عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jan-2026

لماذا كل هذا الاستغراب لانقلاب ترامب في فنزويلا؟

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
سايمون جينكنز – (الغارديان) 6/1/2026
الرؤساء الأميركيون يعدون بالعزلة… ويقدمون الحرب
يأتي ما جرى في كاراكاس الأسبوع الماضي في سياق طويل من التدخلات الأميركية. البيت الأبيض يمتلك قوة هائلة، ولا يتردّد أبدًا في استخدامها.
 
 
الآن، شرعت الحقيقة في التسرّب تدريجيًا. لم يكن ما حدث الأسبوع الماضي في كاراكاس غزوًا، بل انقلابًا. كان اختطافًا عسكريًا لحاكمٍ بهدف تمكين نائبته، التي تحظى بقدر أكبر من القبول، من تولّي السلطة. وبحسب التقارير، منذ نيسان (أبريل) من العام الماضي كانت نائبة الرئيس –والرئيسة المؤقتة حاليًا– ديلسي رودريغيز، وشقيقها خورخي، رئيس "الجمعية الوطنية الفنزويلية"، يتعاملان سرًا مع واشنطن. ويُقال أن ذلك جرى عبر أحد المراكز الساخنة للدبلوماسية غير الرسمية: قطر.
وما نزال نجهل التفاصيل. لكن الإشاعات التي تقول بأن ما جرى الأسبوع الماضي كان مُعدا ليبدو فاضحًا إلى حدّ الصدمة، تبدو معقولة -بما في ذلك إدانة ديلسي رودريغيز الأولية لما حدث بوصفه عملًا شنيعًا. وقد تمّ تسليم الرئيس نيكولاس مادورو إلى الأميركيين بسرعة ومن دون مقاومة. وكانت الهفوة الوحيدة هي وصف ترامب لديلسي بأنها "لطيفة للغاية" قبل أن تُؤدّي اليمين الدستورية على عجل بعد المداهمة بوقت قصير. لكنّ الهفوة الأكثر خطورة كانت استخفافه بزعيمة المعارضة، ماريا كورينا ماتشادو، واعتباره أنها تفتقر إلى "الدعم داخل البلاد أو إلى الاحترام فيها". وكانت ماتشادو قد دعمت إدمنـدو غونثاليث أوروتيا، الفائز المرجّح في الانتخابات الفنزويلية المزوّرة للعام 2024، وهو الدعم الذي نالت بسببه جائزة نوبل للسلام التي كان ترامب يتوق إليها بشدة. فلماذا لم يأتِ ترامب على ذكره؟
بطبيعة الحال، ينبغي الإقرار بأن هذه القضية تمثّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي. لكنّ الولايات المتحدة نادرًا ما أولت هذا القانون اهتمامًا يُذكر. وكانت المفاجأة الحقيقية هي حجم الدهشة نفسها. فقد وجد الرئيس الأميركي تلو الآخر في "القدر المتجلّي" للولايات المتحدة –إعلان الحرية والترويج لها حيثما اعتُبرت مطلوبة– فكرة أكثر إغراءً. أما كون الهجوم على كاراكاس غير دستوري على المستوى الداخلي أيضًا -من حيث أن الكونغرس الأميركي هو الذي يملك وحده الحق في إعلان الحرب، فيُفترض أنه جرى الالتفاف عليه بالادّعاء بأن ما جرى في فنزويلا كان مجرد "عملية إنفاذ للقانون".
