عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Feb-2026

قلق الاختبار*د. يحيى أحمد القبالي

 الغد

تناول كثير من الدراسات موضوع قلق الاختبار (الخوف من الاختبار) لما له من أهمية على نتائج الطلبة وتحديد مستقبلهم في ضوء نتائج المستوى الأكاديمي، وما يترتب عليه من نجاح في السلّم التعليمي أو الالتحاق بالجامعات لاحقا، واعتمدت هذه الدراسات على مدارس علم النفس المعروفة: كالمدرسة المعرفية أو المدرسة السلوكية، أو مدرسة التحليل النفسي، وغيرها من المدارس، وبطبيعة الحال كان أغلب نتائج هذه الدراسات متقاربا إن لم يكن متطابقا.
 
 
ومصطلح قلق الاختبار أو الخوف من الامتحان، وكلاهما مصطلحان رديفان، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: هل يوجد فرد واحد لا يعاني من القلق أو الخوف من الاختبار مهما كان الموقف الذي يحتاج فيه إجابة من ذلك الفرد، مع الأخذ بعين الاعتبار قيمة الحافز المترتبة على إجابته؟
يعاني الأفراد كافة على مختلف شرائحهم من الخوف من الاختبار سواء كان في المجال الأكاديمي أو المهني أو مقابلة عمل، أو قياس قدرات أو حتى تحقيق أمني…الخ.
يشير الأدب التربوي في هذا المجال إلى أن الفرد بحاجة إلى درجة من الخوف (التوتر) الطبيعي حتى ينجز المهمات التي كلّف بها، وهذا الوضع صحي لكل فرد تحت الضغط، ولكن إن زاد هذا التوتر عن حدّه فيمكننا أن نطلق عليه مصطلح الخوف المرضي (Phobia). 
تناولت الدراسات قلق الاختبار بدرجة كبيرة جدا من النقل الحرفي والتكرار، وقامت بعرض المظاهر التي تصيب الطلبة عند تقديم الاختبار دون التفريق بين مراحل هذا القلق أو الشريحة الأكثر تعرضا لهذا الخوف المرضي من الاختبار، وعلى ما تقدم نورد ما يلي:
إن قلق الاختبار يصيب الطلبة بشكل عام وهي صفة سائدة بنسب مختلفة، إلا أن شريحة الطلبة المتفوقين أكاديميا هم أكثر من يعاني من هذا الاضطراب، حيث يصل بهم هذا الخوف إلى درجة الخوف المرضي Phobia فالطالب الذي ينتمي إلى هذه الشريحة يبحث دائما عن الكمال ولا شيء غير الكمال، وتعد Perfectionism خاصية الكمالية من أكثر الخصائص الدالة على المتفوقين أكاديميا فهي صفة ملازمة لهم؛ لما يملكونه من استعداد أكاديمي يجعلهم قادرين على الاستدلال العلمي (الاستنتاج، والاستقراء) دون غيرهم من الطلبة.
مراحل الخوف المرضي من الاختبار: 
مرحلة ما قبل الاختبار: يعاني الطلبة المتفوقون أكاديميا أكثر من غيرهم من هذا الاضطراب بنسب تفوق الطلبة العاديين بأضعاف، حيث تبدو عليهم مظاهره بشكل لا يخفى على أحد ومن هذه المظاهر: الانعزالية، حيث ينعزل الطبة المتفوقون أكاديميا عن العالم الخارجي وينكبّون على مذاكرة دروسهم بجد وحزم. اضطرابات النوم: يعانون من قلة النوم واضطرابه؛ وذلك بسبب اقتحام الأفكار المتعلقة بالاختبار على تفكيرهم، ويصعب عليهم في الوقت نفسه تجاهلها. الاضطرابات المعوية (إسهال، إمساك)، يؤثر الخوف المرضي من الاختبار على العادات الغذائية للطبة المتفوقين أكاديميا، ويزداد ذلك التأثير عند اقتراب فترة الاختبارات، ويفقدون الكثير من أوزانهم. قلة الثقة بالنفس: يظهر ذلك من خلال إعادة قراءة المادة العلمية (المنهاج الدراسي)عدة مرات، ويشعرون بأنهم لم يتموا قراءة المنهاج واستيعابه. اضطرابات التغذية: حيث يختلف البرنامج الغذائي للطلبة المتفوقين أكاديميا اختلافا كليا عما كان عليه قبل اقتراب موعد الاختبار، فقد يقتصر غذاؤهم على وجبة واحدة يوميا.
