الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
محمد جواد ظريف – (فورين أفيرز) 3/4/2026
يمكن للصراع الحالي بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، على فظاعته، أن يجعل التوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن أكثر سهولة، بعد أن كشف حقائق معيّنة عن غرب آسيا لم يعد بإمكان طهران وواشنطن تجاهلها.
لم تكن إيران هي التي بدأت حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ولكن الآن، بعد مرور أكثر من شهر على اندلاعها، تبدو الجمهورية الإسلامية وكأنها الرابح الواضح فيها. وقد أمضت القوات الأميركية والإسرائيلية أسابيع في قصف الأراضي الإيرانية بلا هوادة، الذي أدى إلى مقتل آلاف الأشخاص وإلحاق أضرار بمئات المباني، وكل ذلك على أمل إسقاط حكومة البلاد. ومع ذلك، صمدت إيران ونجحت في الدفاع عن مصالحها، حيث حافظت على استمرارية القيادة حتى مع اغتيال كبار مسؤوليها، وردّت مرارًا على مهاجميها على الرغم استهداف منشآتها العسكرية والمدنية والصناعية. وهكذا يجد الأميركيون والإسرائيليون، الذين بدأوا الصراع وهم يتوهمون أنهم قادرون على فرض الاستسلام –يجدون أنفسهم عالقين في مستنقع من دون استراتيجية للخروج. وعلى النقيض من ذلك، حقق الإيرانيون إنجازًا تاريخيًا في المقاومة والصمود.
بالنسبة لبعض الإيرانيين، يُشكل هذا النجاح سببًا لمواصلة القتال حتى معاقبة المعتدين بالشكل الكافي والمناسب بدلًا من البحث عن نهاية تفاوضية. ومنذ 28 شباط (فبراير)، تتجمع حشود كبيرة من الإيرانيين كل ليلة في مختلف أنحاء البلاد لإظهار تحدّيهم عن طريق ترديد الهتاف: "لا استسلام، لا تسوية، قاتلوا أميركا". في نهاية المطاف، أثبتت الولايات المتحدة أنها طرف لا يمكن الوثوق به في المفاوضات، وأنها لن تحترم سيادة إيران. ووفق هذا المنطق، لا يوجد سبب للانخراط معها الآن في مفاوضات أو تقديم مخرج لها. وينبغي بدلًا من ذلك أن تستغل طهران تفوقها عبر مواصلة استهداف القواعد الأميركية في المنطقة، وعرقلة التجارة في مضيق هرمز حتى تغيّر واشنطن طبيعة وجودها ونهجها الإقليميين بشكل جذري.
مع ذلك، وعلى الرغم من أن مواصلة القتال ضد الولايات المتحدة وإسرائيل قد تكون مُرضية نفسيًا، فإنها لن تؤدي سوى إلى مزيد من تدمير الأرواح المدنية والبنية التحتية. وقد أخذت هذه الأطراف، بعد إخفاقها في تحقيق أهدافها، في اللجوء بشكل متزايد إلى استهداف مواقع حيوية في مجالات الأدوية والطاقة والصناعة، وإلى ضرب المدنيين الأبرياء بطريقة عشوائية. كما أن العنف يفضي تدريجيًا إلى استدارج مزيد من الدول إلى حومة الصراع، في ما يهدد بتحويل حريق إقليمي إلى حريق عالمي. ومن المؤسف أن المنظمات الدولية تعرّضت لضغوط من الولايات المتحدة لتلتزم الصمت إزاء العديد من الفظائع التي ترتكبها واشنطن، بما في ذلك مقتل نحو 170 طفلة من تلاميذ المدارس في اليوم الأول من الحرب.
