الدستور
يتصوّر البعض أن عالمنا غدا فنتازيا غرائبيا أكثر عجبا من الروايات الخيالية الهائمة. للأسف هؤلاء هم الفنتازيون الخياليون؛ كونهم يعيشون فوق كوكب غير كوكبنا. فمنذ متى كان عالمنا عقلانيا عادلا يؤمن بالحق والقوانين. عالمنا يرفع يافطة تقول بكل وضح إنه يحق للأقوياء ما لا يحق لغيرهم، ولا يقيّد القانون الدولي إلا الضعفاء.
لربما من حسن حظي أنني غسلت يدي منذ زمن ليس بالقصير من عدالة العالم، وأيقنت أنه غابة. أو بعبارة أدق ملعب تفرض فيه أمريكا دستور اللعبة وشروطها وتحدد اللاعبين الأهداف وهتافات الفوز وتقطيبات وجوه الخاسرين.
تذكرت في لحظة اعتقال مادورو رئيس بنما مانويل نورييغا وقد اعتقلته أمريكا في مثل ذلك اليوم من عام 1990 (وهي بالمناسبة قتلت قاسم سليماني في التاريخ ذاته عام 2000). اعتقلت نورييغا بعد عملية عسكرية لم تكن محكمة كعملية العزم القاطع في كراكاس. كما أنه لم يكن سهلا كالرئيس الفنزويلي، وفر إلى سفارة الفاتيكان مما اضطرهم إلى نصب مكبرات صوت تبث موسيقى صاخبة لحرمانه من النوم وكسر إرادته؛ فاستسلم بعد أيام وحكم 40 سنة.
بعيدا عن تكرار أسطوانة البلطجة الأمريكية المعروفة للجميع، فإني ما زلت أرى أن الأنظمة الاستبدادية هشة ضعيفة هزيلة سهلة الاختراق، حتى وإن بدت قوية متماسكة. هي ظاهرة صوتية لا أكثر.
مادورد واستبداده وشعاراته وسوء إدارته أوصلت فنزويلا إلى الاهتراء العميق رغم ما تملكه من ثروات وتنوع حيوي. ولو كان الفنزويليون يؤيدونه حقاً؛ لعجت بهم مدنهم منددين بالعدوان على سيادتهم. ربما هم أكثر فرحا بالخلاص منه، فمهما ستكون معيشتهم فلن تكون أسوأ من أيامه الضيقة. لكن الحسرة ستبقى مشتعلة في قلوبهم أن إسقاطه لم يكن بأياديهم، كي يتجنبوا العدوان، والتاريخ شاهد على أن الطغاة طالما كانوا جسرا للغزاة.
لربما أن البطل الحقيقي في زمننا هذا هو من يحترم قوانين الطبيعية ويعيش وفقا لذلك، بكل ما أوتي من صدق. أما العنتريات والهوبرة والتلويح بالقبضات فكل ذلك لا يقلي بيضة ولا يمنع اقتحاما في الفجر يسحب فيها رئيس من دفء فراشه.
العلّامة الفرنسي إيمانويل تود يرى أن الإمبراطوريات تصبح أشد خطورة ورغبة في البطش، وهي تفقد سطوتها. وهنا سنسأل، هل حقا أمريكا تفقد سطوتها الآن؟ أم أنها تفاقمها وتمعن في بطشها وتدوس عالما اعتقدنا للحظة أنه بات متعدد الأقطاب، وهذا ما تؤكده ردود أفعال الدول العظمى حيال حادثة مادورو.
هي تعاني فرطا في القوة، ولا أعرف إن كان ذلك سيوصلها إلى فقدان السيطرة أم إلى غلو فيها؟