عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-May-2026

"عتبات على أبواب كتابات".. تجربة تتجاوز كتابة النصوص

 الغد-عزيزة علي

 يقدم الناقد والباحث المغربي الدكتور سعيد يقطين في كتابه "عن الكتابة والاستضافة: عتبات على أبواب كتابات"، الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون". قراءة في موضوع الكتابة من زاوية العلاقات التي تنشأ بين الكتّاب والمثقفين، وما تحمله من أبعاد إنسانية وأخلاقية تتجاوز مجرد إنتاج النصوص، إلى بناء شبكات من التفاعل والتقدير المتبادل.
 
 
وينطلق يقطين من نقد الصورة السلبية السائدة أحيانًا في الوسط الثقافي، حيث يغلب التنافس والصراع والحسد على أصحاب المهنة الواحدة، وهي ظاهرة قد تمتد تاريخيًا لتشمل أشكالًا من الإقصاء والتشهير. غير أن هذا الجانب لا يلغي وجود نماذج مضيئة من التعاون والتآزر بين المثقفين، تتجسد في علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والإخلاص الفكري، حتى بين أجيال مختلفة أو مدارس فكرية متباينة.
كما يولي الكتاب أهمية خاصة لمجموعة من الممارسات الثقافية التي تعكس هذا البعد التشاركي، مثل "التقريظ"، كتابة الشكر والإهداء وعرض الأعمال على نقّاد أو كتّاب قبل نشرها. غير أن المفهوم المركزي الذي يطوّره المؤلف هو "الاستضافة"، أي دعوة كاتب لآخر لكتابة مقدمة لعمله، بوصفها فعلًا رمزيًا يجمع بين التقدير والتعاون، ويمنح النص بعدًا إضافيًا يتجاوز صاحبه الأصلي.
يرى المؤلف في مقدمة كتابه، أن العلاقة بين أصحاب المهن المتشابهة غالبًا ما تتسم بالتوتر وندرة التعاون، إذ يغلب عليها السعي إلى المصلحة الذاتية والنظر إلى "ابن الحرفة" بوصفه منافسًا. وتتفاقم هذه الحالة في الأوساط الثقافية بين المثقفين والشعراء والكتاب والعلماء، حيث يسود التنافس والحسد، وقد يصل الأمر إلى الكيد والتشهير، بل وإلى التسبب في السجن أو النفي أو إحراق الكتب.
وأشار، إلى أن التاريخ العربي حافل بنماذج لاضطهاد مثقفين وعلماء تعرضوا لأشكال من التنكيل والتعذيب، بدوافع تتداخل فيها الطائفية والمذهبية والأيديولوجيا. غير أن هذه العوامل تخفي في جوهرها مشاعر الغيرة والحسد الناتجة عن التفوق، والإحساس بالعجز عن مجاراة الآخرين أو منافستهم في الإنتاج.
ورغم ما نشهده من كراهية مفرطة، إلا أن هناك علاقات أخرى بين المثقفين والعلماء تقوم على المودة الصادقة والإخلاص، حتى بعد رحيل أصحابها. وتدل علاقات مثل التوحيدي بالجاحظ، والمعرّي بالمتنبي، على نموذج يجسد الاشتراك في حمل عبء الكلمة وتقدير مسؤوليتها.
ويتجلى هذا بوضوح في "التقريظ"، شعرًا كان أم نثرًا، حيث يشاد بالمثقف وتُثمن أعماله وأخلاقه. وقد زخر التراث العربي بهذا اللون من الكتابة، وإن لم ينل حظه من الاهتمام. ومن ذلك، ما نُسب إلى التوحيدي بعنوان "تقريظ الجاحظ"، ولم تصلنا منه إلا شذرات.
وأضاف يقطين أن بعض الكتّاب درجوا على عرض أعمالهم على نظرائهم قبل نسخها أو طباعتها، طلبًا للرأي والاستفادة من الملاحظات. ويعكس هذا سعي الكاتب إلى إضفاء بعد جماعي على عمله، بما يساهم في تحسينه وتنقيحه وتدارك ما قد يغيب عنه أثناء الكتابة.
ويرى المؤلف، أن هذا النوع الثالث هو الأقدر على تجسيد الروابط الإنسانية والأخلاقية بين الكتّاب، بما يتجاوز ما يشيع بينهم من صراعات. ويتمثل ذلك فيما أسميه "الاستضافة"، أي دعوة كاتب لكتابة مقدمة لكتاب حديث التأليف. وهي مشاركة تتيح للضيف تقديم العمل إلى القرّاء، وتعبر عن تقدير متبادل يمنح الكتاب بعدًا إضافيًا في نظر متلقيه.
وقال يقطين "إن يدعوك مؤلف لكتابة مقدمة لعمله، إبداعيًا كان أم نقديًا، هو تشريف وتكليف في آن. فهو تشريف لما ينطوي عليه من ثقة وتقدير، وتكليف لما يفرضه من التزام باللباقة والدقة في التقديم. غير أن هذا الشعور، سرعان ما يخفّ حين يدرك الكاتب أن اختياره لم يكن اعتباطيًا، بل استنادًا إلى وعي بطبيعة هذه المشاركة، وما تقتضيه من تفاعل صادق مع النص".
