المناعة الرقمية وخطاب الكراهية في الأردن*د. محمود أبو فروة الرجبي
الغد
لا يمكن أن يخلو نقاش عام في عالم الرقمية اليوم دون الإشارة بشكل أو بآخر إلى خطاب الكراهية، إذ إن انتشار منصات التواصل الاجتماعي التي أتاحت لكل إنسان بغض النظر عن ثقافته، وامتلاكه منظومة قيمية تؤهله لمخاطبة الناس فرصة بث ونشر محتوى قد ينتشر بين الآلاف وربما ملايين الناس، ورغم أن ذلك أعطى الفرصة للجميع للتعبير عن آرائهم، ولكنه في الوقت نفسه صنع ظواهر سلبية تتعلق بتسطيح الثقافة، ونشر الـمحتوى التافه في بعض الأحيان، وفوق ذلك، وفر بيئة خصبة لصناع خطاب الكراهية.
نعرف خطاب الكراهية في مقالنا هذا أنه ببساطة هو بث أو نشر أي محتوى، يهاجم شخصًا، أو مجموعة، أو فئة من الناس، بسبب هوية معينة، مثل الدين، أو الأصل، أو اللون، أو الجنسية، أو ما شابه، بهدف تحقيرهم أو التحريض ضدهم أو تبرير التمييز والعنف بحقهم، ويدخل في هذا الباب تخوين الآخرين، أو إلصاق الصفات السلبية بهم، أو الشعور بالافتخار الكاذب لأسباب لا علاقة لها بالإنجاز – علمًا أن من ينجز حقًا لا يحتاج للافتخار، ولا يقوم به عادة-.
لن نأت بجديد عندما نقول إن خطاب الكراهية مخالف لقيمنا الأردنية، والعربية، والإسلامية، بل والإنسانية، وإن أخلاقنا العامة لا تشجعه، ولكن الرقمية غيرت الكثير من القيم، وأصبحنا نرى حملات، فردية، أو منظمة بهدف الإساءة إلى فئات معينة في الـمجتمع، وأحيانًا بهدف سد نقص، أو شعور بالدونية عند فئات، من خلال الافتخار الكاذب، ولصق الصفات السيئة بالمجموعات الأخرى، ومهاجمتها دون وجه حق.
هناك خطورة شديدة من خطاب الكراهية، فهو يؤثر على الأمن القومي، والسلم المجتمعي، ويخلق بيئة غير متناسقة، وبدلًا من توحيد جهود المواطنين باتجاه حل القضايا الـمهمة، يتم إدخالهم في حروب لا طائل منها سوى تفتيت الـمجتمع، والتأثير على قدراته الإنجازية، وربما في حالات معينة أن يصل إلى حد الاقتتال، لا سمح الله.
حقق الـمجتمع الأردني نجاحات كبيرة، وملموسة في تخطي المصاعب، والخروج بأقل الخسائر في مراحل مفصلية من حياة أمتنا ومنطقتنا، بفضل عوامل عديدة، وعلى رأسها الاستقرار، ومن الجدير ذكره أن هذا الاستقرار يتأتى من خلال عوامل عديدة وأهمها التكاتف، والتعاضد المجتمعي، الذي قد يهتز بسبب خطاب الكراهية.
هناك نوعان من خطاب الكراهية منتشر في منصات التواصل الاجتماعي، الأول الناتج عن سبق إصرار، ووعي، وهذا خطر، ولكن الأخطر منه هو النوع الثاني الذي يمارسه من ينقاد لمثل هذا الخطاب دون وعي، فيبدأ ببناء محتوى سلبي قائم على مهاجمة الآخرين، والتقليل من انجازاتهم، والافتخار بالأصل، والعرق، والدين، واللون دون الالتفات إلى الإنجازات الحقيقية، وهذا علميًا، يؤدي إلى شعور الفرد بالإنجاز الكاذب، فيقلل فرصة النمو الحقيقي، والتطور الملموس في الـمجتمع، ولا يجعله يشعر بأهمية تطوير نفسه، فقد وصل إلى الكمال الزائف.
وجزء كبير من خطاب الكراهية في مجتمعنا الأردني سببه تشوه المفاهيم لدى البعض، فهناك من يعتقد أنه يمتلك الحقيقة الـمطلقة، ولا يحق لغيره أن يخالف برأيه، وآخرون يرون أنهم الوطنيون الحقيقيون، والبعض يحتكر التدين، وهناك من يظن أنه الوحيد الناجح في الـمجتمع، وهكذا دواليك.
