عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Feb-2026

"الأسئلة الخاطئة".. حينما تتحول لعوائق غير مرئية في طريق الكفيف

 الغد-ربى الرياحي

  كيف تحلم؟ كيف تستخدم الهاتف؟ هل ترى سوادا طوال الوقت؟ كيف تأكل؟ ولماذا تخرج وحدك؟ تبدو هذه الأسئلة بريئة ظاهريا، لكنها في الواقع تحمل افتراضا قاسيا أن الحياة لا تكتمل إلا بطريقة واحدة، وأن من يخرج عنها يعيشها منقوصة.
 
 
وهنا يبدأ الأثر الحقيقي لهذه الأسئلة؛ فهي لا تجرح فقط، بل تراكم شعورا خفيا بأن على الكفيف أن يبرر وجوده، وأن يشرح كيف استطاع أن ينجو من قسوة فقدان البصر. هذه الأسئلة الخاطئة تختزل الكفيف في حاسة غائبة، وتغفل عن عالم داخلي كامل ينبض بالقدرة والإحساس والخبرة.
لكن المفارقة أن الكفيف مع الزمن يتعلم التمييز بين السؤال الذي ينبع من إنسانية صادقة، وذلك الذي يختبئ خلف الشفقة أو الجهل. يتعلم أن بعض الأسئلة لا تستحق جوابا، وأن صمته أحيانا هو حماية لكرامته لا ضعفا.
الأسئلة الخاطئة تثقل الروح والقلب؛ هذا ما يؤكده ياسر (39 عاما)، يقول: فقدانه للبصر جعله يرى في فضول الآخرين عبئا يذكره بما فقد لا بما يملك.
 أسئلة كثيرة تُطرح عليه غالبا بدافع الشفقة أو الجهل، تطالبه بأن يبرر ويشرح، لكنه مع ذلك يرفض أن يُنظر إليه من باب العجز لا القدرة.
ويبين أنه كشخص كفيف يرى أن الأفضل عدم السؤال، لنترك مساحة للإنسان أن يعرف عن نفسه بنفسه، أن يخبرنا عما يريد مشاركته لا عما نُصر على اقتحامه.
 فالأذى الحقيقي لا يكمن في السؤال ذاته، بل في النظرة التي تقف خلفه؛ نظرة تختزل الإنسان فقط في إعاقته.
أما دارين فتستهجن تعرضها يوميا لأسئلة غير منطقية من وجهة نظرها، تخلو من الاحترام. تقول: الأسئلة الخاطئة تحاصر الكفيف، سجنه في قالب ضيق لا يشبهه، تعيده إلى نقطة لم يخترها يوما. فمثلا سؤال: كيف تحلم؟ هو سؤال قد يُطرح بسبب الغموض المحيط به، لكن الحقيقة أن الكفيف يحلم كما يعيش: بأصوات، بمشاعر، برائحة مكان أحبه، وبنبرة صوت اشتاق لها. الحلم إحساس، والإنسان لا يفقد قدرته على الإحساس حين يفقد البصر.
وهناك سؤال آخر لا تنساه سمعته من إحدى زميلاتها في العمل. السؤال كان: هل ترين سوادا طوال الوقت؟ دارين في تلك اللحظة قررت أن تجيب بكل ثقة، مستغلة الفرصة لتوعية أكبر عدد ممكن من الناس. جوابها كان أن كثيرا من المكفوفين لا يرون لا سوادا ولا بياضا، بل يعيشون خارج هذه الفكرة.
تقول: سؤال كهذا يحصرنا في صورة مظلمة لم نخترها ويقيدنا بلون واحد، وهذا ليس صحيحا.
 يواجه الكفيف تحدي الإعاقة البصرية ويواجه معها نظرة اجتماعية مثقلة بالفضول والشفقة وسوء الفهم، فالكثير من التفاعلات اليومية التي يمر بها لا تقوم على الوعي أو الاحترام، بل على أسئلة متكررة تجعله يشعر بأنه مختلف، وأن عليه في كل مرة أن يبرر وجوده أو يشرح حياته للآخرين.
