الغد
في ظل التصعيد العسكري الخطير الذي شهدته المنطقة نتيجة المواجهة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برزت الدبلوماسية الأردنية بقيادة الملك عبد الله الثاني بن الحسين كأحد أبرز الأصوات الداعية إلى التهدئة ومنع اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي ودوره السياسي التاريخي، يدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة في المنطقة لن تبقى محصورة بين أطرافها المباشرين، بل ستمتد آثارها إلى استقرار الإقليم بأكمله، بما في ذلك أمن الدول المجاورة واستقرارها السياسي والاقتصادي. كما أن اتساع رقعة الصراع قد يفتح الباب أمام مواجهات إقليمية أوسع ويهدد الأمن والسلم الدوليين، الأمر الذي دفع الأردن إلى التحرك سريعاً عبر قنواته الدبلوماسية لحشد الجهود الدولية لوقف التصعيد والدفع نحو الحلول السياسية.
منذ بداية التصعيد، كثّف الملك عبدالله الثاني تحركاته الدبلوماسية واتصالاته مع قادة الدول العربية والغربية، في محاولة لحشد موقف دولي يدفع نحو وقف إطلاق النار وتغليب الحلول السياسية على الخيار العسكري. وشملت هذه الاتصالات قادة في أوروبا والولايات المتحدة ودول المنطقة، حيث أكد خلالها أن استمرار المواجهة سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على الأمن الإقليمي والعالمي، خصوصاً في ظل حالة التوتر المتصاعدة أصلاً في الشرق الأوسط.
وترتكز الرؤية الأردنية في التعامل مع هذه الأزمة على مبدأ أساسي مفاده أن أمن المنطقة لا يمكن تحقيقه عبر الحروب أو سياسة القوة، بل من خلال معالجة جذور الصراع التاريخي الذي لا يزال يغذي حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق شدد الملك عبدالله الثاني خلال لقاءاته واتصالاته الدبلوماسية على أن غياب حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية يمثل السبب الجوهري لمعظم التوترات والصراعات التي تشهدها المنطقة. وأكد أن استمرار غياب الأفق السياسي أمام الشعب الفلسطيني، واستمرار الاحتلال، يسهمان في تأجيج التوترات الإقليمية ويغذيان دوامات العنف وعدم الاستقرار. لذلك يدعو الأردن باستمرار إلى تحرك دولي جاد لإحياء عملية السلام على أساس حل الدولتين، بما يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة تعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل، ويحقق الاستقرار الدائم في المنطقة.
ويؤكد الأردن باستمرار أن استمرار الاحتلال وغياب الأفق السياسي أمام الشعب الفلسطيني يسهمان في خلق بيئة خصبة للتوترات الإقليمية والتصعيد العسكري. لذلك يرى الأردن أن أي جهد دولي حقيقي لخفض التصعيد في المنطقة يجب أن يترافق مع تحرك جاد لإحياء عملية السلام على أساس حل الدولتين، بما يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
لقد حمل الملك عبد الله الثاني هذه الرسالة في مختلف المحافل الدولية، بما فيها لقاءاته مع قادة العالم في أوروبا والولايات المتحدة، حيث حذّر من أن تجاهل القضية الفلسطينية أو تأجيل حلها لن يؤدي إلا إلى مزيد من الأزمات والانفجارات السياسية والعسكرية في المنطقة. كما أكد أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية تاريخية في العمل الجاد لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفق قرارات الشرعية الدولية.
وفي ظل التوتر المتصاعد بين أميركا وإسرائيل وإيران، ركزت الدبلوماسية الأردنية أيضاً على ضرورة منع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة قد تكون عواقبها كارثية. فمثل هذه الحرب لن تؤثر فقط على الدول المتصارعة، بل ستمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، واستقرار العديد من الدول في الشرق الأوسط. كما حذرت عمّان من أن اتساع دائرة الصراع قد يؤدي إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار والتوترات الأمنية، الأمر الذي يستدعي تكثيف الجهود الدولية والدبلوماسية لاحتواء الأزمة ومنع تفاقمها.
كما شدد الأردن على أن الحوار والدبلوماسية يجب أن يكونا الطريق الوحيد لحل الخلافات بين الدول، داعياً إلى وقف فوري لإطلاق النار وبدء مسار سياسي يهدف إلى تهدئة التوتر وإعادة الاستقرار إلى المنطقة. وفي هذا الإطار، عملت الدبلوماسية الأردنية على التنسيق مع الدول العربية والشركاء الدوليين لدعم أي مبادرة دولية يمكن أن تسهم في وقف التصعيد ومنع توسع دائرة الصراع.
ولا يقتصر الدور الأردني على الدعوات السياسية فحسب، بل يمتد إلى العمل الدبلوماسي الفعلي في الكواليس، حيث يسعى الأردن إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة وتشجيع الجهود الدولية الرامية إلى التهدئة. ويستند هذا الدور إلى ما يتمتع به الأردن من علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الدولية، إضافة إلى مصداقيته السياسية ودوره التاريخي كوسيط معتدل في قضايا المنطقة.
وفي خضم هذه التحركات، يواصل الأردن التأكيد على أن تحقيق السلام الحقيقي في الشرق الأوسط يتطلب معالجة الأسباب العميقة للصراع، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. فبدون إقامة دولة فلسطينية مستقلة تعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل، سيبقى الشرق الأوسط عرضة لدورات متكررة من العنف والتصعيد.
إن الجهود الدبلوماسية الأردنية بقيادة الملك عبد الله الثاني تعكس رؤية إستراتيجية تقوم على منع الحروب قبل وقوعها، والعمل على بناء نظام إقليمي أكثر استقراراً يقوم على العدالة السياسية واحترام القانون الدولي. وبينما تستمر التحركات الأردنية على الساحة الدولية، يبقى الأمل معقوداً على أن تنجح الجهود الدبلوماسية في وقف التصعيد وفتح الباب أمام مسار سياسي يعيد للمنطقة استقرارها ويحقق تطلعات شعوبها إلى السلام.