على طهران، إذن، أن تستخدم تفوقها -لا لمواصلة القتال، وإنما لإعلان النصر وإبرام صفقة تُنهي هذا الصراع وتحول دون اندلاع الصراع التالي. وفي هذا الإطار، عليها أن تعرض فرض قيود على برنامجها النووي وإعادة فتح مضيق هرمز مقابل إنهاء جميع العقوبات -وهي صفقة لم تكن واشنطن لتقبل بها سابقًا، لكنها قد تقبل بها الآن. كما ينبغي لإيران أن تكون مستعدة لقبول اتفاق عدم اعتداء متبادل مع الولايات المتحدة، يتعهد فيه البلدان بعدم مهاجمة بعضهما بعضًا في المستقبل. ويمكنها أيضًا أن تعرض إقامة تفاعلات اقتصادية مع الولايات المتحدة، وهو ما سيكون مكسبًا لكل من الشعبين الأميركي والإيراني. ومن شأن كل هذه النتائج أن تمكّن المسؤولين الإيرانيين من التركيز بدرجة أقل على حماية بلادهم من الخصوم الخارجيين، وبدرجة أكبر على تحسين حياة شعبهم داخليًا. بعبارة أخرى، يمكن لطهران أن تؤمّن المستقبل الجديد والمشرق الذي يستحقه الإيرانيون.
يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على الرغم من موقفه الذي ضعُف -أو ربما بسببه- إصدار تصريحات متناقضة ومربكة بشأن المفاوضات. يوم الأربعاء، ألقى ترامب خطابًا وجه فيه الإهانة إلى جميع الإيرانيين، متعهدًا بقصف إيران "لتعود إلى العصور الحجرية، حيث ينبغي أن تكون"، بينما وعد في الوقت نفسه، كما فعل مرارًا في السابق، بأن حملة واشنطن العسكرية أصبحت على بُعد أسابيع قليلة من الاكتمال. لكنّ من الواضح أن البيت الأبيض أصبح قلقًا من أن يشكل ارتفاع تكاليف الطاقة، الذي سببه القصف الأميركي، عبئًا سياسيًا. وتمن شأن هذه الخطة أن توفر لترامب مخرجًا مناسب التوقيت. بل إنها قد تحوّل خطأه الجسيم في التقدير إلى فرصة لادعاء تحقيق نصر دائم للسلام.
اغتنموا النصر
إن الإيرانيين غاضبون بشدة من الولايات المتحدة –وليس بسبب عدوانها الحالي. منذ مطلع الألفية، تعرّضت الجمهورية الإسلامية وشعبها مرارًا لما يرونه خيانات متكررة من المسؤولين الأميركيين. كانت إيران قد قدّمت الدعم للولايات المتحدة ضد تنظيم "القاعدة" في أفغانستان بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية، فقط ليقوم الرئيس جورج دبليو بوش لاحقًا بإدراج طهران ضمن "محور الشر" والتهديد بضربها. كما تفاوضت إدارة الرئيس باراك أوباما مع قادة إيران وأبرمت الاتفاق النووي للعام 2015، لكن التزام طهران المُوثّق والدقيق بالاتفاق لم يدفع الإدارة إلى تطبيع علاقاتها الاقتصادية العالمية معها كما وعدت. ولم يمنع هذا الالتزام أيضًا دونالد ترامب من تمزيق الاتفاق، ثم إتباعه بحملة شرسة من "الضغط الأقصى": فرض عقوبات صارمة على البلاد تهدف إلى إفقار نحو 90 مليون إيراني. وقد استمرت هذه السياسات في عهد الرئيس جو بايدن، على الرغم من أنه كان قد وعد بإحياء المسار الدبلوماسي.
ثم، عندما عاد ترامب إلى السلطة لولاية ثانية، أصبح نهج واشنطن أكثر تضليلًا. في هذه العهدة، أعلن البيت الأبيض اهتمامه بإبرام اتفاق جديد، فأرسلت إيران أكثر دبلوماسييها وخبرائها كفاءة للتفاوض. لكن ترامب سرعان ما أثبت عدم جديته. وبدلًا من إيفاد مبعوثين ذوي خبرة، أرسل اثنين من المقرّبين إليه من الذين يعملون في قطاع العقارات -صهره جاريد كوشنر، وصديقه وشريكه في لعبة الغولف، ستيف ويتكوف- وهما شخصان يفتقران تمامًا إلى المعرفة بالجغرافيا السياسية والتعقيدات التقنية النووية. وعندما فشلا -كما كان متوقعًا- في فهم عروض إيران السخية للتوصل إلى اتفاق، أطلق البيت الأبيض هجومه العسكري الواسع ضد المدنيين الإيرانيين.
