عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Apr-2026

"مسك أحمر".. عمل روائي يعيد تشكيل الذاكرة في زمن ما بعد الحرب

 الغد-عزيزة علي

 تأتي رواية "مسك أحمر" للروائية نجد حوراني بوصفها محاولة سردية عميقة لالتقاط ما تعجز الذاكرة عن قوله مباشرة. عمل لا يكتفي برصد التحولات الكبرى التي عصفت بسورية، بل يتوغل في أثرها الإنساني، حيث تتقاطع مصائر الأفراد مع أسئلة الفقد والهوية والانتماء، في نسيج روائي يمزج بين الحس الإنساني والتأمل الفلسفي.
 
 
تتحرك الرواية الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عبر فضاءين متباعدين ظاهريا، متصلين جوهريا: دمشق وباريس، حيث تتجاور تجربتا المنفى والعودة، وتتشابك الأزمنة بين ماض مثقل بالجراح ومستقبل مفتوح على احتمالات غير مكتملة. ومن خلال هذا البناء المتداخل، تطرح الرواية رؤية تتجاوز التوثيق، لتعيد تشكيل الذاكرة بوصفها قوة فاعلة في فهم الحاضر وإعادة تخيله.
ولا تكتفي الرواية برصد تجربة الفقد بوصفها حدثا عابرا، بل تجعل منها محورا بنيويا يتغلغل في تكوين الشخصيات ومساراتها؛ إذ تتجسد الخسارة في صور متعددة، من الغياب القسري إلى المنفى، ومن تفتت العلاقات إلى هشاشة الانتماء. وفي هذا السياق، تغدو الذاكرة عنصرا مركزيا، ليس فقط بوصفها مخزونا للألم، بل كقوة قادرة على إعادة تشكيل الحاضر، وفتح أفق لاحتمالات جديدة، حتى في أكثر اللحظات قتامة.
ومن خلال هذا البناء المركب، تنجح حوراني في تقديم نص أدبي يوازن بين الخاص والعام، حيث تتحول التجربة الفردية إلى مرآة لأسئلة إنسانية أوسع تتعلق بمعنى النجاة، وإمكانات الاستمرار، وقدرة الإنسان على إعادة بناء ذاته وسط الركام. إنها رواية تكتب الألم، لكنها في الوقت ذاته تفتح بابا للتأمل فيما يمكن أن ينبثق عنه من أشكال جديدة للحياة.
في كلمة على غلاف الرواية، جاء أن "مسك أحمر" هي رواية تضيء على المكون الإنساني في "سورية"، في زمن يتجاور فيه الحب والحرب. فالحرب، كما يشي التاريخ، لا تغيب عن السياق الإنساني إلا لتعود بأشكال جديدة، أما الحب فهو النبع الأبدي الذي يواصل تدفقه رغم ما يعترض طريقه من عوائق.
في هذه الرواية، تأخذنا حوراني في رحلة إلى عوالم مأساة الإنسان، حين يصبح سعيه إلى الحرية وبالا عليه، وحين يتحول الحلم بحياة آمنة إلى مغامرة محفوفة بالخسارات. شخصيات تمشي على حافة الخوف، تبحث في قلب العتمة عن نافذة للضوء، وتتشبث بما تبقى من الأمل. ومع ذلك، يظل الحب جسرا خفيا يقود إلى ضفة هانئة، ويظل الأمل مصباحا صغيرا ينير درب الباحثين عن الحب والحرية.
تقول في الرواية؛ "بعثرتُ ملامحي، ورسمتُها اثنتي عشرة مرة، كأنني أحاول القبض على ذاتي في مرايا متفرقة. قلبتُ أنهار خريطة العالم، ولونتُ شعري وملابسي، وتجولتُ في شتى المذاهب؛ سرتُ مع الصوفيين، وراقبتُ بوذا في صمته.. جلستُ على مقاعد أوروبا الحديدية الأنيقة، والتقطتُ صورا لحضارتها الفاقعة، لكن شجرة عتيقة، ومدينة تولد من حجرٍ قديم، وأذانا من المسجد الأموي، كلها كانت تدور حول قلبي والكرة الأرضية في آن واحد".
وتضيف "هنا، لا تخضع الجغرافيا لقانون الجاذبية، فدمشق تتحول إلى مركز للذاكرة والانتماء". وتتساءل الراوية: "هل أستطيع أن أقاوم اسمي؟ هل أعيش كل يوم في أعلى طبقات الإحساس كما أريد؟ وتدرك أن البقاء في دمشق هو الطريق الوحيد للانصهار في الذات، رغم الرغبة والمعاندة معا. ولم يبق أمامي من حيلة إلا فضح الأسرار: أعوام مضت محفوظة في بضع أوراق، كأنها كل حياتي في شكلها الأكثر وضوحا وخطرا".
