عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jan-2026

الدكتورة منى أحمد أبو حمدية: الأردن وفلسطين وجهان لروح واحدة يتقاسمان ذاكرة ممتدة وثقافة غنية وتراثاً مشتركاً

 الدستور-نضال برقان

«دردشة ثقافية»، فسحة نتجوّل من خلالها في المختبر الإبداعي لكوكبة من المبدعات والمبدعين الأردنيين، والعرب. نستحضر من خلالها ثلاثة من أهم الأسئلة المرتبطة بالكتابة وشجونها: لماذا نكتب؟ ولِمن نكتب؟ ومتى نكتب؟ ثم ننطلق إلى فضاءات متشعبة، في الفكر، والأدب، والإبداع بشتى أشكاله وأجناسه، إضافة لشجون اجتماعية وسياسية.
دردشتنا الآتية نستضيف خلالها الدكتورة منى أحمد أبو حمدية، وهي أكاديمية وباحثة فلسطينية، تحمل شهادات علمية في الأدب الإنجليزي، والدراسات الثقافية، والتراث والآثار. عملت في مجالات البحث الأكاديمي، والكتابة الثقافية والأدبية، وشاركت في مؤتمرات علمية وثقافية محلية ودولية، مثّلت خلالها الصوت الفلسطيني بوصفه حاملاً للذاكرة والهوية.
لها إسهامات بحثية في مجالات الأدب، والهوية الثقافية، والتراث المادي واللامادي، إضافة إلى مئات المقالات والدراسات المنشورة في صحف ومنصات ثقافية عربية ودولية. تجمع في كتابتها بين المنهج الأكاديمي الصارم، واللغة الأدبية التي تنحاز للإنسان، وتسعى إلى مساءلة الواقع، واستنطاق التاريخ، وربط الماضي بالحاضر. تنطلق رؤيتها الفكرية من الإيمان بدور الثقافة بوصفها فعل مقاومة، وبأن الأدب ليس ترفاً، بل ضرورة أخلاقية ومعرفية في زمن الاضطراب.
 بدايةً، لو طُلب منكِ أن تعرّفي نفسك للقرّاء، بشيء من البوح، أو بكثير منه، فماذا تقولين؟
- أنا ابنةُ الأسئلة المفتوحة، والذاكرة التي ترفض أن تكون هامشاً. أجيء من الأدب بوصفه ملاذاً، ومن التراث بوصفه هوية، ومن الآثار بوصفها الشاهد الأصدق على عبور الإنسان في الزمن.
أكتب لأنني لا أجيد الصمت طويلاً، ولأن الكلمات بالنسبة لي ليست ترفاً بل ضرورة وجودية، أحاول من خلالها أن أرمّم ما تهدّم في الروح الفردية والجمعية، وأن أُنقذ المعنى من التآكل.
 لماذا تكتبين؟ ولِمَن تكتبين؟ ومتى تجدين نفسك في الحالة الأصدق للكتابة؟
- أكتب لأفهم العالم وأفهم ذاتي في سياقه، قبل أن أسعى إلى إفهام الآخرين. أكتب كي لا تتغلب القسوة على الذاكرة، وكي لا يُختزل الإنسان في زحام العابر والمستهلك من تفاصيل الحياة، حيث تتراجع الأسئلة الكبرى أمام ضجيج اليوميات. أكتب للقارئ الذي يشاركُني قلقه الإنساني، ويؤمن بأن السؤال مدخلٌ للفهم، لا لمن يكتفي بأجوبة جاهزة. أمّا الحالة الأصدق للكتابة، فأجدها حين تتخفف اللغة من الزخرفة، وتقترب من جوهر التجربة، فتغدو الكتابة فعل صدق ومسؤولية، لا مجرد ممارسة جمالية.
 إلى أيّ حدّ ترين أن المكان الأردني حاضرٌ في كتابتك بوصفه تجربة حيّة؟
- المكان الأردني في كتابتي ليس مجرد خلفية جغرافية، بل تجربة حيّة تشارك فلسطين في التاريخ والتراث والهوية. كفلسطينية، أشعر بأن الأردن وفلسطين وجهان لروح واحدة، نتقاسم ذاكرة ممتدة، وثقافة غنية، وتراثاً مشتركاً. في أبحاثي العلمية حول التراث، لطالما أشدت بالجهود الأردنية في الحفاظ على المواقع التاريخية وترميمها، وبالوصاية الهاشمية ودورها في الإعمار. كما كتبت عن مساهمة الأردن في فلسطين، من دعم الإغاثة إلى حشد الاعترافات الدولية، وما قدمه من تضحيات وإنجازات في مواجهة التحديات التاريخية والسياسية.