وهكذا تصبح "الاستضافة"، فعلًا قائمًا على التبادل: تقدير من المؤلف، واستجابة مسؤولة من الضيف، تتيح قراءة منفتحة للعمل، تُقدر ما فيه حتى مع الاختلاف، وتمنحه ما يستحقه من عناية واحترام.
قد يقبل المرء أحيانًا على ما لا يستهويه ما دام غير ضار، كما قد يحجم عمّا يرغبه إذا تبين له ما لا يلائم صحته. وعلى هذا النحو، فإن قبول الدعوة إلى "الاستضافة"، هو مشاركة إيجابية تحكمها، ضمنيًا، قيم راسخة تختصرها الأمثال الشعبية، مثل: "الضيف ما يتشرّط، ومول الخيمة ما يفرّط"، و"يأكل ما حضر، ويغضّ البصر، وما يذيع خبر". وهي أمثال تؤكد مكانة الضيافة في الثقافة المغربية، وما تقتضيه من لباقة وتقدير متبادل، خاصة حين تتصل بهواجس فكرية وثقافية مشتركة لا يفسدها الاختلاف.
ومن ثمّ، تقوم العلاقة بين الكتابة والاستضافة على هذه القيم؛ فالدعوة إلى "القِرى"، قرينة بقيمة "الحديث"، إذ "الحديث من القِرى". وما يقدّمه الكاتب الضيف، وقد اقترن اسمه باسم المضيف على غلاف الكتاب، يساهم في توثيق الصلة بين الكتّاب، ويضيف إلى العمل ما قد يشكّل مدخلًا له أو حافزًا للقارئ للانتباه إلى جوانب قد لا يلتفت إليها ابتداءً.
يعتبر المؤلف أن العلاقة لا تستقيم بين الكتابة و"الاستضافة"، إلا في إطار هذه القيم النبيلة؛ فالدعوة إلى "القِرى"، تقترن بمعرفة قدر "الحديث"، إذ "الحديث من القِرى". وإسهام الكاتب الضيف، وقد اقترن اسمه باسم المضيف على غلاف الكتاب، يعزّز الصلة بين الكتّاب، ويضيف إلى العمل ما قد يكون مدخلًا له أو حافزًا للقارئ لاكتشاف جوانب قد لا ينتبه إليها ابتداءً.
ولا تقتصر الاستضافة على الكتب الفردية، بل تمتد إلى المؤلفات الجماعية التي يشارك فيها باحثون عدة، حيث يُفترض في الضيف الإلمام بالموضوع المشترك، فلا يكتفي بالإشادة، بل يقدّم إضافة تتجاوز التعريف بالكتاب إلى الإسهام في تطوير أفكاره وتحفيز تعميقها. وتبرز قيمة هذا الدور بوضوح في مقدمات كثير من الكتب الأجنبية، سواء أكانت فردية أم جماعية، لما تحمله من أبعاد معرفية وأخلاقية.
وهكذا، تمثل الاستضافة، إلى جانب التقريظ والشكر والإهداء، مظهرًا من مظاهر الارتقاء بعلاقات الكتاب، بما يتجاوز الصراع والاختلاف، ويعزز نبل رسالة الكتابة.
قال يقطين "لا أدري أيهما قادني إلى الكتابة: الأدب أم السياسة. غير أن الأرجح أن صلتي بالأدب بدأت مبكرًا، منذ المرحلة الابتدائية، حين صارت القراءة ملاذي؛ أقرأ كل ما يقع في يدي، فاكتشفت في القصة والقصيدة عالمًا جميلاً بلغته وأفكاره".
أوضح المؤلف أن علاقته بالسياسة تشكلت من خلال المعاينة المباشرة لعدم المساواة بين الناس، فأدركت، قبيل المراهقة، أن تفاوت الغنى والفقر نتاج علاقات غير عادلة. كما ساهم المناخ الذي نشأت فيه، بما حمله من حديث عن المقاومة الشعبية ضد الاستعمار، في تنمية وعيي، خاصة مع الإحساس بأن ثمار الاستقلال لم تصل إلى الجميع. ومن هنا، صار طرح الأسئلة أساسًا في نظرتي إلى الحياة.
يتابع يقطين: تكوّنت لديّ، تبعًا لذلك، مفارقة بين جمال الأدب وقبح السياسة، فغدت الكتابة وسيلتي لإشاعة الجمال ومقاومة القبح. وكان أول ما كتبت رسالة إلى أخي في فاس، عقب أحداث 23 مارس 1965 بالدار البيضاء، عبّرت فيها، بالدارجة والعربية، عن الاضطراب الذي شهدته المدينة. ومنذ الخامسة عشرة، بدأ وعيي بأهمية الكتابة يتبلور، وكانت القراءة مدخلي الطبيعي إلى ذلك.
وعندما أعود إلى تلك المقدمات، أراها تعبيرًا عن واجب أخلاقي وثقافي، يقوم على تقدير الكاتب والكتابة معًا. فقد أدركت أن من لم يعانِ مشقة الكتابة لا يستطيع أن ينصف الكاتب، حتى وإن اختلف معه. فالاستضافة، مثل الصداقة، تعبير عن الإيمان بدور الكتابة في مواجهة القبح والتفاهة.
وخلص يقطين، إلى أن "الكتاب يضم مقدمات كتبتها في فترات متباعدة، قسّمتها إلى أربعة أبواب تعكس مجالات اشتغالي: من الدراسة الأدبية إلى الإبداع شعرًا وسردًا، مرورًا بالثقافة الشعبية وصولًا إلى الثقافة الرقمية. وقد ربطتني ببعض أصحاب هذه الكتب معرفة مباشرة، بينما لم ألتقِ بآخرين. ومع ذلك، فإن ما يجمعنا هو احترام الكتابة، بما تعنيه من تقدير للقارئ والدعوة إلى القراءة، مهما اختلفت الأمكنة والمرجعيات".