الغد
ليست أزمة التعليم الديني في عالمنا العربي والإسلامي أزمة أعداد، ولا مؤسسات، ولا شهادات، فالمراكز الإسلامية تملأ المدن والقرى، والجامعات الشرعية تخرج الآلاف سنوياً من أصحاب الشهادات العليا، والخطاب الديني يملأ المنابر والشاشات، ومع ذلك حين ننظر إلى الحصيلة الفكرية، نكاد لا نجد نخباً قادرة على قراءة الواقع، ولا عقولاً موسوعية تصنع رؤى جديدة، ولا دعاة يستطيعون مخاطبة العصر بلغة يفهمها الإنسان المعاصر، كأن التعليم الديني صار شكلاً بلا مضمون، وخطاباً بلا روح.
المشكلة العميقة أن التعليم الديني اليوم يركز على تكديس المعرفة، لا على تكوين العقل، ويدرب على الحفظ والتكرار لا على الفهم والتأويل، يحفظ التراث، ولكنه لا يتعلم كيف يسأل، ولا كيف يحلل، ولا كيف يربط النص بالواقع، فيتحول الدين من رسالة حية إلى أرشيف محفوظات، لا يعرف ماذا يقول حين يقف أمام أسئلة القرن الحادي والعشرين.
وفي المدارس يقدم الدين غالباً بوصفه مادة اختبار لا بوصفه رؤية عالمية ومنهجاً سلوكياً وأخلاقياً، ويعلّم الطالب ماذا يجب أن يكتب، لا كيف يفكر فيما يؤمن به، وقد تجد في الكليات الدينية تدرس المتون والشروح والحواشي، لكن نادراً ما تدرس مهارات الفهم، أو التفلسف الديني، أو مناهج قراءة النص في سياقه التاريخي أو الإنساني، فيخرج الطالب يحفظ خلافات التراث، لكنه عاجز عن إضافة نوعية لمجتمعه أو عالمه المعاصر.
ومن هنا نفهم لماذا يزخر المشهد الديني بالصراعات، حين يربى الطالب على الانتماء قبل أن يفهم، وتصبح الطائفة أو المذهب هي الهوية، ويصير الخلاف تهديداً لها، فيختزل الدين في الجماعة، وتختزل الحقيقة فيما جمعه من تراث، هكذا تضيق الرؤية من الداخل، فخرجنا من وهم اللامذهبية وتعصباتها، لنقع في مأزق التعصب المذهبي، فلم نتحرر من الأطر الضيقة، بل استبدلنا إطاراً بإطار.
هنا يغيب التفكير النقدي بوصفه منهجاً للسؤال والتحليل والنظر في البدائل، والتمييز بين المطلق والنسبي، قال لي أحد الطلبة يوماً: سألت مرة المحاضر عن الدليل الذي أستند إليه في الحكم، قال لي:" لا تسأل عن الدليل، عندما أقول لك قال فلان أو فلان فهم أعلم بالدليل منا"، هو أراد أن يعظم مذهبه فخسر عقل طلابه، التعليم الديني الذي لا يمر عبر التفكير النقدي لا ينتج دعاة منفتحين على الحوار، بل دعاة يرون في كل فكرة جديدة تهديداً للعقيدة، هذا الرهاب من الانفتاح لا يبقى في قاعات الدرس، بل ينتقل إلى المجتمع فيقسمه، ويحول التنوع إلى صراع، ورحلة التعليم من استكشاف إلى نظام ولاء.
في لحظة التحولات الكبرى، التي تواجه فيها الأمة أزمات مصيرية تمس وجودها- من تراجع القيم والأخلاق وحقوق الإنسان، إلى التراجع المعرفي والتكنولوجي، إلى الضعف الاقتصادي، إلى التمزق والتشرد واللجوء، وشح الموارد، والتغير المناخي- يظل التعليم الديني في كثير من صوره مشغولاً بعالم آخر، عالم الأسئلة التي استهلكت بحثاً، وفي قلب هذا المأزق يغيب سؤال بالغ الأهمية: لماذا لا تبنى سياسات التعليم الديني وبحوثه على حاجات المجتمعات الفعلية والفكرية، لا على تكرار ما قيل؟ ولماذا لا توضع خطط إستراتيجية بحسب المتطلبات الوطنية والعالمية لكتابة الرسائل والبحوث الجامعية؟ وما معنى أن يتفاخر أحدهم بكتابة عشرات "البحوث المحكمة" وهي في أغلبها تدوير للتراث لا إنتاج للمعرفة؟ فأصبح البحث العلمي طقسا بيوقراطيا من أجل الترقية والدرجات، وتضيع الأجيال في دراسة الماضي، دون أن تترك أثراً لحاضرها، أو مستقبلها.
متى ننتقل من تعليم ديني يصنع دعاة محليين إلى تعليم يصنع عقولاً عالمية في الفكر لا في الشهرة، قادرين على مخاطبة الإنسان كإنسان؟ ومتى نزرع في الطالب شجاعة السؤال بدل الخوف منه، وسعة الأفق بدل الضيق الفكري الذي يعيشه، وحب البحث عن الحقيقة بدل الأحكام الجاهزة التي تولد العصبية، ولن ينهض التعليم الديني إلا حين يتصالح مع الفكر النقدي والتفكير الفلسفي، بوصفها أداة للتحرر من التبعية، لا خصماً للمذهب، حين يعود التعليم يصنع علماء يفهمون العالم حولهم، ويخاطبون الإنسان قبل أن يخاطبوا الطائفة والمذهب، هناك فقط يبدأ التعليم الديني في استعادة دوره، لا بوصفه ماضياً محفوظاً، بل بوصفه حاضراً ومستقبلاً يبني الأوطان، ويساهم في إنتاج الفكر والمعرفة، ويشارك في تقديم الحلول للمشكلات العالمية.