نتيجة لذلك، ينظر جزء كبير من الشعب الإيراني الآن إلى أي حديث عن إنهاء هذه الحرب من خلال الدبلوماسية -بدلًا من إنهائها من خلال مواصلة المقاومة والضغط على المعتدين- على أنه ضرب من الهرطقة. ولدى الإيرانيين قليل من الاهتمام بالتحدث إلى مسؤولين أميركيين كانوا قد خانوهم مرارًا. مع ذلك، وعلى الرغم من أن هذا الموقف مفهوم، فإن الجمهورية الإسلامية ستكون في نهاية المطاف في وضع أفضل إذا ما استطاعت إنهاء الحرب عاجلًا وليس آجلًا. سوف يؤدي استمرار العداء إلى خسارة أكبر في الأرواح الثمينة والموارد التي لا يمكن تعويضها، من دون أن يغيّر ذلك فعليًا حالة الجمود القائمة، خصوصًا مع استمرار الولايات المتحدة وإسرائيل في استهداف البنية التحتية الإيرانية. وعلى الرغم من أن إيران قادرة على تدمير البنية التحتية للمنطقة ردًا على ذلك، فإن هذا بالكاد يهم الولايات المتحدة، التي تنظر إلى ما تسميهم حلفاءها العرب في المنطقة باعتبارهم مجرد دروع يمكن استخدامها للدفاع عن إسرائيل. كما أن تدمير البنية التحتية للمنطقة لن يعوّض خسائر إيران. وقد يؤدي استمرار القتال أيضًا إلى غزو بري أميركي. وعلى الرغم من أن ذلك سيكون خطوة يائسة تدفع واشنطن إلى مستنقع أعمق، فإن غزوًا بريًا لن يحقق مكاسب تُذكر لإيران. وأخيرًا، إذا جمعت الولايات المتحدة أمتعتها وانسحبت قبل أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق، فلن تتمكن إيران من جني ثمار مقاومتها الشجاعة للعدوان الأميركي.
إذا تمكن الطرفان من اختيار مسار فلتفاوض، فسيكون بإمكانهما السعي إلى أحد مسارين. الأول هو اتفاق وقف إطلاق نار رسمي أو غير رسمي. وقد يبدو هذا الخيار، للوهلة الأولى، أفضل طريق للمضي قدمًا، وهو بالتأكيد الأقل مقاومة. لكي يتحقق وقف إطلاق النار، يكفي أن تضع طهران وواشنطن وحلفاؤهما أسلحتهم جانبًا من دون الحاجة إلى حل التوترات الأساسية التي سممت علاقاتهم لعقود.
لكن أي وقف لإطلاق النار سيكون، بطبيعته، هشًا. ستظل الدولتان غارقتين في الشك والريبة تجاه بعضهما البعض، تحديدًا لأنهما لم تعالجا خلافاتهما الجوهرية. وبالتالي، لن يتطلب الأمر أكثر من مجرد سوء تقدير آخر أو انتهازية سياسية في غير محلها لاستئناف القتال. ولذلك ينبغي للمسؤولين أن يسعوا إلى الخيار الثاني: السعي إلى اتفاق سلام شامل. بعبارة أخرى، ينبغي استغلال هذه الكارثة كفرصة لإنهاء 47 عامًا من العداء.
