من فنزويلا إلى إيران.. كيف غيرت إستراتيجية ترامب للقوة حسابات العالم؟
الغد
عواصم- ما يجري في العالم وفق عقيدة الرئيس الأميركي يشي بتحول عميق في طريقة إدارة الشؤون الدولية بعيدا عن الدبلوماسية السياسية والاعتماد على الحدود القصوى للقوة.
ففي 3 كانون الثاني (يناير) الماضي نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية في فنزويلا أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وبعد أقل من شهرين في 28 الشهر الماضي شنت الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي حربا على إيران تجاوز عدد ضحاياها مئات الآلاف بين قتيل ونازح، وعطلت الملاحة في مضيق هرمز، ورفعت أسعار النفط بنسبة 40 %.
وفي تحليل له يكشف مدير برنامج القضايا العالمية والمؤسسات الدولية بمجموعة الأزمات الدولية ريتشارد جوان العلاقة بين المسارين، موضحا أن "الاستجابة الدولية الباهتة جدا تجاه اعتقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس الفنزويلي أظهرت لواشنطن أنه يمكنها الإفلات من أي خرق صريح للقانون الدولي"، ويعتقد أن "نجاح العمليات في فنزويلا عزز استعداد ترامب لاتخاذ المزيد من المخاطر الأكبر".
ويرى جوان أن الإدارة الأميركية الحالية "تستخدم القوة الخام بدلا من الإقناع لتشكيل الدبلوماسية الدولية"، معتبرا أن "هذه الطريقة قد تكون فظة ولكنها على الأقل تعمل على المدى القصير". وهذا النهج، بحسب تحليل جوان، دفع الدول إلى إعادة النظر في كيفية تعاملها مع الولايات المتحدة وحساباتها الإقليمية والدولية.
وحسب تقرير لمجموعة الأزمات الدولية بعنوان "الصراع والعواقب: التأثير العالمي للحرب الجديدة في الشرق الأوسط"، فإن الحرب على إيران دخلت أسبوعها الثالث دون نهاية واضحة، مع تداعيات واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي والاستقرار الإقليمي والقانون الدولي.
فمن بكين إلى موسكو، ومن العواصم الأوروبية إلى نيودلهي، تبحث الحكومات عن صيغ جديدة للتعامل مع الواقع المستجد: كيف توازن بين مصالحها الاقتصادية واعتباراتها السياسية؟ وإلى أي مدى يمكن للقوة القصوى أن تعيد تشكيل قواعد النظام الدولي الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية؟
مجلس الأمن الدولي
تكشف ردود الفعل الدولية على الحرب عن معادلات معقدة تحكم سلوك القوى الكبرى، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات الإستراتيجية والاعتبارات السياسية، فبينما تتحفظ معظم الحكومات على إبداء مواقف واضحة، تعيد كل دولة ترتيب أولوياتها بما يتناسب مع علاقاتها مع واشنطن ومصالحها في المنطقة.
ويشرح ريتشارد جوان خلفيات هذا التحفظ الدولي بأن "ترامب لديه سجل واضح من الهجوم على الدول التي تنتقده"، مضيفا أنه "في وقت تكافح فيه العديد من الحكومات لمواجهة التأثير الاقتصادي لارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب على إيران، فإن آخر ما تود فعله هو قول أي شيء يؤدي إلى تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية".
بالنسبة للصين، يوضح مدير برنامج القضايا الدولية بمجموعة الأزمات أنها "من المحتمل أن تكون سعيدة برؤية الولايات المتحدة تركز مواردها العسكرية على الشرق الأوسط بدلا من آسيا"، لكنها في الوقت ذاته "تعطي الأولوية للعلاقات الاقتصادية الجيدة مع الولايات المتحدة" استعدادا لقمة الرئيس ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ المقررة نهاية الشهر الحالي.
وحسب تقرير مجموعة الأزمات، فإن بكين قد دانت العمليات العسكرية على إيران لكن بحذر شديد، بينما تحاول تأمين مرور السفن الصينية عبر مضيق هرمز، وقد حققت بعض النجاح في هذا المسعى.