من الواضح أن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، يراهن على جميع الاحتمالات من خلال امتناعه عن التسرّع في استخلاص النتائج. وقد قال بالكاد أي شيء عن الحادثة. في العام 1983، حين أطاح رونالد ريغان على نحو مماثل بنظام يساري في غرينادا، الجارة القريبة لفنزويلا، اتصلت به مارغريت تاتشر لتحتجّ بغضب شديد على الهجوم غير المبرَّر على دولة عضو في الكومنولث. وقد تلقّى ريغان تلك المكالمة بحضور مساعديه، وحوّل حديثها الغاضب إلى مكبّر الصوت في الهاتف، ثم قال مبتسمًا: "يا للعجب، أليست رائعة"؟
بعد عملية نهاية الأسبوع الماضي، من الطبيعي تمامًا أن يسعى الناس إلى فهم ما جرى ودوافعه، لكن الحقيقة هي أن التدخلات الدولية التي تقوم بها الدول القوية مشبعة بالنفاق. ربما يكون هدفها الحقيقي تحقيق مكسب تجاري أو مجد داخلي، وقد يكون مساعدة حليف. وقد يكون الهدف ببساطة تحسين الصورة. في خطاب تنصيبه في العام 1961، تعهّد الرئيس جون إف. كينيدي بأن الولايات المتحدة "ستدفع أي ثمن، وتتحمّل أي عبء، وتواجه أي مشقّة، وتدعم أي صديق، وتعارض أي عدو، لضمان بقاء الحرية ونجاحها". ثم ما لبث أن صعّد الصراع في فيتنام.
بدأ جميع الرؤساء الأميركيين ولاياتهم بالامتثال لنداء جورج واشنطن في العام 1796 الداعي إلى العزلة، بالتعهّد بالابتعاد عن النزاعات البعيدة "التي تكون أسبابها في جوهرها غريبة عن اهتماماتنا". وهكذا تعهّد وودرو ويلسون بعدم القتال في الحرب العالمية الأولى، وفعل فرانكلين روزفلت الأمر نفسه بشـأن الحرب العالمية الثانية. وفي العام 1940، قال روزفلت لأمهات أميركا: "سأقولها مرة مرة أخرى وأخرى: لن يتم إرسال أبنائكن إلى أي حروب أجنبية". وبعد ما يزيد قليلًا على عام واحد، فعل ذلك بالضبط، كما فعل ويلسون من قبله.
الحقيقية هي أن النفوذ العالمي للبيت الأبيض ومؤسسة البنتاغون يبدو، مع مرور الوقت، عصيًّا على المقاومة. وهو يستجدي القيام باستخدامه. عندما تلاشى التهديد السوفياتي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، أعرب مساعد ميخائيل غورباتشوف، غيورغي أرباتوف، كبير "الأميركيين" في الكرملين، عن تعاطفه مع نظرائه الأميركيين قائلًا: "سوف نفعل بكم أمرًا فظيعًا. سوف نحرمكم من عدو".
لكن الولايات المتحدة لم تفعل سوى البحث عن عدو جديد، وبشكل شبه مهووس، ونادرًا ما أبدت اهتمامًا يُذكر بالقانون الدولي. عندما قام جورج بوش الأب في العام 1990 باختطاف رئيس بنما مانويل نورييغا بوصفه تاجر مخدرات، لم يقلق أحد كثيرًا بشأن القانون. ولم تفعل بريطانيا ذلك أيضًا في العام 1999 عندما شاركت في قصف بلغراد الذي كان غير القانوني بوضوح، ونشرت قوات لحفظ السلام في كوسوفو. وعندما شاركت في هزيمة صدام حسين في العام 2003، كان التبرير هو أن الرئيس العراقي يهدد الأمن القومي البريطاني. وكان ذلك سخيفًا بوضوح، ومع ذلك ابتلعه البرلمان. ثم تم تبرير مساعدة بريطانيا في الإطاحة بقادة أفغانستان وليبيا ببساطة بأنهم "أشخاص سيئون". وتشعر الدول الغنية بأن عليها التزامًا بمساعدة الدول التي يعاني مواطنوها من الاضطهاد، وهو تقريبًا نفس السرد الذي يقدّمه ترامب اليوم.