يمكن للصراع الحالي، على فظاعته، أن يجعل التوصل إلى مثل هذا الاتفاق أسهل. وذلك لأنه كشف حقائق معيّنة عن غرب آسيا لم يعد بإمكان طهران وواشنطن تجاهلها. كبداية، أظهر هذا الصراع أن الولايات المتحدة غير قادرة على تدمير البرامج النووية أو الصاروخية لإيران -حتى عندما تعمل إلى جانب إسرائيل وبدعم مالي ولوجستي من شركائها في المنطقة. إن هذه البرامج راسخة للغاية وموزعة على نطاق واسع بحيث لا يمكن القضاء عليها بالقصف. بل إن الضربات الأميركية والإسرائيلية لم تفعل –عندما يتعلق الأمر بالمسألة النووية- سوى إذكاء النقاش حول ما إذا كان ينبغي لإيران أن تنسحب فعليًا من "معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية" وتغيّر عقيدتها بشأن عدم الانتشار. كما أوضحت الضربات بشكل وافر لا لبس فيه أن الأخبار عن نهاية "محور المقاومة" -شبكة شركاء إيران الإقليميين- كانت مبالغًا فيها إلى حد كبير. وإذا كان ثمة شيء، فهو أن هذه الاعتداءات أعادت تنشيط مقاومة السياسات الخارجية الأميركية في مختلف أنحاء الجنوب العالمي، وفي بعض مناطق أوروبا، وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث رفض بعض أنصار حركة "ماغا" التابعة لدونالد ترامب سياساته التي تضع "إسرائيل أولًا".
بالنسبة للمنطقة، أثبتت الحرب أن محاولة الاستعانة بالولايات المتحدة وتوكيلها لتوفير الأمن أو شرائه منها هي استراتيجية خاسرة. على مدى سنوات، اعتقدت الدول العربية أنها تستطيع حماية نفسها عن طريق دفع الأموال للولايات المتحدة لإقامة قواعد عسكرية على أراضيها. وفي الوقت نفسه، تجاهلت هذه الدول إلى حد كبير -أو رفضت- عروض إيران لإقامة ترتيبات أمنية إقليمية، بدءًا من اقتراحها في العام 1985 -الذي تم تكريسه في قرار مجلس الأمن رقم 598- بأن تنشئ الدول المطلة على الخليج الفارسي نظامًا أمنيًا إقليميًا، مرورًا بعروضها لإبرام اتفاق عدم اعتداء في العام 2015، وصولًا إلى "مبادرة هرمز للسلام" في العام 2019. وقد رأت الدول العربية أن هذه المقترحات غير ضرورية، لأنها كانت تعتقد أنه عند اشتداد الموقف وضرورة التصرف، سيساعدها المسؤولون الأميركيون في إدارة علاقاتها مع إيران وحمايتها من أي صراع إقليمي. لكن ما حدث بدلًا من ذلك هو أن الولايات المتحدة قررت قصف الجمهورية الإسلامية على الرغم من اعتراضاتهم اللفظية -والصادقة عند بعضهم- واستخدمت قواعدها على أراضيهم لتنفيذ حملتها، كما كان ينبغي لأي شخص عاقل أن يتوقع. ونتيجة لذلك، تحولت الدول العربية إلى ساحات حرب، وهو بالضبط ما كانت تسعى إلى تجنبه.
إن كل هذه النتائج تؤكد صحة ما كانت طهران تؤكد عليه منذ زمن طويل، بشأن نفسها وبشأن النظام الإقليمي على حد سواء. ولكن مع تعزّز ثقتها بنفسها، أصبح لدى إيران درسها الخاص الذي ينبغي أن تتعلمه. يجب أن تعترف بأن تقنيتها النووية لم تردع العدوان. وإذا كان ثم شيء، فهو أنها وفّرت ذريعة للهجمات الإسرائيلية والأميركية. وقد أثبتت إيران أيضًا، بطبيعة الحال، أن البرنامج النووي غير القانوني الذي تملكه إسرائيل لا يستطيع حماية الإسرائيليين من وابل يومي من الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة. وهذا الفشل يمنح سببًا إضافيًا للتشكيك في أن برنامجًا نوويًا يمكن أن يضمن أمن إيران، مهما بلغ من التقدم. بدلًا من ذلك، أكد المسؤولون المدنيون والعسكريون الإيرانيون جميعًا أن العنصر الأكثر فاعلية في دفاع البلاد الناجح كان شعبها الصامد.
