الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
غيديون روز* - (فورين أفيرز) 11/4/2026
بموافقة كل من الولايات المتحدة وإيران على وقف إطلاق النار، يكون الطرفان قد أقرّا، ولو ضمنيًا، بأنهما لن يتمكنا من تحقيق كلٌّ ما أراداه من هذه الحرب. لكن فئة "التعادل" تمتد على مساحة واسعة بين النصر والهزيمة، ولذلك تكتسب كيفية إدارة المرحلة الختامية من الحرب أهمية كبيرة.
في أعقاب الاتفاق على وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين الذي أُبرم في 7 نيسان (أبريل)، تدّعي كلٌّ من الولايات المتحدة وجمهورية إيران الإسلامية تحقيق النصر في حربهما. وتقول كلتاهما الشيء نفسه: لقد صمدنا، وكان الطرف الآخر هو الذي تراجع أولًا. وفي الحقيقة، قرر الطرفان أن يسميا هذا تعادلًا. وكان من المرجح دائمًا أن تكون النتيجة على هذا النحو، لأن بنية اللعبة قيّدت عملية اتخاذ القرار لدى اللاعبين -حتى لاعبين غريبي الأطوار وغير تقليديين مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة الجمهورية الإسلامية.
عادة ما تمرّ الحروب بثلاث مراحل: افتتاح، ووسط اللعبة، ونهاية اللعبة. وكما في لعبة الشطرنج، يتضمن الافتتاح نشر القوات والاشتباك مع العدو. وإذا لم يُفضِ ذلك إلى تحقيق نصر سريع، تنتقل المنافسة إلى مرحلة وسطى، حيث يخوض الطرفان القتال ويحاول كل منهما إجبار الآخر على الاستسلام. ومع اتضاح اتجاهات المعركة، تشرع في النهاية صورة تقريبية لنتيجة منطقية في الظهور والتشكل، وتدخل الحرب مرحلتها الختامية التي تُصاغ خلالها تفاصيل التسوية النهائية.
في الحالة الإيرانية، بدأت المرحلة الختامية مع تهديد ترامب بإلحاق دمار هائل بالبلد إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز، وسوف تستمر هذه المرحلة إلى أن يتوصل المتحاربون إلى اتفاق مستقر ينهي الأعمال العدائية. ومن المرجح أن يصمد وقف إطلاق النار للسبب نفسه الذي جرى الاتفاق عليه من أجله في المقام الأول: كلا الطرفين كان يتألم، وسوف يزداد ألمًا في حال تصاعدت الحرب بدلًا من أن تنتهي.
ومن جهتها، أطلقت إدارة ترامب الحرب وهي واثقة من أن الصراع سيكون سريعًا وقليل الكلفة نسبيًا، وأن إيران لن تكون قادرة على -أو راغبة في الرد. لكن أياً من هذين الافتراضين لم يثبت صحته، ومع استمرار القتال، بدأت الحرب لا تبدو كلعبة شطرنج، وإنما أصبحت لعبة قاتلة تُدعى "مزاد الدولار"، وهي لعبة توقع اللاعبين في فخ تصعيد غير مربح.
فكرة هذه اللعبة مباشرة وبسيطة: ثمة لاعبان يتنافسان على الفوز بجائزة مقدارها دولار واحد، مع اتفاقهما على أن يدفع كلٌّ منهما قيمة آخر عرض قدّمه مهما كانت النتيجة. في البداية، يُزايد اللاعبان بحماسة على أمل تحقيق ربح. ولكن مع ارتفاع السعر، ينغلق باب الفخ. اللاعب الذي يزايد أولًا بدولار واحد سيخرج متعادلًا. واللاعب الآخر سيكون قد خسر قرابة دولار (قيمة عرضه الأخير)، ولذلك يكون لديه حافز لرفع العرض قليلًا -لنقل إلى دولار وخمسة سنتات- على أمل أن يخسر أقل (خمسة سنتات فقط). لكنّ المنطق نفسه ينطبق على اللاعب الأول، الذي يصبح لديه بدوره حافز لرفع الرهان مجددًا هو الآخر. ومن هذه النقطة فصاعدًا، لا تعود للعبة نقطة توقف داخلية؛ وتتراكم تكاليف تبدو بلا جدوى بينما يواصل اللاعبان رفع رهاناتهما أكثر فأكثر، إلى أن ينسحبا أو يُستنزفا تمامًا.