حتى الآن على الأقل، كان ترامب يصرّ بشدة على النأي بنفسه عن خطاب "شرطيّ العالم" الذي تبنّاه أسلافه. وقد زعم أنه تعلّم دروس فشل "بناء الأمم". وفي العام الماضي أعلن أن الولايات المتحدة سئمت من "حلف شمال الأطلسي"، (الناتو)، ومن الدفاع عن أوروبا. وفي خطاب ألقاه في العاصمة السعودية، الرياض، قوبل ترامب بالتصفيق حين دعا إلى وضع حدّ لإلقاء المحاضرات على العالم حول كيفية التصرّف. وبحسب رأيه، فإن "ما يُسمّون بـ(بُنَاة الأمم) دمّروا أممًا أكثر بكثير مما بنَوا".
لكنّ انقلاب الأسبوع الماضي فاحت منه رائحة انعطاف حادّ بمقدار 180 درجة عن هذا الخط. قال ترامب أنه يعتزم إدارة فنزويلا "مع مجموعة" و"نقلها" إلى الاستقرار. وبدا وكأنه يفترض أن الانقلاب سينجح كما نجح في بدايته، وأنه لن يتطلّب أي ممارسة إضافية للقوة الأميركية. ولا يسعنا سوى الانتظار لمعرفة ما سيحدث.
مع ذلك، يبدو أن مهندس سياسات ترامب، ستيفن ميلر، يتصوّر ما لا يقل عن "ملحق ترامبي" لـ"عقيدة مونرو". كانت العقيدة الأصلية قد أعلنت مسؤولية الولايات المتحدة عن حماية الأميركيتين بأكملهما من الاستعمار الأوروبي. وكان ملحق سابق لها، في عهد ثيودور روزفلت، قد تعهّد بأن واشنطن ستلجأ، "ولو على مضض، في الحالات الصارخة من سوء السلوك أو العجز، إلى ممارسة سلطة الشرطة الدولية".
والآن، يبدو أن ملحق ترامب يتمثّل في استخدام "الأمن القومي" لتبرير اجتياح غرينلاند، وربما كوبا، وحتى كندا. وقد أفيد بأن زوجة ميلر شاركت خريطة لغرينلاند مكسوّة بالنجوم والخطوط. وسيعني ذلك فعليًا قيام إمبراطورية أميركية في الأميركيتين، وهو جنون صريح بلا ريب.
ربما يكون أقرب ما يمكن أن يصل إليه ترامب لتبرير مغامرته الفنزويلية هو إجراء انتخابات مبكرة وعودة الديمقراطية إلى بلد أراه، شخصيًا، بلدًا رائعًا بحق. لكن ترامب لم يذكر الديمقراطية، حتى الآن. وهو رئيس مختلف جدًا، لكنه في بعض الوجوه لا يختلف عن الكثيرين من أسلافه الذين استمتعوا بإمكانات القوة الأميركية وباستخدامها. وفي هذه الأوقات يلوح في الأفق عراق آخر -مستنقع أو ما هو أسوأ. وربما سيكتشف ترامب أن نزعة جورج واشنطن الانعزالية كانت هي الخيار الصائب.
*سيمون جنكينز Simon Jenkins: كاتب وصحفي بريطاني بارز في صحيفة "الغارديان"، يُعد من أبرز الأصوات الليبرالية النقدية في الصحافة البريطانية المعاصرة. شغل سابقًا مناصب تحريرية رفيعة، من بينها رئاسة تحرير "التايمز" و"الإيفنينغ ستاندرد". كتب على مدى عقود مقالات تحليلية مؤثرة في الشؤون البريطانية والدولية، مع اهتمام خاص بقضايا الديمقراطية، والسياسة الخارجية، والعمارة والتراث الحضري. وهو مؤلف كتاب "تاريخ موجز لأميركا: من حزب الشاي إلى ترامب".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why the surprise over Trump’s Venezuela coup? US presidents promise isolation – and deliver war