الدستور
الكاتب السياسي النمساوي توماس كارات يقدم قراءة تتسم بعمق وإحاطة ونزاهة، تعليقا على ما أثرته في مقالتي المنشورة في الدستور يوم الأربعاء الماضي.
(حضرة السيناتور العزيز ؛
قرأتُ مقالك باحترامٍ واهتمامٍ حقيقيَّين، لأنه يفعل شيئًا نادرًا: إنه يحاول ترجمة شوقٍ أخلاقي عميق إلى اللغة التي تزعم السلطة أنها تفهمها. لقد تناولتَ فكرة السلام لا بوصفها شعارًا، بل بوصفها معادلة اقتصادية: موارد تُحوَّل من الهدم إلى البناء، ومن ميزانيات الأمن والدفاع إلى المدارس والمستشفيات والسياحة والبنية التحتية وفرص العمل. في عالمٍ أخلاقي طبيعي، كان ينبغي لهذا المنطق أن يحسم النقاش. كان سيبدو كحجةٍ لا يمكن دحضها.
ومع ذلك، فإن قوة منطقك هي بالتحديد ما يكشف المشكلة الحقيقية: العقبة هي أن كلمة «السلام» لا تعني، في نظر إسرائيل والولايات المتحدة -وبشكلٍ متزايد في نظر المنظومات والشبكات التجارية التي تدور في فلك دولهما الأمنية- ما تعنيه أنت.
سلامك هو سيادة. هو كرامة لها نتائج اقتصادية. هو ذلك النوع من التحوّل الإقليمي الذي يجعل الشرق الأوسط فضاءً اقتصاديًا متماسكًا: استقرارًا، وتجارة، وتكاملًا، وحركةً، وتنميةً طويلة الأمد.
لكن في اللغة الاستراتيجية للقوة، يُختزل السلام غالبًا إلى شيء أبرد وأضيق. لا يعود عدالة، بل إدارة؛ ولا مساواة، بل قابلية للتنبؤ؛ ولا حرية، بل قابلية للحكم والسيطرة.
ووفق هذا المنظور، لا يكون السلام حضور الحقوق، بل غياب الاضطراب -غياب المقاومة. إنه شرطٌ أمني، لا شرطٌ إنساني.
وهذا التحوّل القاسي يفسّر لماذا يمكن لـ «عائد السلام» الذي تطرحه أن يكون عقلانيًا تمامًا، ومع ذلك يبدو خطِرًا سياسيًا على أولئك الذين يهيمنون على رقعة الشطرنج.
أنت تتحدث بلسان اقتصاد التنمية الإنسانية، بينما يفكرون بعقلية أوصياء على نظامٍ إقليمي. وفي ذلك النظام، للصراع وظيفة. إنه يبرّر التحالفات، والقواعد العسكرية، ومبيعات السلاح، والتعاون الاستخباراتي، وأنظمة العقوبات، وشبكات الوكلاء -وفوق كل شيء يضمن التبعية.
والتبعية ليست خطأً عارضًا في هذه البنية، بل هي أحد منتجاتها الأساسية.
لذلك عندما تقول إن السلام سيتيح تقليص ميزانيات الدفاع، فأنت تتحدث عن إعادة تخصيصٍ منطقي للموارد. لكن داخل الدول الأمنية الغربية، لا تُعد ميزانيات الدفاع مجرد كلفة ينبغي خفضها. إنها صناعة تصدير، ونظام بيئي سياسي داخلي، وأداة جيوسياسية. إنها الإطار الفولاذي للحضور الأمريكي العالمي. والحقيقة الأعمق -وغير المريحة- هي أن نهاية الصراع، بالنسبة لأجزاء من هذه الآلة، ليست فقط مُحرجة أخلاقيًا، بل مُهدِّدة مؤسساتيًا. فالسلام يعني فقدان المبرّر، وفقدان النفوذ، وفقدان العائد، وفقدان السردية.
وهنا تتضاعف أهمية مقالك، لأن القرن الحادي والعشرين يضيف طبقة إضافية لم تكن حاضرة بالكامل في اتفاقات السلام السابقة: هي الطبقة التكنولوجية.
لقد كتبتَ عن السلام باعتباره مفتاحًا للسياحة والوظائف والتجارة والاستثمار والنمو. لكن اليوم توجد صناعة أخرى تنمو بأقصى سرعة تحديدًا حيث يستمر انعدام الأمن: صناعة «الأمن-المراقبة» والاقتصاد القائم على البيانات. شركات مثل Palantir وOracle لا تزدهر على السلام بوصفه كرامة. بل تزدهر على صناعة الإحساس بالتهديد. تنمو حين تُصوَّر المجتمعات على أنها خرائط مخاطر، وحين تتحول الحدود إلى أنابيب بيانات، وحين تتحول الشعوب إلى قواعد بيانات، وحين يُعرَّف «الاستقرار» بوصفه سيطرة.