غالبًا ما تتحول الحروب إلى ما يشبه "مزاد الدولار"، لأن التكاليف تتراكم بشكل لا مفر منه على كلا الطرفين مع استمرار القتال. ويدفع المتحاربون أثمانًا متزايدة خطوة بعد أخرى على الطريق، وغالبًا ما يكون مجموع ما يدفعونه أكبر بكثير مما كانوا يعتقدون في البداية أن الهدف يستحقه. وبحلول أواخر آذار (مارس)، عندما أصبح واضحًا أن أيًا من الطرفين لن يرضخ بسهولة، بلغت الحرب مع إيران نقطة التحول وانزلقت إلى منطقة الخسارة للجميع.
ليست للعبة "مزاد الدولار" نتيجة محددة أو متوقعة سلفًا. وكما يلاحظ الاقتصادي مارتن شوبك، فإنه "يبدو أن مسار اللعبة يعتمد تقريبًا على مجرد علم النفس الاجتماعي للاعبين، أو على عوامل أخرى غير مصرح بها في البيئة التي تُلعب فيها. وفي هذه الحالة التي نبحثها، كان "العامل غير المصرح به" هو قدرة كل طرف على إلحاق ضرر استثنائي بالآخر: الولايات المتحدة من خلال قوتها الجوية، وإيران من خلال استهداف البنية التحتية الاقتصادية في منطقة الخليج. وقد خلق ذلك حالة من الردع داخل الحرب نفسها، حيث تردد الطرفان في استخدام أقصى ما لديهما من أدوات وأسلحة، خشية أن يرد الطرف الآخر بالمثل.
كان إنذار دونالد ترامب -الذي هدّد فيه بأن "حضارة بأكملها ستموت" إذا لم تستسلم إيران- على الأرجح خدعة، لأن تنفيذ تهديد بهذا الحجم كان سيحمِّل الولايات المتحدة كلفة هائلة ويعرّض حلفاءها في الخليج لمخاطر كبيرة، وهم الذين ظلوا عرضة للهجمات الإيرانية المضادة. ولكن، وبما أن الجميع يدركون أن سلوك ترامب على طريقة "الرجل المجنون" ليس كله تمثيلًا، لم يكن بوسع الإيرانيين أن يجزموا بأنه سيتراجع. ومع عدم رغبة أي من الطرفين في تحويل الحرب إلى حرب شاملة، تراجع الاثنان عن حافة الهاوية. وعند تلك النقطة، بدأت المرحلة الختامية للحرب فعليًا.
لعب اللعبة الختامية
بموافقة كل من الولايات المتحدة وإيران على وقف إطلاق النار، يكون الطرفان قد أقرّا، ولو ضمنيًا، بأنهما لن يتمكنا من تحقيق كلّ ما أراداه من هذه الحرب. لكن فئة "التعادل" تمتد على مساحة واسعة بين النصر والهزيمة، ولذلك تكتسب كيفية إدارة المرحلة الختامية أهمية كبيرة. خلال المفاوضات في باكستان، سيحتاج الطرفان إلى إيجاد حلول وسط لقضايا عدة، منها البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي الإيرانيان، والعقوبات الأميركية، وترتيبات الملاحة عبر مضيق هرمز، والنشاط الإقليمي الإيراني، وعمليات إسرائيل في لبنان. والفجوات بين مطالب كل من الطرفين واسعة إلى درجة أن بعض المراقبين يعتقدون أن المفاوضات قد تنهار وأن وقف إطلاق النار قد يتفكك. ومع ذلك، يدرك الطرفان أن العودة إلى الحرب ستعيدهما إلى الوضع الجهنمي الذي خرجا منه للتو -دفع تكاليف متزايدة مقابل عوائد متناقصة، مع خيارات أسوأ في الأفق.
قد تتمكن دبلوماسية ماهرة من استغلال هذه المحادثات لوضع أسس لبنية أمنية إقليمية دائمة. وهذا هو النوع من الإنجازات الذي برع فيه هنري كيسنجر. ولكن، في ظل ندرة الشخصيات التي بمستوى كيسنجر في الوقت الراهن، سيكون من الخطأ رفع سقف التوقعات كثيرًا. بدلًا من ذلك، يرجح أن تكون النتيجة مزيجًا من التسويات الجزئية وتأجيل القضايا، بحيث يتم تحقيق قدر كافٍ من النتائج العملية لإعادة تشغيل شيء يشبه النشاط الاقتصادي الطبيعي في منطقة الخليج وحولها، حتى بينما يتم ترك أكثر الملفات خلافًا من دون حل.
