الدستور
كثير من المحللين والمعلقين العرب، ممن تستهويهم الأيديولوجيات، يفسرون تميّز إسرائيل عن الدول العربية، بتفوقها العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، إضافة إلى تمتعها بعلاقة استراتيجية خاصة مع الولايات المتحدة الأميركية (ملاحظة: لم تتبنَّ الولايات المتحدة دعم الدولة العبرية، بشكل كلّي، إلا بعد حرب العام 1967، وانتصارها الكاسح الذي حققته آنذاك!). وهو وعي أقل ما يقال فيه أنه مقلوب، لأنه يجعل من النتيجة سببا، مغفلا الأسباب الحقيقية للظاهرة المشار إليها. فضلا عن إهماله للعناصر والعوامل الذاتية في قوة الدولة العبرية، التي تمنحها قوة إضافية، تمكّنها من مراكمة عناصر التفوق، وتحويلها إلى عوامل قوة ومنعة مضافة.
في حقائق الأشياء المجردة، أن الدولة العبرية هي دولة محدودة بكل المعايير، بمساحتها الصغيرة، وقلة سكانها، وافتقارها إلى الموارد الطبيعية الأساسية. وهي أيضا دولة معزولة عن محيطها، وفي حالة عداء معه. ويزخر مجتمعها بتناقضات شتى: يساريون ويمينيون، غربيون وشرقيون، متدينون وعلمانيون، ويهود وعرب. وكلها تناقضات، يرى فيها المحلل العربي عناصر ضعف وتفكك، لا عوامل قوة..!
في مجتمع الدولة العبرية، ونظامها السياسي، تبرز ميزة القدرة على السيطرة على الأزمات والمشكلات، وذلك من خلال طريقة إدارة تلك الأزمات والتحكّم بها، بما في ذلك استطاعة توجيهها نحو الخارج، وبما يخدم مصالح الدولة. فعلى الرغم من أن عمر الدولة العبرية يتساوى مع أعمار كثير من الدول العربية، إلا أنها، كدولة، تبدو أكبر من حجمها، وأكثر قوة من إمكاناتها، وأفضل استقرارا من غيرها، قياسا إلى أحوال الدول التي تشكّلت أو استقلّت، في المنطقة العربية، بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.
في الواقع العربي يعاد إنتاج علاقات التهميش والضعف والتآكل داخل المجتمع، بآلية منتظمة تكرسها. وفي الواقع الإسرائيلي، وعبر طريقة إدارة أوضاع المجتمع هناك، وخصوصا النظام السياسي الديمقراطي اليهودي (وهي هنا ديمقراطية عنصرية)، يجري اكتساب قوة مضافة، عبر القدرة على تحويل عناصر الضعف إلى عناصر قوة، بآلية منتظمة أيضا، تكرّس القدرة الدائمة على إعادة إنتاج عناصر القوة. وهو بالضبط ما تفتقده البنى العربية، ونقطة ضعفها الأساسية في الوقت ذاته، قياسا إلى إمكانياتها الضخمة، إضافة إلى العناصر المكوّنة لها كأمة. الأمر الذي قد يفسر حال السياسة العربية الراهنة، في كونها تقتصر فقط على مواجهة التحديات، التي تمثلها الدولة العبرية، سواء كانت في حالة أزمة أو من دونها.
وهنا يبرز السؤال، عن الأسباب أو العوامل التي تمكّن إسرائيل من تجاوز أزماتها، وتحويلها إلى عناصر قوة. وفي هذا السياق، يمكن تلمس الاتجاهات التالية: التوحّد إزاء أيّ عدوّ خارجي، يمنح إحساسا بوجود خطر وجودي لا نهاية له، إلا بنَفي هذا العدو وإلغائه. والتوافق على نوعٍ من الإجماع، بشأن البتّ بمآل القضايا الاستراتيجية والمصيرية، وكل ما يمسّ هوية الدولة، وحدودها وأمنها، ودورها الوظيفي. وأخيرا، وربما الأهم، النظام الديمقراطي القائم على الانتخابات، وفق نظام النسبية والدائرة الواحدة، ما يحفظ التعددية والتنوّع، والتداول السلمي للسلطة.
أما كيف تترجم تلك الاسباب والعوامل، المانحة لقوة الدولة والمجتمع، على الأرض، وبرامج تنفيذ ذلك، فهذا حديث آخر، أوله علميّ، وآخره سياسي. ويكفي أن نعرف أن حصة الفرد الإسرائيلي، من الإنفاق على البحث العلمي، تبلغ (500) دولار سنويا، يقابلها (8) دولارات سنوية في الأوطان العربية الممتدّة..!