مرحلة القلق أثناء تقديم الاختبار:
من أكثر المراحل تأثيرا بنفسية الطلبة المتفوقين أكاديميا هي مرحلة تقديم الاختبار، حيث تظهر عليهم المظاهر التالية أو بعضها: خفقان القلب الشديد، اضطرابات التنفس، التعرّق الجسدي في الوجه واليدين، وصعوبة السيطرة على القلم من شدة التعرق، جفاف الفم والحلق، الغثيان في أغلب الأحيان، صعوبة التركيز، وقد يفقد التركيز نهائيا ويحتاج لفترة راحة، الشعور بالإرهاق والفتور الجسدي، العصبية والتوتر، وقد يحدث بعض المشاكل في قاعة الاختبار إذا صدر أي صوت من قبل الطلبة أو المراقب (صوته، وقع خطواته، التفاتاته… الخ). ضعف الثقة بالنفس، وفي هذه الأثناء يكون الطالب المتفوق أكاديميا أضعف ما يكون ثقته بنفسه، وبما يقوم بتقديمه من إجابات يعتبرها غير كافية للنجاح، الرجفة في اليدين، وقد تمتد إلى الأرجل ومن ثم باقي الجسد، الصداع في حالات أخرى، اضطراب الذاكرة، حيث يسيطر النسيان على ذاكرة الطلبة المتفوقين أكاديميا لبعض الوقت أثناء تأدية الاختبار.
مرحلة القلق المرضي ما بعد الاختبار: يمكننا أن نطلق على هذه المرحلة مرحلة التخيلات السلبية غير المبررة، وذلك اعتمادا على ما يظهره الطلبة المتفوقون أكاديميا من قلق مبالغ فيه، مثل: القلق من عدم الحصول على درجة النجاح: وفي سابقة ظهرت على التلفاز عند مقابلة إحدى الطالبات التي حصلت على المركز الأول في الأردن في الثانوية العامة، عندما سأل المذيع الطالبة التي حصلت على المرتبة الأولى على الفرع العلمي: ما كان شعورك قبل ظهور النتيجة؟
أجابت: كنت خائفة جدا من الرسوب.
ويصاحب ذلك: شرود الذهن وعدم التركيز، اضطرابات التغذية والنوم، اضطرابات النطق (التلعثم، والتأتأة) وذلك ناشئ عن التفكير المتصل بانتظار نتيجة الاختبار، العصبية والتوتر المرتفع ويصل إلى درجة البكاء، إعادة مراجعة الاجابات بشكل فردي وجماعي مما يؤدي إلى ضعف الثقة واختلاط الاجابات ونسيان جوانب كثيرة من الإجابة التي تمت بالفعل.
كيف ينشأ قلق الاختبار؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من تعريف قلق الاختبار:
هو عبارة عن مجموعة من المعتقدات التي يدركها الطالب حول انفعالاته كرد فعل عند القيام بالأعمال المدرسية ومواجهة المواقف الامتحانية كالشعور بالتوتر والعصبية الشديدة غير المبررة التي تجعله ينسى ما تعلمه والتفكير فيما يترتب على فشله في الامتحان. 
ويتكون قلق الامتحان من عاملين أساسيين: عامل القلق، عامل الانفعال.
وعلى حين يتضمن عامل القلق إدراك الذات، يشير عامل الانفعال إلى الحالة الوجدانية والنفسية المصاحبة والناتجة عن الإثارة التلقائية والتي هي عبارة عن الإحساس بالتوتر والضيق.
ويعود الخوف المرضي من الاختبار لعدة عوامل:
عوامل متعلقة بشخصية الطالب المتفوق أكاديميا:
الكمالية: حيث يسعى الطلبة المتفوقون أكاديميا إلى الكمال وتحصيل الدرجة الكاملة، ويصاب بالإحباط جرّاء فقد بعض الدرجات، فنظرته دائما على ما فقد من درجات وليس على ما تم تحصيله.
أهمية الحافز الذي يترتب عليه تحصيل أعلى الدرجات (كالقبول في الجامعة) وما يمثل ذلك له من تلبية لطموحه، ويكون بمثابة عامل ضغط على الطالب في الوقت نفسه.
تحقيق الذات، حيث يسعى الطالب المتفوق أكاديميا لتحقيق ذاته من خلال حصوله على أفضل إنجاز(المركز الأول).
