الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
مايكل دوران – (واشنطن بوست) 23/1/2026
مع ترقّب وصول مجموعة ضاربة لحاملة طائرات أميركية إلى الشرق الأوسط في نهاية الأسبوع، سيجد الرئيس دونالد ترامب نفسه قريبًا أمام اتخاذ قرار بشأن الخطوة التالية بشأن إيران. لكنّ عليه قبل ذلك أن يواجه سؤالًا ليس ثمة إجابة حاسمة له: هل إيران دولة متعددة الإثنيات، أم إمبراطورية تهيمن عليها القومية الفارسية؟ حتى الإيرانيون أنفسهم لا يستطيعون الإجابة عن هذا السؤال بشكل قاطع.
يقدّم التاريخ تحذيرًا. لطالما قدّمت يوغوسلافيا نفسها –وكانت تُفهم على نطاق واسع- على أنها دولة تعددية متعددة القوميات. وقد تبنى كثير من اليوغوسلاف تلك الهوية بإخلاص. ولكن عندما انهار النظام في أوائل تسعينيات القرن الماضي، تلاشت تلك الهوية تقريبًا بين ليلة وضحاها. كان الناس يعرّفون أنفسهم بوصفهم يوغوسلاف في يوم، ليستيقظ بعضهم في اليوم التالي صربًا، أو كروات، أو بوسنيين. ويمكن أن تستمر مثل هذه الترتيبات عقودًا –حتى تتوقف، فجأة، عن ذلك. وعند تلك النقطة تطفو الهويات الإثنية المكبوتة إلى السطح، وتتحول السياسة إلى عنف.
في يوغوسلافيا، شكّل الصرب المهيمنون نحو 36 في المئة من السكان. وفي إيران، يشكّل الفرس نسبة أكبر، لكنهم على الأرجح يظلون أقلية. وقد وضعت دراسة حكومية إيرانية في العام 2010 نسبتهم عند 47 في المئة.
وتزيد الجغرافيا الإثنية في إيران من حدة المخاطر. هناك يسيطر الفرس على الهضبة الوسطى حول طهران وأصفهان. ويتركز السكان من الأقليات على طول الحدود -أو بالأحرى تعبرها- وترتبط باللغة والثقافة والتاريخ بمجتمعات تقع مباشرة خلف تلك الحدود. يتجمع الأذريون في الشمال الغربي بمحاذاة أذربيجان وتركيا؛ ويتركز الأكراد في الغرب مقابل المناطق الكردية في العراق وتركيا؛ وينظر العرب في الجنوب الغربي الغني بالنفط نحو العراق؛ والبلوش في الجنوب الشرقي يرتبطون بأقارب لهم في باكستان وأفغانستان؛ والتركمان في الشمال يجاورون تركمانستان.
بذلك، لدى الدول المجاورة مصلحة مباشرة في كيفية إدارة إيران لتنوعها -أو فشلها في إدارته. لكنّ هناك جارًا واحدًا يهُمّ أكثر من أي أحد آخر: أذربيجان.
هناك في إيران من الأذريين العرقيين في إيران أكثر مما في أذربيجان نفسها. ووفقًا للدراسة الحكومية الإيرانية المذكورة نفسها، يشكّل الأذريون نحو 23 في المئة من سكان إيران (وقد تكون النسبة الحقيقية أعلى)، ويتركزون في جيب متصل جغرافيًا. وفي حين أن الأذريين كانوا أكثر اندماجًا في الدولة الإيرانية من أي أقلية أخرى، فإن مؤشرات القلق والتململ في أوساطهم في ازدياد. وهم يستهلكون على نحو متزايد الإعلام التركي والأذربيجاني، ويُبدون اهتمامًا أكبر بجذورهم التركية-الأذرية، ويطالبون بالتعليم بلغتهم الأم. وليس من الصعب فهم السبب: تتمتع تركيا وأذربيجان بمستويات تنمية تضاهي أوروبا، فيما تشرف الجمهورية الإسلامية على فشل اقتصادي وعزلة.