التحضير للسلام
تعني هذه الحقائق أن المعاملة بالمثل ستكون عنصرًا أساسيًا في أي تسوية، بما في ذلك في مراحلها الأولى. لبدء عملية السلام، على سبيل المثال، سيتعيّن على جميع الأطراف في غرب آسيا الاتفاق على وقف القتال فيما بينها. وسيتعيّن أن تضمن إيران، بالتعاون مع سلطنة عُمان، المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز. لكنّ على المسؤولين الأميركيين أيضًا أن يسمحوا بأن يكون المضيق مفتوحًا أمام إيران أيضًا. والمفارقة الكبرى في الجغرافيا هي أنه، على الرغم من أن المضيق يحدّ الأراضي الإيرانية، فإنه ظل فعليًا مغلقًا أمام إيران لسنوات بسبب العقوبات الأميركية. وقد أدى ذلك إلى تفشّي فساد هائل داخل إيران وتحقيق أرباح طائلة لبعض الجيران غير الممتنّين. لذلك، وحتى قبل التوصل إلى اتفاق نهائي، يجب أن تسمح الولايات المتحدة ببيع النفط الإيراني ومشتقاته من دون عوائق، وبإعادة عائداته إلى إيران بشكل آمن.
بينما تتخذ إيران والولايات المتحدة هذه الإجراءات الفورية، يمكنهما الشروع في بلورة اتفاق سلام دائم. ومن المرجّح أن يتناول جزء كبير من هذا الاتفاق القضايا النووية. على سبيل المثال، يمكن أن تلتزم إيران بعدم السعي مطلقًا إلى امتلاك أسلحة نووية، وبخفض مستوى تخصيب كامل مخزونها من اليورانيوم إلى مستوى متفق عليه يقل عن 3.67 في المئة. وفي الوقت نفسه، ستتحرك الولايات المتحدة لإنهاء جميع قرارات مجلس الأمن المتخذة ضد إيران، وإلغاء العقوبات الأميركية الأحادية المفروضة عليها، وتشجيع شركائها على القيام بالمثل. كما يجب السماح لإيران بالمشاركة الفاعلة في سلاسل الإمداد العالمية من دون عوائق أو تمييز. وفي المقابل، سيصادق البرلمان الإيراني على البروتوكول الإضافي لـ"الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، مما يضع جميع منشآتها النووية تحت رقابة دولية دائمة. وبطبيعة الحال، طالبت الولايات المتحدة بشروط أكثر تشددًا -على رأسها وقف التخصيب بالكامل. لكن المسؤولين الأميركيين يدركون جيدًا أن مثل هذه المطالب غير واقعية. لن تتمكن الولايات المتحدة من انتزاع ما حاولت وفشلت في تحقيقه من إيران عن طريق شن حربين عدوانيتين غير مبررتين ومن دون أي استفزاز.
لن تحل هذه التسويات كل خلاف نووي بين طهران وواشنطن، لكنها ستسوي معظمها، ويمكن للدول الأخرى أن تساعد في معالجة التحدي الأكبر المتبقي: ماذا الذي يتم فعله بشأن اليورانيوم الإيراني. يمكن أن تساعد الصين وروسيا، إلى جانب الولايات المتحدة، في إنشاء كونسورتيوم لتخصيب الوقود مع إيران والدول المهتمة في الخليج الفارسي، ليصبح هذا الكيان المنشأة الوحيدة المتاحة لتخصيب الوقود في غرب آسيا. وستنقل إيران جميع موادها ومعداتها المخصبة إلى هذا الفضاء. وكجزء إقليمي آخر من خطة السلام، ينبغي أن تبدأ كل من البحرين وإيران والعراق والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة واليمن -إلى جانب الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وربما مصر وباكستان وتركيا- التعاون في إطار شبكة أمنية إقليمية لضمان عدم الاعتداء والتعاون وحرية الملاحة في عموم غرب آسيا. ويشمل ذلك إقامة ترتيبات رسمية بين إيران وسلطنة عُمان لضمان المرور الآمن والمستمر للسفن عبر مضيق هرمز.