عندما ينقشع الغبار، يُرجَّح أن تحتفظ إيران بإمكانية امتلاك برنامج نووي من نوعٍ ما، لكن الولايات المتحدة ينبغي أن تتمكن من انتزاع بعض القيود عليه. (ويبقى أن نرى ما إذا كانت هذه القيود ستكون أشد أم أخف من تلك التي تضمنها "الاتفاق النووي" الذي انسحبت منه الولايات المتحدة في العام 2018). وسوف تُرفع بعض العقوبات المفروضة على إيران، في حين قد تستمر أخرى. ومن المرجح أن تُستأنف حركة السفن عبر مضيق هرمز، ولكن وفق شروط جديدة قد تمنح إيران أفضلية نسبية.
سوف تقوم الزاوية الإسرائيلية بتعقيد الأمور بشكل كبير، لأن مصالح الإسرائيليين والأميركيين ليست متطابقة. سوف تسعى إيران إلى تقييد إسرائيل ضمن إطار التسوية، بينما ستسعى إسرائيل إلى الحفاظ على حرية عملها لمواصلة عملياتها في لبنان وأماكن أخرى. وستجد الولايات المتحدة نفسها في موقعٍ حرج بين الطرفين، ومضطرةً إلى التفاوض مع عدوها وحليفها في آن واحد. (وهذا ليس وضعًا غير مألوف؛ فقد حدث الشيء نفسه خلال مفاوضات المرحلة الختامية في الحرب الكورية وحرب فيتنام، عندما كانت سيول وسايغون تميلان إلى مواقف أكثر تشددًا من الموقف الذي اتخذته واشنطن). مع ذلك، ومهما حدث على الجبهة الإسرائيلية، لن تسمح الولايات المتحدة وإيران لها بتعطيل تعاملاتهما الأساسية مع بعضهما بعضًا، لأن الرهانات والمخاطر كبيرة للغاية.
في نهاية المطاف، ستكون الحرب قد حققت لواشنطن أهدافها العسكرية بالحد الأدنى، لكنها لن تحقق أهدافها الاستراتيجية الأوسع. سوف تبقى القضايا الجوهرية التي تقسم المتحاربين من دون حل إلى حد كبير، وسيعود الجميع إلى متابعتها بوسائل أقل من الحرب المفتوحة، بما في ذلك العمليات السرية. وسيبقى النظام الإيراني قائمًا، وإنما مع استنزاف في قياداته وتراجع في قدراته. وستظل التوترات الإقليمية تتفاقم تحت السطح، بينما يتساءل الجميع عمّا إذا كانت صراعات مستقبلية ستندلع، ومتى ستفعل.
قد يتساءل الأميركيون عمّا إذا كان الأمر يستحق كل هذا العناء. ويسمي الإسرائيليون مثل هذه العمليات "جزّ العشب"، وقد اعتمدوا عليها لأجيال في التعامل مع التهديدات القادمة من لبنان وغزة. وفي نهاية المطاف، تعتمد الأحكام على جدوى هذه السياسة وقيمتها على مقدار الخوف مما قد يختبئ في "العشب الطويل"، وعلى مقدار ما يكون المرء مستعدًا لدفعه مقابل الحصول على حديقة مشذّبة. وبشكل عام، تجنب الاستراتيجيون الأميركيون، الذين ينظرون إلى التهديد الإيراني باعتباره واحدًا من بين تحديات عدة، ويتحملون مسؤوليات أوسع من نظرائهم الإسرائيليين في ما يتعلق بالنظام الإقليمي والعالمي، هذا النهج. وما لم تُفضِ المفاوضات في باكستان إلى نتائج استثنائية، فإن التكاليف المرتفعة والعوائد المحدودة لما وصفه ترامب بأنه "رحلة قصيرة" ستؤكد شكوكهم فحسب.
*غيديون روز Gideon Rose: كاتب ومحلل في السياسة الخارجية الأميركية، يشغل منصب زميل أول مساعد في مجلس العلاقات الخارجية، ويُعرف بدوره السابق رئيسًا لتحرير مجلة "فورين أفيرز" بين العامين 2010 و2021، وهي من أبرز المنابر الفكرية في مجال العلاقات الدولية. شغل قبل ذلك مناصب في وزارة الخارجية الأميركية، كما عمل في مجلس الأمن القومي خلال إدارة بيل كلينتون. يحمل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد، وتركّز كتاباته على الاستراتيجية الدولية ونهايات الحروب، وهو مؤلف كتاب "كيف تنتهي الحروب" How Wars End الذي يتناول كيفية إنهاء النزاعات المسلحة ومسارات التسويات السياسية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why the Cease-Fire With Iran Will Hold: The De-Escalatory Logic That Will Shape Negotiations