"مسارح الأذهان" لبيدس.. تجربة تنقل القارئ إلى أعماق النفس البشرية
الغد-عزيزة علي
في خطوة تهدف إلى حماية الهوية الثقافية وتوثيق الذاكرة الوطنية، أعادت وزارة الثقافة الفلسطينية إصدار مجموعة من الكتب التي نشرت قبل العام 1948، ضمن مشروع لإحياء الموروث الثقافي الفلسطيني.
أعادت وزارة الثقافة الفلسطينية طباعة كتاب "مسارح الأذهان" لخليل بيدس، الصادر لأول مرة في القدس العام 1924، الذي يقدّم تجربة فنية متكاملة، تنقل القارئ إلى أعماق النفس البشرية، وتعرّفه على تناقضاتها وأحوالها المتنوعة.
يعد الكتاب مجموعة أدبية فنية ذات طابع روائي، تعكس حقيقة الحياة الإنسانية في أبعادها المختلفة. بصدق الحياة بكل أبعادها: الحب والغرام، الحرب والسلام، الوفاء والغدر، السعادة والشقاء، مقدّمًا بذلك نافذة يمكن من خلالها فهم الإنسان ومجتمعه والأمم عبر العصور.
يقول المؤلف في مقدمة كتابه "إن مكانة الرواية بين فنون الأدب عالية ورفيعة، وأهميتها معروفة لدى جميع الأمم، فهي من أعظم أركان الحضارة، وأكثر المطبوعات تأثيرًا في النفوس والقلوب، وأثبتت أثرها في الأخلاق والعادات، وامتلكت قدرة على البناء والهدم. ويرجع ذلك إلى أنها تعكس مظاهر الحياة بكل أبعادها: خيرًا وشرًا، فضيلة ورذيلة، عدلًا وجورًا، صدقًا وكذبًا، وفاءً وغدرًا، إخلاصًا ورياء، هناءً وشقاءً".
وأضاف تتضمن هذه النصوص وصفا لأحوال الأمم عبر العصور، وحوادث الحب والغرام، والحرب والسلام، وما يصاحب ذلك من عفة وأمانة، وغدر وخيانة. كما تعرض حياة الإنسان في مختلف أدواره، في ربيع شبابه وخريفه، في صعوده وهبوطه، في آلامه وآماله، في سرائه وضرائه، وفي فقره وغناه، وأهوائه، مستعرضة بذلك جميع أطواره وأحواله.
ويرى المؤلف، أن الرواية تمثل الحياة الإنسانية بكل تناقضاتها، وتعرض أحوال الإنسان والأمم عبر الزمن، في الحب والحرب، الخير والشر، والسراء والضراء. كما يشير إلى تطور فن الرواية وانتشاره، وظهور كبار المفكرين الذين خلدوا أعمالًا روائية تركت أثرًا بالغًا في وعي الشعوب، وسهامت في تحولات فكرية واجتماعية مهمة.
وأشار إلى الإقبال الواسع على تأليف الروايات وقراءتها، حيث تميز بعض الكتّاب وأخطأ آخرون، وتطور هذا الفن حتى أصبح محل اهتمام غالبية الناس ورفيقًا دائمًا للقراء. كما برز ظهور مفكرين كبار في مختلف الأمم كرّسوا أعمالهم للرواية الخالدة، التي تجاوزت حدود اللغات وكان لها أثر عميق في النفوس.
وبين أن كبار الروائيين تميزوا بقدرتهم على سبر أغوار النفس الإنسانية وتصوير العواطف وكشف الحقائق، وتقديمها للناس في قوالب مشوقة تجمع بين المتعة والفكر. وقد ظهر عبر العصور عمالقة في فن الرواية خلدوا أعمالًا عظيمة، شكلت مصدرًا للعبر والمواعظ، وغذاءً للنفوس، وساهمت في إيقاظ البصائر وترسيخ الحكمة والفلسفة والمعرفة.
وأوضح أن الروائي يخاطب عامة الناس، ويكتب للنفوس المتعبة والقلوب الباحثة عن المعنى، ولذلك تميل الجماهير إلى الرواية لما تجده فيها من متعة ومؤانسة وتأثير تربوي وأخلاقي. كما أكد أن الروائي الحقيقي لا يبلغ مرتبة العبقرية إلا إذا عاش بين الناس وعرف أحوالهم، وامتلك خيالًا خصبًا وقدرة صادقة على التصوير والوصف، وسعى دائمًا إلى الإبداع والكمال بإلهام عميق ورؤية أدبية صادقة.