وفي ما يتعلق بروسيا، فقد أعلنت معارضتها للحرب لكن دعمها الفعلي لإيران بقي "غامضا وقابلا للإنكار"، وفق تقرير المجموعة. وتستفيد موسكو من ارتفاع أسعار النفط والرفع المؤقت لبعض العقوبات الأميركية.
ويقول جوان إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "عرض التوسط لإنهاء الحرب مع إيران"، ويفترض أنه "يأمل دفع ترامب لتقديم شروط أفضل لموسكو بشأن مستقبل أوكرانيا".
ويخلص المتحدث نفسه إلى تحليل يرمي إلى أبعاد إستراتيجية في نظرة كل من الصين وروسيا لهذه الحرب " فالوضع الحالي للحرب يعد ربحا مزدوجا لكل من بكين وموسكو، على الرغم من أن كلا منهما كانت لديه علاقات جيدة مع إيران في الماضي. ويمكنهم مراقبة الولايات المتحدة وهي تستهلك مواردها العسكرية في الخليج، ويمكنهم استغلال الفرصة للحصول على تنازلات دبلوماسية واقتصادية من واشنطن المشغولة".
أما أوروبا، فقد اختلفت المواقف بين دولة وأخرى، إذ امتنعت معظم الدول عن التعليق على شرعية العمليات العسكرية، باستثناء إسبانيا والنرويج وتركيا التي عبرت عن قلقها إزاء التداعيات على القانون الدولي، حسب ما جاء في تقرير مجموعة الأزمات.
التصعيد ضد دول الخليج
حول إغلاق مضيق هرمز منطقة الخليج من مركز إمداد عالمي للطاقة إلى بؤرة أزمة اقتصادية تمتد تداعياتها إلى كل القارات، ومع توقف تدفق النفط والغاز من المنطقة التي تُصدر خُمس الإنتاج العالمي، وجدت الحكومات نفسها أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة أزمة طاقة غير مسبوقة.
وردت إيران على العمليات العسكرية الأميركية الإسرائيلية بضربات صاروخية استهدفت منشآت نفط في دول الخليج، مما أدى إلى تعطل صادرات النفط والغاز والأسمدة من المنطقة، كما ارتفعت أسعار النفط بنسبة 40 % منذ بداية الحرب.
ويؤكد تقرير مجموعة الأزمات أن التداعيات الاقتصادية امتدت عالميا في صورة نقص حاد في الوقود في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الأسمدة مما يهدد الأمن الغذائي في عدة مناطق. كما حذرت الأمم المتحدة من تدهور الأوضاع الإنسانية وتعطل وصول المساعدات إلى لبنان وأفغانستان وباكستان وفلسطين واليمن.
موقف القانون الدولي والأمم المتحدة
وتطرح الحرب على إيران أسئلة جوهرية حول مستقبل القانون الدولي ومنظومة الأمم المتحدة؛ فبينما ينص ميثاق الأمم المتحدة على حظر استخدام القوة إلا في حالات الدفاع عن النفس ضد تهديد وشيك، تباينت ردود الفعل الدولية بين التحفظ والصمت، مع قلة من الأصوات التي أشارت إلى الأبعاد القانونية للحرب.
ويلفت جوان إلى مقارنة سريعة بين موقف الحكومات التي كانت تنتقد إسرائيل بصوت عالٍ بشأن غزة وموقفها من الحرب على إيران حيث أصبحت أكثر حذرا"، معتبرا أن ذلك "يميل إلى إثبات فرضية أن قضية فلسطين لها وضع خاص في الرأي العام الدولي".
أما الأمم المتحدة، فقد كان دورها محدودا، حيث أصدر الأمين العام بيانات تدعو كل الأطراف إلى ضبط النفس، لكن التأثير الدبلوماسي الفعلي بقي ضعيفا. وحذرت المنظمة الدولية من التداعيات الإنسانية المتصاعدة، دون قدرة حقيقية على التأثير في مسار الأحداث، حسب تقرير المجموعة.
وفي ختام تصريحاته للجزيرة نت، يطرح مدير برنامج القضايا الدولية بمجموعة الأزمات سؤالا محوريا: "ما إذا كانت الحرب ستستمر؟" ويجيب بأنه كلما طالت مدة الحرب زاد احتمال أن تستنتج الحكومات المختلفة أن ترامب قد أخطأ في التقدير".-(وكالات)