للمزيد من تعزيز السلام، ينبغي أن تشرع إيران والولايات المتحدة في تأسيس تعاون ثنائي تجاري واقتصادي وتكنولوجي يحقق منفعة متبادلة. وعلى سبيل المثال، يمكن لإيران أن تدعو شركات النفط، بما في ذلك الشركات الأميركية المهتمة، لتسهيل الصادرات فورًا إلى المشترين. كما يمكن لإيران والولايات المتحدة ودول الخليج الفارسي العربية كلها أن تتشارك في مشاريع تتعلق بالطاقة والتقنيات المتقدمة. وينبغي لواشنطن أيضًا أن تلتزم بتمويل إعادة إعمار الأضرار التي خلّفتها حروب العامين 2025 و2026 في إيران -بما في ذلك تعويض المدنيين عن خسائرهم. وقد يعترض بعض المسؤولين الأميركيين على دفع مثل هذه التعويضات، لكن الدبلوماسيين الإيرانيين لن يتمكنوا من المضي قدمًا في أي اتفاق من دونها، كما أن تكلفة إعادة إعمار إيران ستكون على الأرجح أقل بكثير من الاستمرار في خوض هذه الحرب المكلفة وغير الشعبية.
وأخيرًا، يجب على إيران والولايات المتحدة إعلان وتوقيع اتفاق دائم لعدم الاعتداء. وبفعلهما ذلك، سوف يلتزم الطرفان بعدم استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد بعضهما البعض. كما سيقومان بإنهاء مختلف التصنيفات المرتبطة بالإرهاب التي فرضها كل منهما على الآخر، وباستكشاف إمكانية إرسال دبلوماسيين للعمل في مكاتب رعاية المصالح لدى كل منهما، واستعادة الخدمات القنصلية، ورفع القيود على سفر مواطنيهما.
لن يكون إبرام هذا الاتفاق سهلًا. سوف يظل الإيرانيون متشككين بعمق في نوايا واشنطن طوال المفاوضات. وفي الأثناء، سوف يستمر دونالد ترامب ومسؤولوه في النظر إلى طهران بعين الشك. وقد تضطر الصين وروسيا، وربما بعض دول المنطقة، إلى تقديم ضمانات لمعالجة هذه المخاوف المتبادلة الجدية.
لكن هذه الحرب، فظيعة كما هي، فتحت الباب أمام تسوية دائمة. قد يكون الإيرانيون غاضبين، لكنهم قادرون على المضي قدمًا وهم يعلمون أنهم صمدوا في مواجهة هجوم عسكري هائل وغير قانوني شنّته عليهم قوتان نوويتان. وربما ما يزال المسؤولون الأميركيون لا يحبذون الجمهورية الإسلامية، لكنهم يدركون الآن أن هذا النظام لن يختفي - وأن عليهم التعايش معه. قد تكون المشاعر متأججة، وكل طرف يتباهى بانتصاراته في ساحة المعركة، لكن التاريخ يتذكر فقط أولئك الذين يصنعون السلام.
*محمد جواد ظريف M. Javad Zarif: دبلوماسي وعالم سياسي إيراني، شغل منصب وزير الخارجية الإيراني من العام 2013 حتى 2021. شغل خلال الثلاثين عامًا الماضية مناصب نائب رئيس الجمهورية، وممثل إيران الدائم في الأمم المتحدة. يُعرف بخبرته الطويلة في الشؤون الدولية والسياسات النووية، ولعب دورًا بارزًا في مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني في العام 2015، وهو حاليًا أستاذ مشارك في الدراسات العالمية بجامعة طهران، ورئيس مؤسسة "معماريو الإمكانيات" Possibilities Architects التي تعمل على تقديم الدراسات والاستشارات والسياسات الاستراتيجية في شؤون السلام والدبلوماسية الدولية، مع التركيز على حل النزاعات وتحقيق التفاهم بين الدول.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: How Iran Should End the War: A Deal Tehran Could Take