وأكد أن الروائي المتقن لا يكتمل فنه إلا بسعة اطلاعه على الروايات والتاريخ، ومعرفته بحوادث العالم والمجتمعات، وفهمه العميق للحياة وطبيعة الإنسان. كما يشترط فيه أن يجمع بين بصيرة الناقد، وخيال الشاعر، ومعرفة العالم الاجتماعي، ليتمكن من تقديم رواية صادقة متصلة بالواقع، تعبّر عن الحقيقة بمهارة وإبداع.
ويرى المؤلف، أن الروائي العبقري هو من كرس حياته للفن وكتب له بإخلاص، وجعل من الرواية وسيلة لحمل القيم والحِكم والأهداف الأدبية السامية. فالرواية الفنية الحقيقية تسعى إلى تمجيد الفضائل، ومحاربة الرذائل، وتهذيب الأخلاق، وتنوير العقول، وتترك أثرًا عميقًا في نفس القارئ يقوده إلى التأمل والرقي. وتلك هي الرواية الخالدة التي تسمو بالإنسان وتبقى عبر الزمن.
ينتقد بيدس الروايات المبتذلة والمشوهة التي لم يكتبها أدباء مهرة، التي تنتشر لأغراض تجارية فقط. ويصفها بأنها مجرد سلع رديئة تُباع في الأسواق وتستهوي القراء بشكل سطحي، لكنها خالية من القيمة الأدبية والفكرية.
ويشير إلى أن هذه الروايات لا تهدف إلى تهذيب النفوس أو تنوير العقول، بل تُنتج آثارًا ضارة على الثقافة والأدب، وهي مثال لما يسميه المؤلف "بالسموم الأدبية" المنتشرة في كل زمان ومكان.
ينتقد ناشري الروايات التجارية الذين أضعفوا مكانة الرواية وأفسدوا ذوق القراء، مساهمين في تشويه اللغة والأدب والأخلاق. ويؤكد أن الرواية الحقيقية، مهما كانت قصيرة، تظل قيمة إذا جمعت بين جمال الفن وعمق النفس، وأن قيمة الكاتب الروائي تُقاس بقدر ما ينقله للقارئ من حقائق وعبر بأسلوب فني مشوق. ويشير إلى أن الرواية ظهرت في الشرق بالشكل المعروف حديثًا، وكانت في البداية معظمها مترجمة عن اللغات الغربية، حيث أقبل الأدباء على الترجمة أكثر من التأليف، ولم يتصد لتأليف الروايات الكبيرة إلا عدد قليل.
ونجح بعضهم في نقل أفضل أعمال الروائيين الغربيين بدقة، فيما أفسد آخرون الأدب بنقل الروايات الركيكة والمبتذلة. ومع ازدياد الوعي الأدبي والمدني للأمة، مال الناس إلى الروايات المفيدة والراقية، وبرز عدد من الأدباء الذين بدأوا يواكبون الغرب في تأليف الروايات الأدبية والوطنية.
وقال "إن الفن الروائي في الغرب غني ومتقن، والاستفادة منه عبر النقل أو الاقتباس تضيف للأدب المحلي ثراءً وجمالًا وفنًا، شريطة مراعاة الجودة والصدق الفني". وأكد المؤلف حرصه على تقديم أفضل ما يمكن تقديمه من الرواية للأمة، حيث يحمل قيمة أدبية وحكمة وتثقيفًا.
وأضاف المؤلف أن كتابه "مسارح الأذهان"، كمجموعة روائية فنية تهدف إلى تقديم الأدب والعبر والحكمة للقارئ. يذكر المؤلف أنه قدم كتابه إلى الصديق الياس أفندي انطون الياس، صاحب المطبعة العصرية في مصر، مشيدًا بجهوده في نشر المطبوعات الراقية ومتابعته تقديم الفائدة والنفع للجمهور.
ويثني على موهبته وإبداعه وإخلاصه في خدمة الأدب والفن في الشرق، معبرًا عن ثقته في أن المطبعة ستقدم الكتاب بأجمل صورة فنية، وأنه سيكون غذاءً للنفوس وقيمة حقيقية للقراء.