عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Jan-2026

ترامب يعلم العالم الخوف من أميركا

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
فريد زكريا* - (فورين بوليسي) 12/1/2026
على المدى الطويل، لن تزداد أميركا تتصرف كمفترس أناني خالص على المسرح العالمي قوة، وإنما ستزداد وحدة. سوف يعمد الحلفاء إلى التحوّط. وسوف يبحث الشركاء عن بدائل. وسينأى المحايدون بأنفسهم عنها تدريجيًا.
 
 
على امتداد مسار التاريخ، واجهت الدول الأقوى في غالب الأحيان صعوبة في العثور على أصدقاء. كان الأمر أنه كلما ازدادت الدولة هيمنة، مال الآخرون إلى موازنتها والوقوف في وجهها. وما على المرء سوى أن ينظر إلى جيران روسيا في أوروبا الشرقية، حيث سارعت الدول إلى الانضمام إلى "حلف شمال الأطلسي" بمجرد أن أتاح العالم لها ذلك. وأن ينظر إلى محيط الصين في آسيا، حيث شددت اليابان والهند وأستراليا وفيتنام وغيرها علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة ومع بعضها بعضًا تدريجيًا، ردًا على صعود بكين.
لكننا عندما ننظر إلى الولايات المتحدة، تشرع هذه النظرية في الاهتزاز. اليوم، تعد الولايات أقوى دولة في العالم. ومع ذلك، لا تسعى كثير من أغنى الدول وأكثرها قدرة إلى موازنتها، بل تتحالف معها. وفوق ذلك، تحتكم هذه الدول إليها في القضايا الأمنية الجوهرية، وتستضيف قواتها، وتدمج جيوشها مع الجيش الأميركي. وليس هذا واقعًا طبيعيًا في السياق الطويل للتاريخ الحديث؛ إنه، في الواقع، حالة تكاد تكون فريدة.
لماذا؟ ليس لأن الولايات المتحدة دولة قديسة، بل لأنها غالبًا ما تصرفت بشكل مختلف عن المهيمن التقليدي. على مدى ثمانية عقود منذ الحرب العالمية الثانية، حاولت هذه الدولة في العادة تحويل قوتها الخام إلى شيء يمكن للآخرين قبوله: قواعد، ومؤسسات، وشرعية. ومالت إلى بناء تحالفات بدلًا من أنظمة جزية، وتحدثت بلغة المبادئ -الأمن الجماعي، وتقرير المصير، والتجارة المفتوحة- حتى عندما كانت تخفق في الوفاء بهذا بالكامل.
ولنتأمل واقعة كثيرًا ما يتم تقديمها بوصفها أيقونة الأحادية الأميركية: حرب العراق. لست أدافع عن حكمة تلك الحرب، وإنما أود أن أطرح نقطة أوسع تتعلق بموقف أميركا من النظام الدولي. في تلك الحرب، سعت إدارة جورج دبليو بوش إلى الحصول على تفويض من الكونغرس في العام 2002. وذهبت إلى الأمم المتحدة، وأسهمت في استصدار قرار مجلس الأمن رقم 1441. كما جمعت ائتلافًا من 49 دولة دعمت ذلك الجهد. وشعرت واشنطن بأنها مُلزَمة بتقديم المبررات، وجمع الشركاء، والبحث عن مسوغات واسعة ومقبولة لدى الآخرين.
كان هذا الجهد لتحويل القوة إلى شرعية هو الركيزة الخفية للتفوق الأميركي. عندما تتصرف الولايات المتحدة بوصفها صانعةً للقواعد وليس مبتزّةً، فإنها تشتري شيئًا أثمن من الخوف: القبول. والقبول هو ما يحوّل الهيمنة إلى قيادة، ويحوّل القيادة إلى نظام تفضله الدول الأخرى على البدائل. وهو أيضًا ما يمنع الاندفاع من أجل الموازنة من الحدوث.
هذا بالضبط ما أصبحت قصة فنزويلا الراهنة تعرّضه للخطر. ولا يتعلق الأمر بالغارة على نيكولاس مادورو بحد ذاتها، وإنما يكمن في التجاهل الفجّ للقانون والأعراف والتحالفات والدبلوماسية الذي يميز هذا القطع في السياسة الخارجية الأميركية.