المكان عندي يُكتب من الداخل، من ارتباط القلب بالإنسان قبل الجغرافيا، ومن الرؤية المشتركة لتاريخ وهوية تجمع شعبين وأرضين، ليصبح حضور الأردن في نصوصي حضوراً حياً، ملموساً، يتنفس في تفاصيل الحياة اليومية، في الذاكرة، وفي علاقة الإنسان بالأرض والثقافة.
 هل تخشين أن يتحوّل صوتك الإبداعي إلى تكرارٍ ذاتي؟ وكيف تقاومين ذلك؟
- الخشية مشروعة، وربما ضرورية. أقاوم التكرار بالقراءة الدائمة، وبالانفتاح على حقول معرفية متعددة، وبمساءلة نصّي قبل أن أقدّسه.
أؤمن أن الكاتب الذي يتوقف عن الشك في صوته، يبدأ فعلياً في فقدانه.
 ما رأيكِ في الذكاء الاصطناعي وتأثيره في الإبداع؟
 -الذكاء الاصطناعي، بتفاصيله كافة، اختراعٌ مبهر يفتح آفاقاً واسعة للمعرفة والتنظيم والإنتاج، لكنه يظلّ كياناً بلا ذاكرة شعورية، ولا جرح، ولا تجربة عيش. هو قادر على المحاكاة، لا على الإحساس، وعلى التركيب، لا على المعاناة التي تولد منها الكتابة الحقيقية. في أحد أبحاثي ناقشتُ هذه الإشكالية تحديداً، وخلصتُ إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك روحاً ولا نبضاً، وإن أمكن الإفادة منه بوصفه مساند يتناغم مع فعل الكتابة، لا بديلاً عنه.
الخطر الحقيقي لا يكمن في وجوده، بل في استقالة المبدع من مسؤوليته الأخلاقية والجمالية، وتسليمه صوته وقلقه الإنساني لآلة.
الإبداع الأصيل لا يُستنسخ، لأنه مرتبط بالخبرة الإنسانية، بالهشاشة، وبذلك الخطأ الجميل الذي لا تعرفه الخوارزميات، لكنه يصنع الفرق بين نصّ حيّ ونصّ مُتقن بلا روح.
 هل ترين أن المشهد الثقافي منصفٌ للمبدعين؟
- المشهد الثقافي، في مجمله، لا يخلو من اختلالات. هناك أصوات حقيقية تُهمَّش، وأخرى تُضخَّم لأسباب لا علاقة لها بالإبداع. ومع ذلك، أؤمن أن الزمن، وإن طال، ينحاز في النهاية إلى ما هو أصيل.
 ما المشروع الذي تعملين عليه حالياً؟
- أعمل على مشروع بحثي/ إبداعي يتقاطع فيه الأدب مع الذاكرة الثقافية والتراثية، في محاولة مساءلة العلاقة بين النص والهوية، وبين السرد والتاريخ.
 التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الصرامة الأكاديمية الرصينة وحرية الكتابة الإبداعية.
 ما أبرز انشغالاتك الإبداعية الراهنة؟
- يشغلني سؤال الإنسان في زمن القسوة، وسؤال الهوية في عالم سريع الاستهلاك.
أبحث في الكتابة عن معنى العدالة الرمزية، وعن قدرة الكلمة على المقاومة، لا بالشعارات، بل بالوعي .
 أخيراً، ما النصيحة التي تودّين توجيهها للمبدعين الشباب؟
- لا تتعجلوا الضوء، فالضوء الذي يأتي قبل أوانه قد يعمي أكثر مما يكشف.
لا تكتبوا لإرضاء أحد، بل اكتبوا لتكونوا أوفياء لأسئلتكم الداخلية. اقرأوا كثيراً، واكتبوا بصدق، واسمحوا لنصوصكم أن تنضج على مهل، فالإبداع ليس سباقاً نحو الشهرة، بل رحلة طويلة وشاقة مع الذات.
وحين تأتي الشهرة؛ تذكّروا أن التواضع هو الاختبار الحقيقي للمبدع. الشهرة لا تمنح القيمة، بل تكشفها، ومن يفقد تواضعه يفقد جزءاً من صدقه الإنساني، مهما لمع اسمه.
أما الهدف الأعمق للمثقف، فلا يكمن في التتويج ولا في المنصّات، بل في التحرر: التحرر من القيم البالية، ومن الأحقاد، ومن الخطابات الجاهزة، والتطلع الدائم نحو الحرية، والاستقلالية الفكرية، والكرامة الإنسانية. فالمثقف الحقيقي لا يراكم الأمجاد، بل يفتح نوافذ الوعي، ويجعل من المعرفة فعلاً أخلاقياً وانسانياً قبل أن تكون إنجازاً شخصياً.