 كثيرا ما ينهال الناس على الكفيف بأسئلة شخصية تتجاوز حدود اللباقة، مثل: كيف تأكل؟ كيف تعرف الناس؟ كيف تتحرك؟ كيف تعيش حياتك؟ وهي أسئلة قد تبدو في ظاهرها بريئة، لكنها في حقيقتها تحمل رسالة خفية مفادها أن حياة الكفيف غير طبيعية، وأنها تستحق الاستغراب والتفتيش.
 المشكلة ليست في الرغبة بالمعرفة، بل في تحويل الكفيف إلى مادة للفضول، لا إلى إنسان له خصوصية وحدود.
 مدربة المهارات الحياتية نور العامري ترى أن التفاعل الاجتماعي يعد أحد العوامل الجوهرية المؤثرة في الصحة النفسية للأفراد ذوي الإعاقة البصرية، حيث يتعرض المكفوفون بشكل متكرر لأسئلة تتعلق بقدراتهم الوظيفية واستقلاليتهم اليومية.
 ورغم أن هذه الأسئلة غالبا ما تُطرح بنوايا غير عدائية، إلا أن تكرارها وصياغتها قد يحمل دلالات نفسية ضمنية تؤثر على صورة الذات، وتقدير الكفاءة، والتوازن النفسي.
الأثر النفسي للأسئلة المشككة في القدرة تفسرها العامري بعدة نقاط.
  تأثيرها على صورة الذات
التعرّض المستمر لأسئلة تشكك ضمنيا في القدرة قد يؤدي إلى اضطراب في صورة الذات، حيث يبدأ الفرد بإعادة تقييم كفاءته من خلال نظرة المجتمع.
 ومع مرور الوقت، قد تنشأ فجوة بين التقدير الذاتي الداخلي والرسائل الخارجية، مما يضعف الثقة بالنفس ويعزز الشعور بالاختلاف.
 التحوّل من الفضول إلى الضغط النفسي
يتحوّل السؤال من فضول مشروع إلى ضغط نفسي عندما يصبح متكررا، أو يُفترض العجز مسبقا، أو يُطرح بطريقة تتطلب تبريرا لسلوك طبيعي.
 في هذه الحالة، لا يؤدي السؤال وظيفة معرفية، بل يتحول إلى عامل ضغط نفسي مزمن.
 استدماج النظرة المجتمعية السلبية
في بعض الحالات، ومع تكرار الرسائل الضمنية المشككة، قد يقوم الفرد الكفيف باستدماج نظرة المجتمع السلبية تجاه الإعاقة، مما يؤدي إلى خفض سقف التوقعات الذاتية وتقييد الطموح دون وعي.
الاستنزاف النفسي بين الشرح والحماية الذاتية
يواجه الكفيف صراعا داخليا بين رغبته في التوعية وشرح تجربته للآخرين، وبين حاجته لحماية ذاته من الاستنزاف النفسي.
 ويُعد الوعي بأن الشرح خيار اختياري، وليس التزاما أخلاقيا، عاملا أساسيا في الحفاظ على الاتزان النفسي.
تطبيع الإنجاز القسري
عندما يُطلب من الفرد شرح تفاصيل حياته اليومية وكأنها إنجازات استثنائية، قد يؤدي ذلك إلى تشويه التجربة الذاتية، حيث يشعر الفرد إما بضغط لإثبات التميز أو بتقليل ضمني من طبيعية حياته، مما يؤثر سلبا على الشعور بالاستحقاق والراحة النفسية.
 تعزيز شعور إثبات الكفاءة
الأسئلة غير المناسبة قد تخلق لدى الفرد حالة دائمة من السعي لإثبات الكفاءة، لا بدافع النمو الصحي، بل كآلية دفاعية. هذا النمط قد يؤدي إلى إجهاد نفسي مزمن واحتراق عاطفي.