في المرة الأخيرة التي أعادت فيها إيران ترتيب نفسها خلال ثورة 1979، كانت أذربيجان مغلقة بإحكام داخل كتلة الاتحاد السوفياتي. وبعد استقلالها بقيت ضعيفة، مستغرقة في حرب مع أرمينيا، وبلا أي وزن يُذكر في ميزان الداخل الإيراني. لكن هذا لم يعد واقع الحال اليوم. فقد أصبحت أذربيجان قوة إقليمية صاعدة، بجيش يطابق معايير حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وروابط عميقة مع تركيا، وشراكة أمنية وثيقة مع إسرائيل. وفي سيناريو صراع داخلي عنيف داخل إيران، قد تشعر أذربيجان بأنها مضطرة إلى التدخل لحماية أبناء قوميتها -ربما بدعم تركي.
ليس التشظي الإثني في إيران قدرًا محتومًا. لكنه يظل احتمالًا واقعيًا لا تستطيع واشنطن تجاهله. ولعل أفضل طريق للمضي قدمًا هو تجنب ترسيخ الكثير من الافتراضات المسبقة –بطريقة أو بأخرى- حول الشكل الذي ستتخذه إيران إذا ما انهار النظام القائم.
بالنسبة لصانعي السياسات في الولايات المتحدة، قد يكون الرهان على إيران مستقرة ومركزية محفوفًا بالمخاطر بقدر الرهان على تفككها. ويكتسب الحذر بهذا الشان أهمية خاصة الآن، لأن ثمة حركة قوية تتشكل في واشنطن، وبين أوساط من الشتات الإيراني، للاعتراف برضا بهلوي، نجل شاه إيران الذي أُطيح به في العام 1979، ليكون ممثلًا للأمة الإيرانية. ويتمتع بهلوي بقبول حقيقي، لكن شرعيته محل نزاع. ثمة الكثيرون داخل الأقليات الإثنية في إيران يرونه رمزًا للشوفينية الفارسية أكثر منه عنوانًا للوحدة الوطنية -وليس الأذريون الإيرانيون استثناءً. ولا شك في أن رفع شخصية واحدة لتجسيد إيران ينطوي على مخاطر الحسم المسبق لتسوية داخلية لم يتوصل إليها الإيرانيون أنفسهم بعد.
في الأسابيع الأخيرة، وصف لي أذريون مرارًا سيناريو يثير قلقهم. وفي هذا التصور، يسقط المرشد علي خامنئي، لكن النظام لا يسقط. وينجو الحرس الثوري من مرحلة الانتقال، ويخلع عنه جلده الديني، ويعاود الظهور كجهاز إنفاذ لديكتاتورية قومية فارسية –وربما يرحّب ببهلوي كشخصية رمزية بينما يحتفظ بالسلطة الحقيقية لنفسه خلف الكواليس.
قد يبدو استبدال خامنئي ببهلوي جذابًا في واشنطن: ثمة قطع رأس نظيف، وإنهاء للبرنامج النووي، ومظهر من الاعتدال من دون فوضى تغيير النظام. لكن ذلك سيُسجل بالنسبة لأقليات إيران بوصفه استمرارية للنظام في أفضل الأحوال، وربما شيئًا أكثر قتامة. فقد تتحول حكومة تستند إلى القومية الفارسية لشرعنة نفسها سريعًا إلى نظام أكثر قمعًا.
يبقى ما إذا كانت إيران هي دولة متعددة القوميات أم إمبراطورية فارسية سؤالًا مفتوحًا –وستظل إجابته، في الواقع، غير معروفة إلى أن تفرض الأحداث مواجهة مع الحقيقة. وقد تُطلق خطوات ترامب التالية -سواء أكانت ضربات، أم عقوبات، أم مفاوضات- شرارة تلك المواجهة. وعلى واشنطن أن تُجري مشاورات واسعة مع إيرانيين من مختلف الخلفيات القومية، وأن تتشاور كذلك مع قادة الجوار الذين سيعيشون تبعات الأزمة المقبلة -بخاصة الرئيس إلهام علييف في باكو، أذربيجان.
لكن، وقبل كل شيء، ينبغي على ترامب أن يقاوم إغراء تنصيب خلفاء في إيران، وأن يصمّم سياسة تتعامل مع عدم اليقين وليس مع وهم الاستقرار. سوف تكون الأوقات المقبلة مضطربة.
*مايكل دوران Michael Doran : مدير "مركز السلام والأمن في الشرق الأوسط" في معهد هدسون.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: A nightmare scenario for Iran