حوراني تقدم في هذه الرواية سردا روائيا يتكئ على تعددية الأزمنة والأمكنة، ويغوص في أسئلة إنسانية معقدة تتصل بالذاكرة والفقد والهوية، ضمن معالجة فنية تمزج بين الحس الحكائي والتأمل الفلسفي.
تنسج الرواية خيوطها عبر مسارين جغرافيين رئيسيين يمتدان بين دمشق وباريس، حيث تتقاطع التجربتان في سياق إنساني واحد يعكس أثر التحولات الكبرى التي شهدتها سورية منذ العام 2011. غير أن النص لا يكتفي بتوثيق تلك المرحلة، بل يعيد تشكيلها من خلال منظور زمني مفتوح؛ يبدأ من المستقبل، وتحديدا من العام 2051، ثم يعود بالقارئ تدريجيا إلى جذور الحكاية.
في مدينة داريا، التي تحاول النهوض من رمادها بعد عقود من الحرب، تعيش سلمى، المرأة العائدة من المنفى، لتكتشف أن العودة إلى المكان لا تعني بالضرورة استعادة الذات.
تحمل سلمى في داخلها ذاكرة مثقلة بالخسارات؛ فقدت أختها تحت القصف، وغاب حبيبها أحمد في المعتقلات، لتبقى حياته معلّقة بين الغياب والانتظار. في عالمها، يغدو الحب تجربة محفوفة بالخطر، وتتحول الذاكرة إلى عبء يصعب الفكاك منه.
وعلى الضفة الأخرى، في باريس، تتشكل شخصية "ألمى"، ابنة سلمى، المنتمية إلى جيل لم يعش الحرب مباشرة، لكنه ورث آثارها النفسية العميقة. تمثل ألمى هذا الجيل العالق بين الانتماء والاغتراب؛ وحين تقرر زيارة دمشق، لا تكون رحلتها مجرد عودة عابرة، بل تتحول إلى مواجهة حادة مع تاريخ عائلتها، ومع أسئلة تتجاوز الشخصي إلى الجمعي: ماذا نرث من الحروب؟ وهل يمكن للذاكرة أن تغدو بداية جديدة بدل أن تظل قيدا؟
تعتمد الرواية بنية سردية متشابكة، تتنقل عبر أزمنة متعددة؛ من لحظة اندلاع الثورة السورية، مرورا بسنوات المنفى، وصولا إلى زمن لاحق يحاول فيه الناجون إعادة تعريف معنى الحياة. وفي خضم هذا التشابك، تنبثق قصة حب جديدة، لكنها لا تأتي بوصفها خلاصا سهلا، بل كنافذة تعيد فتح جراح الماضي، وتكشف عن روابط خفية تصل بين الأجيال، مؤكدة أن ما لم يُحسم في زمن ما يظل يتشكل في أزمنة لاحقة.
ولا تغفل الرواية مقاربة تجربة الاعتقال؛ إذ تقدمها من منظور نفسي تأملي يتجاوز السرد المباشر للقسوة، ليغوص في أثرها العميق في تكوين الإنسان. هنا، يغدو فقدان الذاكرة استعارة كبرى لفقدان أشمل يطال الفرد والمكان والتاريخ، في إحالة إلى تشظي الهوية تحت وطأة العنف.
كما تستدعي رواية "مسك أحمر" رموزا من حضارة أوغاريت، لتقيم جسرا بين الماضي السحيق والحاضر المضطرب، في مقاربة توحي بأن التاريخ ليس خطا مستقيما، بل سلسلة من الدورات المتعاقبة بين الانهيار والبعث. وفي هذا السياق، تبدو الذاكرة، على ثقلها، أداة للمقاومة والاستمرار، لا مجرد سجل للألم.
على المستوى الأسلوبي، تتسم الرواية بلغة شعرية مكثفة، تتداخل فيها الحكاية مع التأمل، والواقعي مع الرمزي، بما يمنح النص بعدا وجدانيا عميقا. وتنجح الكاتبة في نسج عالم سردي يجعل من التجربة الفردية مرآة لأسئلة إنسانية أوسع، تتجاوز حدود المكان والزمان، وتضع القارئ أمام نص يلامس الفكر بقدر ما يلامس الشعور.
بهذا، تطرح "مسك أحمر" نفسها عملا روائيا يسعى إلى إعادة التفكير في معنى النجاة، وفي الكيفية التي يمكن للإنسان من خلالها أن يعيد تشكيل ذاته وسط الركام، مستندا إلى الذاكرة لا بوصفها عبئا فحسب، بل باعتبارها احتمالا مفتوحا للحياة.
يذكر أن نجد الحوراني هي كاتبة سورية تعمل في قطاع التعليم، وناشطة ثقافية، لا سيما في مجال مراجعات الإصدارات الروائية، وعلم النفس، وتطوير الذات. وتنتمي إلى عائلة ذات حضور سياسي وثقافي؛ فجدّها لأبيها هو السياسي المعروف أكرم الحوراني، وجدّها لأمها الكاتب شريف الراس.