على مستوى إيران وحدها، بل على مستوى الإقليم بأسره، بما في ذلك الدول الأكثر تأثراً بالارتدادات السياسية والاقتصادية غير المباشرة.