لن أتطرق إلى القوانين الأردنية التي تجرم خطاب الكراهية، ولا الإجراءات التي قد تساهم في تقليل غلوائه وهي موجودة، ولكنني أدعو الدولة، والحكومة، والـمجتمع إلى تبني مفاهيم حقيقية تزرع في الناس بمختلف الوسائل، مبنية على واقع صحيح، فالمعروف أن تشوه المفاهيم في عقول بعض الـمواطنين – وهم أقلية والحمد لله- يصنع أفكارًا منحرفة، قد تؤدي إلى سلوكيات سلبية، وتبني أدوات خطيرة في محاربة الآخرين ومنها خطاب الكراهية.
مفهوم الوطنية يجب إعادة تعريفه في بلدنا، بل وفي وطننا العربي الكبير لكي يكون مبينًا على الإنجاز، واحترام القانون، ومعايير واضحة ومنطقية، وهذا يجعل أي شخص يدرك أن حبه لوطنه يعني ترجمته لسلوكيات إيجابية اتجاهه، تساهم في رفعة وطنه، وأما المفهوم الآخر فهو القوة، والنفوذ، القوة الحقيقية تكون في احترام القوانين، والنظام العام، وعدم التعدي على الآخرين، وفي ظل وجود القوانين، والأجهزة الأخرى للدولة، فهي صاحبة السلطة الأولى والأخيرة، والمواطن يعبر عن رأيه من خلال القنوات الشرعية، بطريقة إيجابية، وله الحق في التعبير عن آرائه بمنطقية، بعيدًا عن الغوغائية، والاتهامية، والانجرار وراء «البله الرقمي» واقصد به، العشوائية في بناء المضامين الرقمية، والحديث لمجرد تعبئة الفراغات، مما يؤدي أحيانًا إلى اللهاث وراء التفاعل، والمتابعات، ولو على حساب خدش الوحدة الوطنية، أو الإساءة للآخرين أو المس بالسلم المجتمعي.
الواسطة والمحسوبية من القضايا التي تقلق غالبية المواطنين لذلك، وفي ظل الانتشار الرقمي يجب محاربتهما بقوة، وتطبيق القوانين، وفي حالة وجود أي معلومة حولها نشرها بشفافية، وتصحيح أي خطأ قد يقع من أي شخص يتدخل لأخذ حقوق الآخرين، وإظهار ذلك للمواطنين كي تزداد ثقة المواطن بالإجراءات الحكومية، ولنصل إلى درجة يشعر بها الأشخاص العاديون بالعدالة، وهذا مهم لبناء الانتماء الحقيقي، فلا وجود لخطاب كراهية لدى شخص يشعر أنه يأخذ حقوقه في وطنه، وعند من لديه انتماء حقيقي يترجم دائمًا إلى سلوكيات إيجابية.
نحتاج دائمًا إلى البحث عن السلبيات في مجتمعنا ومحاولة تصحيحها، كي يكون مجتمعنا نقيا، وبعيدًا عن كل ما يؤثر على سلمه المجتمعي، فلا توجد دولة في العالم تهتز بسبب الظروف السيئة الـمحيطة بها، إذا تمكنت من بناء مواطن واعٍ، يعرف حقوقه، وواجباته، ويبتعد عن كل ما يؤثر على سلامة الـمجتمع.
المناعة الرقمية تعني أن نبني مواطنًا يعرف كيف يستخدم الأدوات الرقمية، ولا يبث، ولا ينشر ما يسيء لمجتمعه، بل يكون جنديًا مخلصًا في الحفاظ على بلده، من خلال إنتاجيته العالية، ومعرفته وعلمه الحقيقي، وعدم الانجرار وراء السلوكيات السلبية وعلى رأسها صناعة خطاب الكراهية.
الأقلية التي تقوم في بلدنا بصناعة خطاب الكراهية يجب ألا تشوه مسيرتنا، وواجبنا جمعيا محاصرتها، ومناقشتها بالحسنى وبالكلام الطيب، والإقناع المنطقي حتى ترتدع، وأما الإجراءات القانونية فهذه مسؤولية الأجهزة المعنية.
خطاب الكراهية لا يليق بنا في بلدنا الغالي الأردن، ولا في وطننا العربي الكبير، بل وفي العالم كله، لذلك، يجب أن نحاربه بكل ما أوتينا من قوة، خاصة من خلال بناء ثقافة وقائية، قائمة على قيمنا، وأخلاقنا العالية.