عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Feb-2026

السردية الوطنية ... مقاربة أخرى*رومان حداد

 الراي 

منذ أن قدم سمو ولي العهد رؤيته لضرورة وجود سردية أردنية، تسارعت التحركات من قبل مؤسسات وأفراد للعمل على السردية الوطنية، وكثر الحديث عن السردية الوطنية وأهميتها، ولكن في خضم هذا التحرك والحديث بدا للمراقب المختص أن كثيرين ممن تحدثوا عن السردية الوطنية أو تحركوا باتجاه بنائها قد اختلطت عليهم مفاهيم الروايات التأسيسية والتاريخ الوطني والسردية الوطنية.
الروايات التأسيسية والسردية الوطنية والتاريخ الوطني ثلاثة مستويات مختلفة لفهم الدولة والمجتمع، وغالباً ما يجري الخلط بينها بما يؤدي إلى حالة من الارتباك في الوعي العام وفي الخطاب السياسي والثقافي.
 
فالروايات التأسيسية تتعلق بلحظة أو لحظات نشوء الدولة أو الكيان السياسي، وتعمل بوصفها روايات رمزية مكثفة تهدف إلى إنتاج معنى للولادة الأولى للدولة وتعمل على الإجابة على عدة أسئلة مثل: لماذا نشأت الدولة؟ ومن هم المؤسسون؟وما هي القيم التي تأسست عليها الدولة؟
 
والروايات التأسيسية بطبيعتها انتقائية، تركز على وقائع بعينها وتهمل غيرها، يتم كتابتها عادةً بلغة رمزية أو شبه أسطورية لتمنح الشرعية والهوية الأولية لفكرة التأسيس كضرورة، وهي ليست مطالبة بالحياد الأكاديمي الكامل ولكنها مطالبة بالتماسك الرمزي والقدرة على توحيد الذاكرة الجماعية.
 
أما التاريخ الوطني فهو حقل معرفي علمي نقدي توثيقي، يتعامل مع الوقائع بتعدد مصادرها، يقبل التناقض ويخضع لمنهج البحث والمراجعة المستمرة، دون سعي إلى إنتاج معنى سياسي جاهز، بل يهدف إلى فهم ما جرى كما جرى، بكل تعقيداته ونجاحاته وإخفاقاته.
 
أما السردية الوطنية، وهي سبب هذه المقالة، فهي تقع في موقع وسيط وديناميكي بين الروايات التأسيسية والتاريخ الوطني، فهي ليست لحظة ولادة الدولة وليست أيضاً أرشيف وقائع، بل هي الإطار التفسيري المتجدد الذي يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، ويشرح كيف يفهم المجتمع ذاته اليوم ويبرر مشروع دولته ويدمج تنوعه واختلافه ضمن معنى جامع.
 
فالسردية الوطنية ليست مقولة نهائية، ولا يمكن اختزالها في نص واحد أو خطاب رسمي واحد، فشرط بناء السردية الوطنية الأساسي هو قدرتها على التعايش مع التاريخ النقدي دون خوف، وعلى تجاوز الروايات التأسيسية دون نفيها.
 
التمييز بين هذه المستويات الثلاثة، وأقصد الروايات التأسيسية والسردية الوطنية والتاريخ الوطني، ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة فكرية وسياسية، لأنه يسمح بحماية التاريخ من التسييس وحماية الرواية التأسيسية من التفكيك القسري وفي ذات الوقت بناء سردية وطنية حية قادرة على التطور والاحتواء.
 
وتظهر السردية الوطنية كمحاولة لصناعة المعنى، معنى الانتماء ومعنى الدولة ومعنى العيش المشترك، لذلك فالسردية الوطنية نتاج حي لتفاعل ثلاثي لا ينفصل، المكان والإنسان والزمان، وأي محاولة لتغيير هذا التفاعل أو هذه المعادلة تؤدي إلى تقييد السردية بقراءة واحدة أو زمن واحد، وحينها تتحول السردية من إطار جامع إلى قيدٍ خانق على الجميع، بمن فيهم من يعتقدون أن السردية تنتصر لهم.
 
خطورة تقييد السرديات بقراءة واحدة هي أنها تغلق باب السؤال، ويتحول حينها الاختلاف إلى شبهة والنقد إلى خروج عن ملة السردية، في حين أن الرواية الواحدة، مهما بدت متماسكة، لا تستطيع احتواء التجربة الوطنية بكل تناقضاتها وتحولاتها، لأنه حين كان بعضنا في المراكز كان البعض الآخر يعاني من التهميش، وبالتالي فإن إقصاء التصارعات وانعكاساتها لصالح سردية نظيفة ومتجانسة يفرغ الهوية الوطنية من صدقها.
 
كما أن السردية الوطنية الحية لا تبنى على الماضي وحده، بل على العلاقة بين الماضي والمستقبل، فالدولة مشروع مفتوح يتطلب سرديات اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية وحضارية تشرح كيف يعيش الناس اليوم، وكيف يعمل الاقتصاد، وكيف تُدار الخلافات، وكيف تُصان الحقوق، وكيف وكيف..، وبالتالي فربط السردية الوطنية حصراً بالماضي يُنتج هوية تتآكل مع الزمن، لأنها لا تجيب عن أسئلة الحاضر ولا تفتح للمواطنين أفق المستقبل.
 
وفي المجتمعات المتنوعة، كمجتمعنا الأردني، تصبح الحاجة إلى بناء سردية جامعة أكثر إلحاحاً، ولكن، قبل أن تتم شيطنة لفظ (الجامعة)، فإن هذا اللفظ في هذا السياق لا يعني السردية الموحدة قسراً، بل هي السردية التي تحتفل بالتنوع، بحيث لا يكون التنوع مجرد شكل فلكلوري أو ينتمي إلى حقل التسويق السياحي للملابس والأطعمة واللهجات، بل عبر الاعتراف الحقيقي بدور المكونات المختلفة في صناعة الدولة والمجتمع، وبحقها في التعبير والمشاركة، لأن السردية التي تختزل التنوع في مشاهد احتفالية، هي سردية تجميلية وليست سردية تدمج الجميع، والسرديات التجميلية هي السرديات التي تنتج اغتراباً عند غالبية فئات المجتمع.
 
ويبقى السؤال الأصعب وهو: كيف يمكن أن تنجح سردية وطنية في ظل وجود سرديات متعددة، بل متناقضة أحياناً؟
 
الإجابة ببساطة ليست في القضاء على السرديات الأخرى، بل في إدارة التعدد السردي، فالسردية الوطنية لا تنتصر بإلغاء البدائل، بل بقدرتها على أن تكون الإطار الأوسع الذي يسمح بتعايش القراءات المختلفة داخل قواعد مشتركة، لأن قوتها لا تأتي من احتكار المعنى، بل من قدرتها على استيعاب النقد والاختلاف دون أن تنهار.