 الأثر غير المتكافئ للتجارب الجارحة
تشير الخبرة السريرية إلى أن موقفا واحدا جارحا قد يترك أثرا نفسيا أعمق من عدد كبير من المواقف الداعمة، نظرا لارتباطه المباشر بالهوية وبخبرات الفقد السابقة.
 الصمت كآلية نفسية
قد يتخذ الصمت شكل قوة نفسية واعية تهدف لحماية الحدود الذاتية، أو قد يكون آلية دفاعية لتجنّب الألم.
 ويعتمد التمييز بين الحالتين على درجة الوعي والاتزان الداخلي المصاحب للصمت.
تشكّل الحدود النفسية
تتكوّن الحدود النفسية لدى الكفيف من خلال التجارب المتراكمة، والدعم الأسري والمجتمعي، والتدخلات النفسية عند الحاجة. وتُعد هذه الحدود عنصرا أساسيا في تعزيز الشعور بالأمان النفسي والكرامة الذاتية.
إعادة تنشيط ألم الفقد
قد تعمل بعض الأسئلة غير الحساسة كمحفزات نفسية تعيد إحياء مشاعر الفقد، حتى بعد سنوات من التكيّف الوظيفي، ما يؤكد أن التكيّف لا يعني غياب الأثر الانفعالي بالكامل، وفق ما تقوله المدربة الحياتية نور العامري.
ولا تقلّ الشفقة المجتمعية ضررا عن الفضول. فالشفقة الزائدة، وإن قُدّمت تحت غطاء التعاطف، قد تكون مؤذية نفسيا، لأنها تُبقي الكفيف في موقع الضعف والدونية.
 حين يُعامل على أنه مسكين أو ضحية أو بطل لأنه يعيش رغم إعاقته، فإن المجتمع يسلبه حقه في أن يكون إنسانا عاديا ينجح ويفشل ويخطئ دون أن تُربط كل تفاصيل حياته بإعاقته.
 الشفقة لا تدمج، بل تعزل، لأنها تضع حاجزا غير مرئي بين الكفيف والآخرين.
وتسهم الأسرة والمدرسة، أحيانا دون قصد، في ترسيخ هذه النظرة، وفق مختصين؛ فالحماية الزائدة داخل الأسرة، أو التحدث باسم الكفيف بدلا عنه، أو منعه من التجربة خوفا عليه، كلها ممارسات تُرسّخ صورة العجز في وعيه ووعي المحيطين به.
 أما في المدرسة، فقد يُقدَّم الكفيف كنموذج للشفقة أمام الطلبة، أو يُسمح بطرح أسئلة محرجة علنا، أو يُختزل دوره في إعاقته لا في قدراته، فينشأ الأطفال وهم يرون الكفيف كحالة خاصة لا كفرد طبيعي داخل الجماعة. كما تؤدي وسائل الإعلام دورا بارزا في تكريس الصورة النمطية عن الكفيف، إذ غالبا ما يُقدَّم إما كضحية بائسة تستدر العاطفة، أو كبطل خارق تحدَّى إعاقته.
 وفي كلا النموذجين، يتم تغييب الصورة الواقعية للكفيف كإنسان يعيش حياة طبيعية، له طموحات ومشكلات يومية لا تختلف كثيرا عن الآخرين.
 ووسائل الإعلام، حين تبالغ في التناول العاطفي، تكرّس المسافة بدل أن تُقرِّب.
وتختلف الأسئلة الموجَّهة للكفيف في تأثيرها تبعا لطريقة طرحها وهدفها. فهناك أسئلة تُشعره بأنه موضع فحص واختلاف، وأخرى تحترم إنسانيته وحقه في الاختيار.
 الفرق يكمن في أن السؤال المحترم لا يفترض العجز، ولا يتعدى على الخصوصية، بل يُطرح بدافع التفاهم لا الفضول.
في النهاية، ليست المشكلة في فقدان البصر، بل في الوعي الاجتماعي. وعندما يعي المجتمع أن يرى الكفيف بإنسانيته لا بإعاقته، تصبح الأسئلة أقل، والاحترام أكبر، ويصبح الاندماج واقعا لا شعارا.