مركز الضبط الداخلي، حيث يعلم المتفوق أكاديميا بأن أي اخفاق قد يتعرض له يعود بالدرجة الأولى لسوء تنظيمه لوقته وعوامل داخلية في نفسه وليس لعوامل خارجية، فيزيد ذلك من توتره ويدفعه إلى لوم نفسه على تقصيره الذي ليس له وجود في الواقع أصلا.
 وقد يختلق الطالبة المتفوقون أكاديميا الأعذار لتأجيل موعد الاختبار لظنهم بأنهم لم يكملوا دراسة المادة.
عوامل متعلقة ببناء الاختبار: سهولة الأسئلة: وهذا الواقع يزيد من قلق الطلبة المتفوقين أكاديميا حينما يصادفون اختبارا لا يلبي رغباتهم ولا يتحدى قدراتهم ويساويهم بغيرهم في نتيجته المتوقعة.
ضيق وقت الاختبار، حيث يملك المتفوق أكاديميا قدرة أكثر من غيرهم للإجابة بشكل كامل عن كل سؤال، وقد لا يسعفهم الوقت لذلك.
الأمور الفنية في إخراج ورقة الاختبار (الوضوح، الترتيب، …) مما يربك الطلبة المتفوقين أكاديميا ويشتت تفكيرهم.
عدم التقيد بمعايير السهولة والصعوبة: ويعني ذلك عدم التسلسل بالصعوبة فقد يتفاجأ الطلبة المتفوقون بصعوبة السؤال الأول فيفقدهم ذلك الثقة بأنفسهم، والتقيد بتسلسل الصعوبة في الاختبار هو أحد معايير التقويم التربوي.
عوامل متعلقة ببيئة الاختبار:
عدم مناسبة قاعة الاختبار لتأدية الاختبارات (الضيق، أو وجود صدى كبير للصوت، أو اكتظاظ الطلبة…)، قرب القاعة من المشتتات السمعية والضوضاء مما يؤدي إلى تشتت سمعي لدى الطلبة، عدم مناسبة الوضع الفيزيائي للقاعة (ضعف الضوء، التهوية، الحرارة، البرودة…).
جنوح الآخرين للغش أثناء تأدية الاختبار، تهاون المراقبين في قاعات الاختبار.
توقعات أولياء الأمور، والمعلمين، والأقران: تزيد هذه التوقعات العبء والضغوطات على الطلبة المتفوقين خوفا من خيبة الأمل من قبل الأقران، والوالدين، والمعلمين. 
هل يمكن التغلب على الخوف المرضي للاختبار؟
يمكن التغلب على هذا الاضطراب لدى الطلبة العاديين من خلال التدرب على مواقف مشابهة والتقليل من الحصول على الدرجة الكاملة، واطلاعهم على اختبارات سابقة مشابهة… الخ. فبطبيعة الحال فإن الطلبة يعرفون قدراتهم أكثر من غيرهم، فالطالب غير المتفوق أكاديميا يسعى لتقدير الذات، أما الطالب المتفوق أكاديميا فيسعى لتحقيق الذات– أعلى مرتبة في هرم ماسلو للحاجات– ومكافئة النتيجة للجهد الذي بذله، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الطالب المتفوق أكاديميا لديه استعداد أكاديمي خاص يتمثل– كما أسلفنا سابقا– بالقدرة على الاستدلال العلمي (الاستنتاج، والاستقراء) ولهذا الأمر دور كبير في محافظته على تفوقه، لذا نجد بأن قسم التقويم والاختبارات في وزارة التربية والتعليم بتضمين أسئلة أي اختبار على (5 %) من الأسئلة الاستنتاجية أو الاستقرائية، لذلك نجد الطالب المتفوق أكاديميا قادرا على الإجابة عن تلك الأسئلة التي تعتبر معضلة للطلبة غير المتفوقين أكاديميا والذين يمكن أن نطلق عليهم القراؤون كثيرا (بصم) أي الذين يملكون القدرة على الحفظ بشكل كبير، فنرى في نهاية كل اختبار في الثانوية العامة مجموعة من الطلبة الذين يزعمون بوجود أسئلة من خارج المنهاج، وإنما هي أسئلة تكون قابلة للقياس، أو الاستنتاج، أو الاستقراء على ما تعلموه سابقا ولا يدرك ذلك إلا المتفوقون أكاديميا، لذلك كانت درجة القطع التي يتم اعتمادها للتفوق الأكاديمي لا تقل عن (95 %) في الأحوال كافة للترشيح لبرنامج التسريع الأكاديمي.