الغد
شون أوغرايدي* - (الإندبندنت) 2026/1/16
على الرغم من انتقاده الشديد للسياسات الاقتصادية للرئيس الأميركي، يرى أوغرايدي أن فرض رسوم جمركية عقابية على الدول المتعاملة مع إيران يبقى الخيار الأقل خطورة مقارنة بالتدخل العسكري. وهو يتيح ممارسة ضغط فعال على النظام من دون كلفة بشرية، وقد يفتح الطريق أمام تحول إيران إلى دولة أكثر انفتاحًا وازدهارًا، خالية من العقوبات والسلاح النووي، بما يسهم في تحقيق استقرار إقليمي أوسع.
***
يمكن لدونالد ترامب أن يتصرف بصورة صائبة أحياناً. أقول ذلك بشيء من التحفظ، حيث إن سلوكيات رئيس الولايات المتحدة وسياساته تمثل في رأيي تعريفاً عملياً للفاشية المعاصرة. غير أن فرض رسوم جمركية ثانوية بنسبة 25 في المائة على الدول التي تقدم على إجراء تعاملات تجارية مع إيران يشكل أحد الأمثلة القليلة على التصرف الصحيح.
في هذه اللحظة الحرجة من الثورة المضادة التي تحدث في إيران، يعد أي شكل من أشكال الدعم السلمي الذي يمكن تقديمه للشعب الإيراني في المحصلة النهائية الخيار الأمثل الذي يمكن اعتماده. فسيكون من شأن هذه الخطوة أن تضيف ضغطاً غير مباشر على النظام في طهران من خلال تأثيرها في الصادرات الإيرانية، ولا سيما منها النفط، التي تمول عائداتها قيادة البلاد وأجهزتها الأمنية. كما تمول بطبيعة الحال "الحرس الثوري الإيراني" الذي يعد الجهة الوحيدة التي تستفيد من الحكم الثيوقراطي هناك.
في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني وعملته أصلاً من أزمة خانقة -وهو أحد الأسباب الأساسية للاحتجاجات الراهنة- فإن خسارة أسواق تصدير رئيسة، مثل الصين والعراق والإمارات العربية المتحدة والهند وتركيا وباكستان، نظرياً على الأقل، قد تدفع آيات الله إلى إعادة التفكير في جرائم القتل الوحشية التي يرتكبونها في حق المتظاهرين.
من هنا، ينبغي على شركاء تجاريين آخرين، مثل الاتحاد الأوروبي (أي ألمانيا)، أن يضعوا الشعب الإيراني، إلى جانب المصالح الجيوسياسية الغربية، في صدارة أولوياتهم عند التفكير في بيع سلع لإيران.
هل تنجح حرب الرسوم الجمركية التي يشنها الرئيس الأميركي على إيران؟ من الواضح أن هناك أسباباً تدعو إلى الشك في أنها ستكون فعالة بالقدر الذي يؤمل به. وأول ما يجب أخذه في الاعتبار هو أن الدول تلجأ إلى التحايل. كما أن الجهات التي ستتحمل العواقب ستكون المستهلكين الإيرانيين العاديين والشركات التي لا صلة لها بالنظام. يضاف إلى ذلك أن الصين والهند لا تقبلان بأن تمارس الولايات المتحدة ضغطاً عليهما. وقد تقاومان أي محاولة من البيت الأبيض لإرغامهما على ذلك.
مع ذلك، يظل هذا الخيار أفضل "سلاح" تمتلكه الولايات المتحدة للضغط على إيران. وهو بلا شك أنسب من شن موجة من الغارات الجوية على البلد. فحتى لو اقتصرت هذه الهجمات على المواقع النووية والقواعد العسكرية، فإنها ستؤدي إلى سقوط ضحايا، وإلى رد فعل مضاد على ما سينظر إليه على أنه عدوان أميركي، بما يفضي إلى التفاف وطني حول النظام. وهذا ينطبق أكثر على أي عمليات "سرية" يقال إن قادة الأركان عرضوها على ترامب كخيارات ممكنة.
لدى دونالد ترامب من العمر ما يسمح له بأن يتذكر جيداً ما حدث لسلفه الرئيس الأميركي جيمي كارتر عندما فشلت في العام 1980 عملية جريئة لتحرير أميركيين كانوا محتجزين في سفارة الولايات المتحدة في طهران بصورة مهينة للغاية. وقد أسهم ذلك حينها في تعزيز الثورة الإسلامية الأولى، ووضع كارتر بقوة على طريق الهزيمة في الانتخابات الرئاسية التالية.
كما أن أي محاولة لاختطاف آية الله خامنئي، على غرار ما جرى مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ستكون لها نتائج مماثلة، بالإضافة إلى المعضلة الكبرى: ماذا ستفعل الولايات المتحدة بالمرشد الأعلى إذا ما فعلت ذلك؟
علينا أن نتمسك برؤية ما يمكن أن تقدمه "إيران جديدة" لشعبها والمنطقة والعالم. وإذا ما استخدم الكيان الذي ما نزال نسميه "الغرب" نفوذه للمساعدة في ترجيح كفة ميزان القوى داخل البلاد، ودعم قيام نظام أكثر انفتاحاً وليبرالية، فإن ثمار ذلك ستتجاوز حدود إيران وتعم على نطاق واسع.
كما أن الشعب الإيراني، إذا ما تحرر من الطغيان الديني الذي يفتقر للكفاءة، ومن العقوبات الدولية، سيزدهر بسرعة من دون الحاجة إلى تطوير أي رادع نووي.
ستعود إيران مرة أخرى قوة رائدة في المنطقة ومصدراً للاستقرار. وستدعم قضية الشعب الفلسطيني، كما تفعل قوى أخرى، ولكن من دون أن ترعى (الإرهاب) عبر دعم حركة "حماس" أو "حزب الله" أو الميليشيات الحوثية في اليمن (وإنهاء حربها المتقطعة بالوكالة مع المملكة العربية السعودية هناك). كما ستتوقف طهران عن دعم الحرب التي تشنها روسيا في أوكرانيا، سواء عبر التمويل أو من خلال تزويد موسكو بتكنولوجيا الطائرات المسيرة.
سوف تعيش إيران الجديدة، وللمرة الأولى منذ سقوط آخر شاه -الذي يجب عدم المبالغة في تجميل نظامه- في حالة سلام مع جيرانها، ولا سيما منهم سورية والعراق. ولن يضطر الإيرانيون بعد ذلك إلى الفرار حفاظاً على حياتهم وحرياتهم. هذا هو المكسب الذي بات في متناول الإيرانيين والعالم. وإذا ما اضطلع دونالد ترامب بدوره في عملية التحرر هذه، فينبغي ألا نستاء منه.
*شون أوغرايدي Sean OGrady: صحفي بريطاني يشغل منصب نائب رئيس التحرير في صحيفة "الإندبندنت". وهو يكتب الافتتاحيات والمقالات المتعلقة بالسياسة والاقتصاد، بالإضافة إلى مراجعات في مجالات متنوعة مثل التلفاز والسيارات. بدأ مسيرته مع "الإندبندنت" في العام 1998. وقبل ذلك، خاض تجارب مهنية متنوعة في البرلمان البريطاني، وقطاع المال، وهيئة الإذاعة البريطانية. تظهر مقالاته في جميع أقسام الصحيفة، مما يعكس تنوع اهتماماته وخبراته.