المدن
انتخابات أو لا انتخابات، مسألة تقليدية في لبنان منذ سنوات، حيث تمّ التمديد للمجالس البلدية ورؤساء الجمهورية والمجلس النيابي وقادة الجيش. ليس ثمة شيئ غريب على الحياة السياسية سوى أننا في بداية ولاية رئاسية جديدة وتأكيدات في خطاب القسم، والبيان الوزاري، والخطابات السياسية الرسمية وغير الرسمية على ضرورة احترام الاستحقاقات الدستورية ومواعيدها، وتأكيد الخارج على هذه النقطة نظرياً! فيما البلاد تواجه استحقاق التأجيل مرة جديدة. استحقاق بات مرجحاً إلى حد بعيد ومرشحاً وحيداً في الأسابيع المقبلة ترافقه زفّـة سيادية استثنائية على وقع موسيقى صاخبة تعمّ البلاد يميزها نشاز غير مألوف. أصوات سيادية، دقات سيادية، تمايل سيادي، تحايل سيادي، وهم سيادي، حلم سيادي، ورم سيادي، هلوسة سيادية، وسوسة سيادية، مزايدة سيادية، في سوق النخاسة السياسية في البلاد. كل هذا يغطيه الكتاب. نعم الكتاب. الدستور. نلتزم بالكتاب. الكتاب هو الفيصل. الكتاب هو المرجع. ولىّ زمن الخروج عن الكتاب. وفي كثير من الممارسات والتصرفات والقرارات لا مكان لهذا الكتاب. المرجع هو المرجع، أي الخارج، على مستوى الإرادة. وسوء الإدارة والأداء وقلة الخبرة على مستوى الداخل.
غريب عجيب أمر هذا البلد. بالرغم من ذلك سهل فهمه إذا أراد المرء أن يفهم ويتواضع ويراجع تاريخه ويكون واقعياً. ليس ثمة بلد في العالم تحتل أرضه ويقع تحت السيادة الاسرائيلية لناحية استباحة أرضه واجوائه واستمتاع المعتدين بالتفنّن بالقتل واستهداف المدنيين والمنازل والمؤسسات، في ظل قرار لوقف الأعمال العدائية ويسقط المئات من الشهداء ويمنع الأهالي من العودة إلى ديارهم، ويخرج وزراؤه يعلنون: احتلال النقاط الخمس ليس بنداً في اتفاق وقف الأعمال العدائية، لكننا فرضناه وقبلته الإدارة الأميركية. ويتعايش أهل البلد مع هذا الواقع. الفريق المستهدف بشكل مباشر في إطار استهداف كل البلد، يتكيّف. مئات الشهداء. الرموز. المسؤولون. يُقطفون على الطرقات وفي المنازل. وفريق آخر يستهويه المشهد من دون مبالغة. يعبّر بحقد بتناول طائفة كبيرة مهمة فاعلة ويعزف على الأوتار السيادية ويمارس الكراهية السياسية والانسانية، ويغيب عن كل ذلك المنطق والعقل والموضوعية والواقعية السياسية والشجاعة القيادية والحكمة، وتسيطر الحالات المذهبية الطائفية والمصلحية الضيقة والبلد على كفوف عفاريت. هذا كفّ بصره، وذاك تكفّف هنا وهناك. وتكافّ القوم عن الهم الواحد والواجب الواحد، وهو انقاذ لبنان ووحدته ومستقبله.
في قلب هذا المشهد يصول ويجول موفدون أجانب وسفراء في أروقة المقرات الرئاسية والسياسية ويسألون: لماذا إجراء الانتخابات؟؟ ويقولون: المسألة شأن داخلي. لن نقول كلاماً علنياً في هذا الاستحقاق. إنها قمة الاستهتار بعقول وكرامة وحرية وسيادة اللبنانيين الذين يحترمون هذه المبادئ والقيم. ليس ثمة سر في لبنان. كل شيئ معلوم. وإذا كان الموفدون والسفراء يقومون بواجبهم، ينفذون تعليمات حكوماتهم على طريقتهم، فماذا يفعل المسؤولون والسياسيون اللبنانيون الذين يقبلون كل ذلك ويبشّرون يومياً بالسيادة وبعضهم تلقى إهانات وتنبيهات بسبب إقدامه على خطوات معينة وبعض آخر تلقى تحذيرات والتزم، وقليل قليل ممن وصله شيئ من ذلك حافظ على هيبة موقعه وكرامة موقفه وأصول الحياة السياسية واللعبة السياسية في لبنان؟
أياً تكن الأسباب الموجبة للتوجيهات الخارجية المخالفة لـِ "الكتاب" الدستور، خطاب القسم، البيان الوزاري، فهي مهينة ومعيبة، وإذا كان ثمة من يبدي ارتياحاً لها، بهدف البقاء والخوف من نتائج الانتخابات المقبلة، فليقلع على الأقل عن التهديد والوعيد والترويج لنتائج كاسحة حاسمة لفريق واستحضار بطولات وهمية ثم ركوب موجة التمديد دون الحد الأدنى من الحرفة في الإدارة، لتخريج الموقف بحد أدنى من الكرامة الوطنية. كل المواقع لا قيمة لها في ظل هذا الوضع وموقع لبنان الأساس هو المستهدف، المهدّد بوحدته الوطنية.
وإذا كان ثمة أميّون لم يتعلموا فما بال الذين يعتبرون أنفسهم فقهاء في علوم السياسة وألاعيبها؟
لم يبق من السياسة اللبنانية إلا الذاكرة والوقائع التي تعلّم. لكن لم يبق من يريد أن يتعلّم بل يحرص على استخدام أقصر وأبشع الطرق للوصول. ولم يبق من السياسيين المحترفين إلا القليل القليل القليل لنرافقهم ونتعلّم منهم! وهذا أفضل مشهد لمن يريد الانتقام من لبنان التنوّع النموذج، النكهة الاستثناء في هذه المنطقة العربية، والنقيض الأساس للمشروع الاسرائيلي.