ولذلك، لا يعني السلام في عالمهم بالضرورة أسلحة أقل. قد يعني انفجارات أقل على شاشات التلفاز، ولحظات أقل تحرج الحلفاء، وعناوين أقل تضطر السياسيين لتبرير الفظائع. لكن خلف ذلك الهدوء الظاهري، ما يتوسع هو بنية المراقبة. قد يصبح الإقليم «مستقرًا»، لكن استقرارًا يشبه استقرار السجن: هادئًا، مُدارًا بإحكام، ومُحسّنًا لتحقيق قابلية التنبؤ. الأدوات ليست الطائرات المسيّرة والقنابل فقط، بل أيضًا قوائم المراقبة، والهوية البيومترية، وتتبع الحركة، والمراقبة المالية، والشرطة التنبؤية، ومراكز دمج الاستخبارات. وبعبارة أخرى: يصبح السلام خوارزميًا.
قد تسميه أنت «حياة طبيعية». وقد يسمونه هم «إدارة المخاطر».
وهذا يقودني إلى سؤالك الأخير ذلك السؤال الذي يهبط كالمطرقة: إذا كان السلام يقدّم كل هذه المكاسب، فلماذا تحرم إسرائيل الإقليم - بل تحرم نفسها أيضًا - من هذه العوائد الهائلة؟
لأن في صميم العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية خوفًا بعيد المدى كامنًا داخل الازدهار نفسه الذي تصفه.
إقليم مزدهر حقًا لن يبقى ضعيفًا سياسيًا. التنمية تُنتج كفاءة. والكفاءة تُنتج استقلالًا. والاستقلال يُنتج مؤسسات، وتحالفات، وأوراق قوة، وصراعًا قانونيًا، ودبلوماسية. والدبلوماسية حين تقودها مجتمعات واثقة تُنتج ضغطًا. ليس ضغطًا أخلاقيًا أو خطابياً فحسب، بل ضغطًا بنيويًا: مقاطعات، وآليات قانونية، وعزلة دولية، وقيودًا على «حرية الحركة». إقليم قوي ومتكامل أصعب على الهيمنة. أما إقليم مجزأ، تابع، ومنشغل دائمًا بأزماته الداخلية، فهو أسهل احتواءً.
لذلك فالمنطق المرّ للسلطة هو التالي: ما يبدو «سلامًا» للناس العاديين قد يبدو «خطرًا» لدولة بُنيت على التفوق الأمني الدائم. ليس خطرًا بمعنى الغزو بل خطرًا بمعنى فقدان القدرة على التصرف بلا مساءلة.
وهذه هي المفارقة التي يلتقطها كثيرون في الإقليم بحدسهم، حتى لو لم يصوغوها ببلاغة كما فعلت: أحيانًا ما يُسوَّق بوصفه سلامًا ليس إلا استمرارًا للصراع بوسائل أخرى. وأحيانًا لا يكون «السلام» تحوّلًا، بل إعادة ترتيب. تختفي الجبهة، لكن يبقى الهرم. تتحول الحرب بين الدول إلى ضغط داخل المجتمعات. يتحول الصدام المفتوح إلى تنسيق أمني. تتحول المعركة السياسية إلى شرطة ورقابة. ويُعرض التطبيع بوصفه بديلًا عن العدالة.
لذلك نعم، تقريرك صحيح في كل نقطة اقتصادية، لكن تحته حقيقة أظلم: بالنسبة للنظام الذي يحكم الإقليم، لا يُرفَض السلام لأنه غير مُربح. بل يُرفَض لأن «الناس الخطأ» قد يربحون. لأن نوع الازدهار الذي تتصوره ليس ماديًا فقط بل سياسي. إنه ازدهار شعوب تستطيع أن تقف منتصبة.
وهذا تحديدًا ما تخشاه قوى كثيرة أكثر من أي شيء آخر.
والخلاصة المؤلمة هي: إلى أن نجعل العدالة والسيادة أكثر ربحية من السيطرة والهيمنة، فإن «السلام» الذي تعرضه إسرائيل وواشنطن وشركات التكنولوجيا-الأمن سيبدو غالبًا هدوءًا لا حرية إقليمًا مُدارًا لا متكافئًا نموًا ربما، لكن تحت المراقبة، وتحت القيود، وتحت رصد دائم.
لن يكون ذلك السلام الذي تكتب عنه. سيكون تهدئةً وإخضاعًا.
مع أطيب التحيات، توماس).