في مقابلة مع شبكة (سي. إن. إن)، صرّح نائب كبير موظفي البيت الأبيض، ستيفن ميلر، بوضوح بالغ، بأن "الولايات المتحدة الأميركية تدير فنزويلا"، وأعرب عن ازدراء لـ"المجاملات الدولية"، وأكد أن العالم تحكمه "القوة... والعنف... والقدرة"، أي "القوانين الحديدية" للتاريخ. ومن جانبه، قال الرئيس دونالد ترامب إن الولايات المتحدة ستدير فنزويلا إلى حين حدوث "انتقال" -وستأخذ نفطها. وكان ذلك فعل عدوان سافرًا هدفه إثراء الخزينة الأميركية.
إذا كنتَ كنديًا، أو ألمانيًا، أو كوريًا جنوبيًا أو مكسيكيًا، فإن كلمات ميلر ستبعث قشعريرة في أطرافك -ليس لأن أميركا على وشك غزو أوتاوا أو برلين، وإنما لأن المنطق تغيّر. لم يعد الادعاء يقوم على أن القوة الأميركية تُستخدم في خدمة مبادئ أوسع يمكن للآخرين تبنيها -الديمقراطية، والأمن الجماعي، ونظام قائم على القواعد. بدلًا من ذلك، أصبح الادعاء هو أن القوة تمنح التخويل؛ أن أميركا تحكم لأنها تستطيع. وهذا بالضبط هو السلوك الذي تمارسه القوى العظمى ويُنتج جيرانًا قلقين.
استدعى ترامب "عقيدة مونرو" لتبرير العملية. ومن المفيد التذكير بأنه كان يُنظر إلى "عقيدة مونرو" بعد العام 1823 بوصفها عقيدة مناهضة للإمبريالية، تهدف في الأساس إلى منع التدخلات الاستعمارية الأوروبية في نصف الكرة الغربي. ولم تتحول إلى ترخيص للتدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية إلا لاحقًا، خاصة مع "ملحق روزفلت" في العام 1904 في عهد الرئيس ثيودور روزفلت. ولم يدُم ذلك الاندفاع الإمبريالي الأميركي طويلًا، ولم ينتهِ إلى شيء حسن -لا للمنطقة ولا لسمعة أميركا.
خلال العقود الأربعة الماضية، صاغ الجمهوريون والديمقراطيون معًا نهجًا جديدًا ثنائي الحزب تجاه المنطقة. وقد شجع هذا النهج دول أميركا اللاتينية على الابتعاد عن حكم العسكر والتوجه نحو الديمقراطية، وعزّز التجارة والاستثمار ودعم الإصلاح المؤسسي، وعمل مع هذه الدول على معالجة قضايا المخدرات والهجرة. وتقدم المكسيك المثال الأبرز على هذا التحول: ثمة دولة كانت تُعرَّف في السابق بأنها تنطوي على ريبة عميقة تجاه واشنطن، تحولت لتصبح من أقرب الشركاء الاقتصاديين للولايات المتحدة، حيث تربط البلدين سلاسل توريد كثيفة وتعاون يومي في إنفاذ القانون. (وكان صافي هجرة المكسيكيين إلى الولايات المتحدة قريبًا من الصفر خلال معظم القرن الحادي والعشرين).
هذا الرصيد الاستراتيجي الذي بُني على مدى عقود يجري إهداره الآن. وعلى المدى الطويل، لن تزداد أميركا تتصرف كمفترس أناني خالص على المسرح العالمي قوة، وإنما ستزداد وحدة. سوف يعمد الحلفاء إلى التحوّط. وسوف يبحث الشركاء عن بدائل. وسينأى المحايدون بأنفسهم عنها تدريجيًا. وقد يصل أخيرًا ذلك التوازن الذي تنبأ به التاريخ طوال الوقت -ليس لأن أميركا أصبحت ضعيفة، بل لأنها نسيت المصدر الحقيقي لقوتها.
يبدو أن طموح إدارة ترامب هو أن تتصرف أميركا على شاكلة روسيا بوتين: كدولة عدوانية تسعى علنًا وراء تمكين مصالحها الخاصة. ولا شك في أن ميلر محق في الإشارة إلى أن هذا هو الأسلوب الذي تصرفت به القوى الكبيرة خلال جزء كبير من التاريخ. باستثناء أميركا. لقد سلكت الولايات المتحدة، بسير متعثر ومع كثير من الأخطاء، مسارًا مختلفًا خلال العقود الثمانية الماضية، وبنت عالمًا جديدًا يجري الآن تفكيكه بطيش.
 
*فريد زكريا Fareed Zakaria: هو مقدم برنامج "فريد زكريا جي. بي. إس" على شبكة (سي. إن. إن)، ومؤلف كتاب "عصر الثورات"، وهو أحدث مؤلفاته. يكتب عمودًا أسبوعيًا في صحيفة "الواشنطن بوست"، ويُنشر عموده أيضًا في مجلة "فورين بوليسي".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Trump Is Teaching the World to Fear America